
البروفسور أسعد قطّان
١١ ايار ٢٠٢٦
كنائس المهاجرين بوصفها تحدّياً لاهوتيّاً وكنسيّاً: وجهة نظر من الشرق الأوسط
(محاضرة أُلقيت في مؤتمر علميّ عن تحدّيات الهجرة، أيزناخ، ألمانيا، ٢٠٢٦/٥/٩)
ما معنى أن نصغي إلى صوت المسيحيّين الآتين من الشرق؟ بادئ ذي بدء، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ هؤلاء لا يتكلّمون اليوم «لغةً» واحدة. فتعدّد الأصوات في الكنائس الكبرى الناطقة بالألمانيّة يقابله تعدّد أصوات في أوساط المسيحيّين المشارقة، لا بالنظر إلى شؤون الكنائس الداخليّة فحسب، كالإصلاح الليتورجيّ أو قضايا النساء، بل في ما يتّصل بالخارج أيضاً، كالموقف من المسلمين واليهود. بعض المسيحيّين الشرقيّين يحسبون، مثلاً، أنّ هناك مؤامرةً كونيّةً لإفراغ الشرق من مسيحيّيه. بعضهم يماهي الإسلام بالإسلامويّة ويأخذ على الأوروبيّين إفراطهم في «بدعة» الحوار. بعضهم يعدّ أنّ المسيحيّة تختلف عن الإسلام جذريّاً إلى حدّ تعذّر العيش مع المسلمين. أخيراً، بعضهم يؤكّد أهمّيّة العيش المشترك بين الأديان في الشرق ويرى فيه قاعدةً يبنى عليها في سبيل تشكيل حاضر ومستقبل أفضل. المسيحيّون الشرقيّون الذين يأتون أوروبّا يحملون معهم، إذاً، أفكارهم. لكن سرعان ما تتشكّل لديهم بواسطة الاحتكاك مع الآخرين تصوّرات جديدة كثيراً ما تكون هجينة. وليس من النادر أن يمعن المتطرّف في تطرّفه، وأن تشغل آليّات الدفاع عن النفس حيّزاً أوسع. هذا التعدّد في المواقف والأفكار لا يمكن التعامل معه إلّا بالحوار. فالحوار شرط كي نتفادى مقاربة المسيحيّين المشارقة بوصفهم بقايا ماضٍ مجيد مندثر، أو مجرّد وسيلة لتعزيز شعور الإنسان الأوروبيّ بأنّه يبزّ الآخرين في المعرفة. نقتطف ثلاثة مجالات للحوار مع المسيحيّين الشرقيّين من دون إقصاء غيرها.
أوّلاً: ماهيّة الكنيسة ومعناها
غالباً ما يتولّد الانطباع أنّ الإنسان الأوروبيّ دخل زمن ما بعد الكنيسة. في حين أنّ الأسئلة المتعلّقة بالدين تنمو وتتصاعد، تتراجع حاجة البشر إلى ارتياد الكنائس. في ألمانيا، هذا الزمن يتّصف بميل أعداد هائلة من البشر إلى العزوف الرسميّ عن الانتساب الكنسيّ وفقدان الكنائس جزءاً لا يستهان به من صدقيّتها. في الأزمنة المصيريّة، أزمنة حرب غزّة وحروب الشرق الأوسط التي لم تنتهِ بعد، تتقن المؤسّسة الكنسيّة الألمانيّة لعبة السكوت. العام ٢٠١٥، حين كانت قوافل اللاجئين تنهمر على ألمانيا، كانت الكنيسة الإنجيليّة منهمكةً بالتحضير ليوبيل الإصلاح البروتستنتيّ (١٥١٧)، وتستثمر عشرات الملايين كي تثبت للمجتمع، ولذاتها بالدرجة الأولى، مدى أهمّيّتها في مجتمع يمعن في الابتعاد عنها. لكنّ حصاد الحقل لم يأتِ متطابقاً مع حصاد البيدر. ويبدو اليوم أنّ هذه الكنيسة فوّتت على ذاتها فرصة إطلاق تغيير في النموذج طال انتظاره.
النموذج الكنسيّ الذي ينتمي إليه المسيحيّون الآتون من الشرق ليس بأفضل. لئن يؤكّد علماء الاجتماع أنّ الجماعات القائمة على أساس ليتورجيّ أشدّ ثباتاً من الجماعات التي تتمحور على الوعظ، إلّا أنّ المسيحيّين الشرقيّين غالباً ما ينتسبون إلى كنائس مغرقة في السلطويّة والذكوريّة والفساد، كنائس لا تُسمع فيها أصوات الشباب والنساء وذوي الاحتياجات الخاصّة. حيال هذا الواقع، علينا أن نطلق معاً حواراً يدور على معنى أن نكون كنيسةً في زمن ما بعد الكنيسة.
ثانياً: معنى الماضي
لدى المسيحيّين الشرقيّين يحضر الماضي بقوّة. في ألمانيا كذلك، يتعلّم المرء أهمّيّة ثقافة التذكّر، ثقافة التعامل مع الماضي بعين النقد واستخلاص العبر. لكنّ ثمّة فرقاً ذا شأن بين النمطين: ما خلا بعض الاستثناءات الجديرة بالدراسة، تفتقر مقاربة الماضي لدى مسيحيّي الشرق إلى الموضوعيّة والتوازن، بحيث يستعاد الماضي لإذكاء أشكال من التروما القديم أو لإعادة إنتاج نماذج من القلق. نحن، إذاً، أمام استذكار استنسابيّ للماضي ينتقي بعض الأحداث، ويضفي عليها صفة الإطلاق، في حين أنّه يهمل أحداثاً أخرى أو يتكتّم عليها. هكذا تستعاد، مثلاً، بعض أحداث مجزرة العام ١٨٦٠ في جبل لبنان والشام، ويتغاضى عن أنّ عبد القادر الجزائريّ أنقذ آلاف المسيحيّين في دمشق. ومن ثمّ، نحن نحتاج إلى حوار يتناول جدليّة التذكّر والنسيان. كيف يمكننا تحقيق التوازن بين هاتين النزعتين؟ وكيف يمكن علم التاريخ أن يعيننا على بلورة مقاربات متّزنة وغير متطرّفة؟
ثالثاً: المسلمون واليهود
تتّصف علاقة المسيحيّين الشرقيّين بالمسلمين واليهود بطابعها المكسور. كما أشرنا إليه أعلاه، يتمّ تأويل الخبرات مع المسلمين على غير وجه. وغالباً ما تجري الاستعانة بالإسلام بغية إنتاج مفاهيم مغلوطة عن المسيحيّة الشرقيّة، فيُضفى عليها طابع جوهرانيّ أو تُحسب مختلفةً اختلافاً جذريّاً عن محيطها. هذا لا يستتبع أنّ المسلمين يسلكون بلا لوم، أو أنّ الإسلام لا يحتاج إلى إصلاح. والحقّ أنّ الأوساط الإسلاميّة تحتاج إلى مزيد من نقد الذات، مزيد من إدراك تأصّل أيّ خطاب دينيّ في التاريخ ونسبيّته، فضلاً عن مقاربة أشدّ نقديّةً للمصادر، بما فيها القرآن الكريم. في ألمانيا تحديداً، وبعد أكثر من خمس عشرة سنة على دعم قلّ نظيره لنشوء مراكز جامعيّة تعنى باللاهوت الإسلاميّ، يبدو أنّ ما تمّ إنجازه في هذا الاتّجاه النقديّ يسير جدّاً. بيد أنّ هذا لا يستتبع جعل الإسلام كبش محرقة لتبرير موجات هجرة المسيحيّين من الشرق. كذلك يجب التنبّه إلى أنّ معظم ضحايا الإسلامويّة الجهاديّة كانوا من المسلمين أنفسهم.
ماذا عن اليهود؟ كما في الغرب، درج كُثُر من مسيحيّي الشرق على الخلط بين إسرائيل الكتاب المقدّس واليهوديّة التاريخيّة ودولة إسرائيل الحديثة. في الغرب، ثمن هذا الخلط موقف غير نقديّ من سياسات من يقبضون على ناصية السلطة في دولة إسرائيل. أمّا في الشرق، فالثمن أخذ اليهود عموماً بجريرة جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانيّة التي تُرتكب على أرض فلسطين التاريخيّة. ومن ثمّ، وعلى الرغم من تداعيات حرب غزّة، من المرحّب به أنّ شرائح واسعةً من اليهود عبر العالم أعلنت رفضها الحرب في فلسطين وتأييدها السلام العادل هناك.
من الالتباسات التي يتّسم بها الواقع الألمانيّ أنّه يمكن الحديث عن الإسلام سعةً وعمقاً، في حين أنّ هناك خطاباً واحداً شبه رسميّ عمّا يجري في الشرق الأوسط. لقد آن الأوان لكسر حلقة الخطاب الأحاديّ التنميطيّ المفرغة. ذات يوم، كتب الروائيّ اللبنانيّ الياس خوري أنّه يخاف من تاريخ لا يمتلك إلّا حكايةً واحدة. والحقّ أنّ واحدةً من أساسيّات اللاهوت أن يتصدّى بالحوار للأسئلة الصعبة: هل ثمّة تضامن مزدوج مع سكّان فلسطين التاريخيّة من فلسطينيّين وإسرائيليّين وكيف يكون؟ كيف يمكن إعادة تعريف مفهوم السلام في الكتاب المقدّس في سبيل مواجهة مقولة «السلام بواسطة العنف»؟ هل ثمّة حاجة إلى «لاهوت ما بعد غزة» وما معالمه؟ هذه الأسئلة عن الإسلام واليهوديّة والحرب والسلم من البديهيّ أنّه يمكن العكوف عليها في حلقة اللاهوت الألمانيّ «الضيّقة». لكن، من الأفضل بما لا يقاس أن ينطلق هذا الحوار عبر استدخال المسيحيّين الشرقيّين، بحيث يصبحون منه جزءاً لا يتجزّأ.
