
زياد الصَّائغ
٢٣ نيسان ٢٠٢٦
لبنانُ في مقارباتٍ حولَ اللّامركزيَّةِ الإداريَّةِ الموسَّعةِ والفدراليَّةِ والتّقسيمِ!
لم يعُدِ النِّقاشُ الدائرُ في لُبنانَ حولَ اللّامركزيَّةِ الإداريَّةِ الموسَّعةِ والفدراليَّةِ والتّقسيمِ مجرَّدَ سجالٍ سياسيٍّ أو دستوريٍّ عابرٍ، بل تحوَّلَ إلى مرآةٍ تعكسُ حجمَ الانهيارِ الذي أصابَ الدَّولةَ اللُّبنانيَّةَ، وعمقَ القلقِ الوجوديِّ الذي يعيشهُ قسمٌ كبيرٌ من اللُّبنانيّينَ حيالَ المستقبلِ والهويَّةِ ووظيفةِ الكيانِ نفسِهِ. فكلَّما ازدادَ العجزُ في إدارةِ الدَّولةِ، وتعاظمَ الانهيارُ الاقتصاديُّ والاجتماعيُّ والمؤسَّساتيُّ، واشتدَّ تفكُّكُ القرارِ الوطنيِّ، واستُبيحَتِ السِّيادةُ، عادَ الحديثُ بقوَّةٍ عن ضرورةِ “إعادةِ تأسيسِ لُبنانَ”، أو “تغييرِ النِّظامِ”، أو “إسقاطِ الصِّيغةِ”، أو “اعتمادِ الفدراليَّةِ”، بوصفِها حلولًا مطروحةً للخروجِ من المأزقِ التَّاريخيِّ الحاليِّ.
غيرَ أنَّ خطورةَ هذا النِّقاشِ تكمنُ في أنَّهُ غالبًا ما يُدارُ بعصبيَّةٍ انفعاليَّةٍ أو بمنطقٍ دِّيماغوجيٍّ أو بخلفيَّاتٍ أيديولوجيَّةٍ، بدلَ أن يُدارَ بمنهجيَّةٍ علميَّةٍ ودستوريَّةٍ واستراتيجيَّةٍ هادئةٍ. ولذلكَ، تبدو الحاجةُ ماسَّةً إلى إعادةِ طرحِ الأسئلةِ الجوهريَّةِ بوضوحٍ ودقَّةٍ. هلِ المشكلةُ فعلًا في فكرةِ لُبنانَ التعدُّديِّ؟ هلِ الصِّيغةُ والميثاقُ الوطنيُّ هما أصلُ الانهيارِ؟ أوليست اللّامركزيَّةُ الإداريَّةُ الموسَّعةُ مدخلٌ لإصلاحٍ دستوريّ؟ وهلِ الفدراليَّةُ مشروعُ إنقاذٍ فعليٌّ أم هروبٌ من مواجهةِ جوهرِ الأزمةِ الحقيقيَّةِ؟
منذُ نشأتِهِ، قامَ لُبنانُ على فكرةِ إدارةِ التعدُّديَّةِ لا إلغائِها. هذهِ الفكرةُ، مهما تعرَّضت للاهتزازِ والتشوُّه، بقيت تشكِّلُ جوهرَ الكيانِ اللُّبنانيِّ. فالعيشُ المشتركُ لم يكن يومًا مجرَّدَ شعارٍ أدبيٍّ أو تسويةٍ ظرفيَّةٍ، بل محاولةً تاريخيَّةً لبناءِ دولةٍ تتعايشُ داخلَها جماعاتٌ متعدِّدةٌ دينيًّا وثقافيًّا وسياسيًّا ضمنَ إطارٍ دستوريٍّ واحدٍ. غيرَ أنَّ ما فشلَ في لُبنانَ لم يكن أصلَ فكرةِ التعدُّديَّةِ، بل طريقةَ إدارتِها، وتحويلَها تدريجيًّا إلى نظامِ محاصصةٍ مغلقٍ عطَّلَ مفهومَ المواطنةِ، ودمَّر السِّيادةَ، وأضعفَ المؤسَّساتِ، وربطَ النِّظامَ السياسيَّ بشبكاتِ الزبائنيَّةِ والطائفيَّةِ والارتهانِ الخارجيِّ، مع توسيعِ مروحةِ الولاءاتِ العابرةِ للحدودِ.
من هنا، فإنَّ الخطأَ الكبيرَ الذي يقعُ فيهِ كثيرونَ/ات اليومَ يتمثَّلُ في الخلطِ بينَ فشلِ المنظومةِ الحاكمةِ وبينَ فشلِ فكرةِ لُبنانَ نفسها. فثمَّةَ من يتعاملُ مع انهيارِ الدَّولةِ وكأنَّهُ دليلٌ قاطعٌ على سقوطِ الميثاقِ الوطنيِّ وسقوطِ لُبنانَ الصِّيغةِ، وصولًا إلى اعتبارِ أيِّ حديثٍ عن العيشِ المشتركِ أو التعدُّديَّةِ أو الشَّراكةِ الوطنيَّةِ نوعًا من “الخطيئةِ الفكريَّةِ” أو “الجريمةِ السياسيَّةِ”. وهذا الخطابُ، مهما بدا جذَّابًا في لحظةِ الغضبِ والانهيارِ، يحملُ في عمقِهِ تبسيطًا خطِرًا للأزمةِ اللُّبنانيَّةِ، لأنَّهُ يُسقِطُ على فكرةِ الكيانِ نفسِها مسؤوليَّةَ ما ارتكبتْهُ المنظوماتُ السياسيَّةُ المتعاقبةُ من فسادٍ وعجزٍ وارتهانٍ وتفكيكٍ للدَّولةِ.
إنَّ الأزمةَ الحقيقيَّةَ في لُبنانَ لم تكن يومًا في وجودِ التعدُّديَّةِ، بل في غيابِ دولةٍ قادرةٍ على إدارةِ هذا التنوُّعِ ضمنَ إطارِ السِّيادةِ والدُّستورِ والقانونِ. فالخللُ البنيويُّ يتمثَّلُ في استمرارِ الطائفيَّةِ السياسيَّةِ، وعدمِ تنفيذِ “اتّفاق الطّائف”، وغيابِ استقلاليَّةِ القضاءِ، واحتفاظِ قوى الأمرِ الواقعِ بسلاحٍ خارجَ الشَّرعيَّةِ، وارتهانِ القرارِ الوطنيِّ لمحاورَ إقليميَّةٍ ودوليَّةٍ، وتحويلِ المؤسَّساتِ إلى أدواتِ تقاسمِ نفوذٍ لا أدواتِ خدمةٍ عامَّةٍ، أي إنَّ ما سقطَ فعليًّا هوَ الدَّولةُ، لا فكرةُ لُبنانَ.
في هذا المناخِ، عادَ الحديثُ عن اللّامركزيَّةِ الإداريَّةِ الموسَّعةِ باعتبارِها أحدَ مخارجِ الأزمةِ الممكنةِ، مع أنَّها مُعطىً دستوريّ، ولا حاجة لتأكيد صوابيَّتِها. والحقيقةُ أنَّ هذا الطَّرحَ ليسَ غريبًا عن التَّجربةِ الدُّستوريَّةِ اللُّبنانيَّةِ، إذ نصَّ “اتّفاق الطّائف” بوضوحٍ على اعتمادِ اللّامركزيَّةِ الإداريَّةِ الموسَّعةِ ضمنَ مشروعِ الإصلاحِ بعدَ الحربِ الأهليَّةِ. لكنَّ هذهِ اللّامركزيَّةَ لم تكن يومًا مشروعَ تقسيمٍ أو فدراليَّةٍ مقنَّعةٍ، بل مشروعًا لتحديثِ الإدارةِ، وتعزيزِ الإنماءِ المتوازنِ، وتقريبِ القرارِ من المواطنينَ، وتخفيفِ الاختناقِ الناتجِ عن المركزيَّةِ المفرطةِ.
تعني اللّامركزيَّةُ الإداريَّةُ الموسَّعةُ نقلَ جزءٍ من الصلاحيَّاتِ الإداريَّةِ والخدماتيَّةِ والماليَّةِ إلى وحداتٍ محلِّيَّةٍ منتخبةٍ، مع بقاءِ السِّيادةِ العسكريَّةِ والسياسةِ الخارجيَّةِ والسياسةِ النَّقديَّةِ الماليَّةِ ضمنَ إطارِ الدَّولةِ الواحدةِ. لا يعني ذلك إنشاءَ كياناتٍ مستقلَّةٍ أو توزيعَ السِّيادةِ أو تفكيكَ المؤسَّساتِ المركزيَّةِ. بل على العكسِ، يمكنُ لها أن تشكِّلَ أداةً لتعزيزِ الثِّقةِ بالدَّولةِ إذا جاءت ضمنَ مشروعِ إصلاحٍ وطنيٍّ شاملٍ. وهنا تحديدًا يجبُ التمييزُ بينَ اللّامركزيَّةِ الإداريَّةِ الموسَّعةِ واللّاحصريَّةِ، وبينَ الإصلاحِ الإداريِّ والتفكيكِ السياسيِّ.
غيرَ أنَّ الخطرَ يكمنُ في أن تُطرَحَ اللّامركزيَّةُ الإداريَّةُ الموسَّعةُ بمعزلٍ عن بقيَّةِ الإصلاحاتِ البنيويَّةِ المطلوبةِ. فلا معنى لأيِّ تطويرٍ إداريٍّ في ظلِّ سيادةٍ مستباحةٍ، وغيابِ استقلاليَّةِ القضاءِ، واستمرارِ اقتصادِ المحاصصةِ، ووجودِ السِّلاحِ خارجَ الشَّرعيَّةِ، وغيابِ العدالةِ في توزيعِ المواردِ، واستمرارِ الطائفيَّةِ السياسيَّةِ. اللّامركزيَّةُ الإداريَّةُ الموسَّعةُ، في هذهِ الحالةِ، قد تتحوَّلُ إلى إعادةِ توزيعٍ للفشلِ بدلَ أن تكونَ مدخلًا للإنقاذِ.
من هنا، يبرزُ النِّقاشُ حولَ الفدراليَّةِ بوصفِها أحدَ أكثرِ الملفاتِ حساسيَّةً وإثارةً للانقسامِ. فثمَّةَ من يرى في الفدراليَّةِ ضمانةً لحمايةِ الخصوصيَّاتِ، وإنهاءً لهيمنةِ المركزِ، وتأمينًا لاستقرارِ الجماعاتِ، فيما يرى آخرونَ فيها مقدِّمةً للتقسيمِ وتفكيكِ الكيانِ الوطنيِّ. لكنَّ المقاربةَ العلميَّةَ تفرضُ التمييزَ بينَ الفدراليَّةِ كنظامٍ دستوريٍّ قائمٍ في عددٍ من الدُّولِ، وبينَ تحويلِها في الحالةِ اللُّبنانيَّةِ إلى مجرَّدِ ردِّ فعلٍ نفسيٍّ على الانهيارِ والخوفِ وفقدانِ الثِّقةِ بالدَّولةِ.
ليست الفدراليَّةُ وصفةً سحريَّةً، كما أنَّها ليست بالضَّرورةِ مشروعَ تقسيمٍ. طرحُها يمتلِك مشروعيَّة، لكنَّ نجاحُها أو فشلُها يرتبطُ بطبيعةِ المجتمعِ، وقوَّةِ المؤسَّساتِ، ووجودِ هويَّةٍ وطنيَّةٍ جامعةٍ، واحتكارِ الدَّولةِ للسِّلاحِ، وثقافةِ الاحتكامِ إلى الدُّستورِ والقانونِ. هكذا تبرزُ أهمِّيَّةُ النَّموذجِ الهنديِّ بوصفِهِ واحدًا من أكثرِ النَّماذجِ الفدراليَّةِ تعقيدًا في العالمِ. فالهندُ تضمُّ مئاتِ اللُّغاتِ والإثنيَّاتِ والأديانِ والهويَّاتِ المحليَّةِ، ومع ذلكَ استطاعت الحفاظَ على وحدةِ الدَّولةِ واستمراريَّةِ المؤسَّساتِ الدِّيموقراطيَّةِ منذُ الاستقلالِ عامَ 1947. لكنَّ نجاحَ الهندِ لم يكن نتيجةَ الفدراليَّةِ وحدَها، بل نتيجةَ وجودِ دولةٍ مركزيَّةٍ قويَّةٍ تحتكرُ القرارَ الاستراتيجيَّ والسِّلاحَ والأمنَ القوميَّ والسياسةَ الخارجيَّةَ، إلى جانبِ وجودِ مؤسَّساتٍ دستوريَّةٍ فاعلةٍ وقضاءٍ قويٍّ وآليَّاتِ تداولِ سلطةٍ واضحةٍ واغتراب استثنائي.
هنا تحديدًا يكمنُ الفارقُ الجوهريُّ مع الحالةِ اللُّبنانيَّةِ. فالمشكلةُ في لُبنانَ ليست فقط في شكلِ النِّظامِ الإداريِّ أو الدُّستوريِّ، بل في غيابِ الدَّولةِ الفعليَّةِ أصلًا، وفي وجودِ ازدواجيَّةِ سُلطةٍ وسلاحٍ وقرارٍ وولاءاتٍ عابرةٍ للحدودِ. ولذلكَ فإنَّ أيَّ نقاشٍ حولَ الفدراليَّةِ أو اللّامركزيَّةِ يبقى ناقصًا إذا لم يبدأ أوَّلًا من سؤالِ استعادةِ السِّيادةِ ووحدةِ القرارِ الوطنيِّ واحتكارِ الشَّرعيَّةِ.
في العمقِ، لا يمكنُ لأيِّ مشروعِ إصلاحٍ أن ينجحَ في لُبنانَ إذا بقيَ أسيرَ منطقِ الخوفِ المتبادلِ والتخوينِ والتعبئةِ الغرائزيَّةِ. ليسَ المطلوبُ هدمَ فكرةِ لُبنانَ، كما ليسَ المطلوبُ الإبقاءَ على المنظومةِ القِياديَّة السياسيَّةِ نفسِها. المطلوبُ هوَ إعادةُ تأسيسِ الدَّولةِ على قاعدةِ المواطنةِ والسِّيادةِ والدُّستورِ والعدالةِ والإنماءِ المتوازنِ والحيادِ المؤسَّساتيِّ.
هكذا يجبُ التوقُّفُ عندَ إحدى أخطرِ الإشكاليّاتِ السّياسيّةِ في الشرقِ الأوسطِ، والمتمثِّلةِ في إعادةِ إنتاجِ الجماعاتِ الدّينيّةِ والمذهبيّةِ بوصفِها كياناتٍ سياسيّةً مغلقةً، لا بوصفِها مكوّناتٍ ثقافيّةً وروحيّةً داخلَ دولةِ المواطنةِ. هنا تحديدًا يلتقي ما يُعرَفُ تاريخيًّا بـ”حلفِ الأقليّاتِ” مع “عسكرةِ الأديانِ” والتّفتيتِ والفدراليّاتِ الطّائفيّةِ والدّويلاتِ المذهبيّةِ، ولو اختلفتِ اللّغاتُ والأيديولوجيّاتُ والشّعاراتُ.
المسألةُ لا تتعلّقُ فقط بنقاشٍ دستوريٍّ حولَ شكلِ النّظامِ السّياسيِّ، بل تتعلّقُ بإعادةِ تعريفِ معنى الجماعةِ والدّولةِ والسّيادةِ والولاءِ والهويّةِ والحدودِ ومصدرِ الشّرعيّةِ. وفي هذا السّياقِ، يصبحُ من المشروعِ مقاربةُ الرّابطِ البنيويِّ بين نماذجَ تبدو متناقضةً ظاهريًّا، لكنّها تتقاطعُ عميقًا في الجوهرِ السّياسيِّ والأنثروبولوجيِّ، من يهوديّةِ الدّولةِ كما يطرحُها المشروعُ الصّهيونيُّ، إلى ولايةِ الفقيهِ الإيرانيّةِ، إلى داعش بوصفِها نموذجًا سنّيًّا راديكاليًّا، وصولًا إلى بعضِ الطّروحاتِ المسيحيّةِ الضيّقةِ التي تدعو إلى كياناتٍ أو فدراليّاتٍ طائفيّةٍ في لُبنانَ والمنطقةِ.
رغمَ التّناقضِ العنيفِ بين هذه المشاريعِ، إلّا أنّها تشتركُ في مرتكزاتٍ بنيويّةٍ متشابهةٍ. فجميعُها ينطلقُ من خوفٍ وجوديٍّ جماعيٍّ يتحوّلُ إلى فلسفةِ حكمٍ وسرديّةِ نجاةٍ. والجماعةُ لا تعودُ ترى نفسها شريكًا في وطنٍ، بل ضحيّةً محاصرةً تحتاجُ إلى كيانٍ خاصٍّ يحميها. وهكذا تنتقلُ الهويّةُ من المجالِ الثّقافيِّ والرّوحيِّ إلى المجالِ السّياسيِّ العسكريِّ والأمنيِّ، ويتحوّلُ الدّينُ أو الطّائفةُ إلى أداةِ تعبئةٍ وصراعٍ وعسكَرَةٍ مستمرّةٍ.
كما أنّ جميعَ هذه المشاريعِ يعيدُ تعريفَ الشّرعيّةِ انطلاقًا من الجماعةِ لا من الدّولةِ. ففي المشروعِ الصّهيونيِّ تصبحُ يهوديّةُ الدّولةِ فوقَ مفهومِ المواطنةِ الكاملةِ. وفي ولايةِ الفقيهِ تصبحُ المرجعيّةُ العقائديّةُ فوقَ السّيادةِ الوطنيّةِ. وفي داعش يصبحُ “الخليفةُ” فوقَ الحدودِ والقوانينِ والدّساتيرِ. وفي بعضِ الطّروحاتِ اللُّبنانيّةِ الضيّقةِ يصبحُ الهاجسُ الدّيموغرافيُّ والطّائفيُّ أساسًا لإعادةِ إنتاجِ الجغرافيا والسّلطةِ.
إنَّ أخطرَ ما في هذه المقارباتِ أنّها تقومُ على منطقِ “الخصوصيّةِ المغلقةِ”، أي على اعتبارِ الجماعةِ غيرَ قابلةٍ للاندماجِ الطّبيعيِّ في دولةِ المواطنةِ، وأنّ الحلَّ يكمنُ إمّا في التّفوّقِ، أو الانفصالِ، أو الحمايةِ الذّاتيّةِ، أو السّلاحِ أو إعادةِ ترسيمِ المجالِ العامِّ وفقَ الانتماءِ الدّينيِّ والمذهبيِّ. ومن هنا يمكنُ فهمُ كيف يلتقي “حلفُ الأقليّاتِ” مع “التّطرّفِ الأغلبيِّ” و”عسكرةِ الأديانِ” رغمَ عدائِهم الظّاهرِ. فكلٌّ من هذه يرفضُ الدّولةَ المدنيّةَ الجامعةَ، ويفضّلُ الجماعةَ المغلقةَ على المواطنةِ المفتوحةِ، ويحتاجُ إلى خوفٍ دائمٍ كي يستمرَّ.
في التّجربةِ اللُّبنانيّةِ تحديدًا، يظهرُ هذا التّقاطعُ بوضوحٍ بالغٍ. فلبنانُ تاريخيًّا لم يكنْ دولةَ أقليّاتٍ بالمعنى السّياسيِّ، بل مساحةَ تعدّديّةٍ حضاريّةٍ قامتْ على فكرةِ الشّراكةِ والميثاقِ والتّوازنِ. غيرَ أنّ الحروبَ المتتاليةَ بتشعُّباتِها الدَّخِليَّة وامتِداداتِها الإقليميَّة-الدّوليَّة، والتّدخّلاتِ الخارجيّةَ، وفشلَ بناءِ دولةِ السّيادةِ والدّستورِ والقانونِ، دفعتْ قطاعاتٍ متعدّدةً إلى الانكفاءِ نحوَ العصبيّاتِ الأوّليّةِ.
هنا تكمنُ الخطورةُ الكبرى. فعندما تُطرَحُ الفدراليَّةُ انطلاقًا من منطقِ تحسينِ الإدارةِ وتعزيزِ الإنماءِ وتوسيعِ اللّامركزيّةِ الإداريّةِ ضمنَ دولةٍ موحّدةٍ، يمكنُ أن تُناقَشَ أكاديميًّا ودستوريًّا. أمّا عندما تتحوّلُ إلى ترجمةٍ للخوفِ الطّائفيِّ أو إلى مشروعِ فصلٍ جغرافيٍّ بين الجماعاتِ، فإنّها تصبحُ عمليًّا إعادةَ إنتاجٍ مقنّعةٍ للحربِ الأهليّةِ.
الدويلاتُ الطّائفيّةُ والمذهبيّةُ لا تُنتجُ استقرارًا، بل تُنتجُ حدودًا دمويّةً دائمةً، واقتصاداتٍ هشّةً، وارتهانًا للخارجِ، وتحوّلًا مستمرًّا نحوَ الأمنِ الذّاتيِّ والمليشياويّةِ. وتجاربُ المنطقةِ تؤكّدُ ذلك بوضوحٍ في العراقِ وسوريا واليمنِ وليبيا، وحتى في النّموذجِ الإسرائيليِّ نفسِهِ الذي يعيشُ قلقًا وجوديًّا دائمًا رغمَ تفوّقِهِ العسكريِّ، ولا يُمكِنُه أن يستمِرّ بهذا الخيار الدٌّوغماتي المسيَّس. المُقارَنة مع نماذج مثل ألمانيا، وسويسرا، والهند غير واقعيَّة فاقتضى التَّنويه.
المفارقةُ العميقةُ أنّ كلَّ هذه المشاريعِ تدّعي حمايةَ الجماعاتِ، بينما هي عمليًّا تدفعُها نحوَ مزيدٍ من العزلِ والقلقِ والاحترابِ الدّائمِ. فالجماعةُ التي تُبنى على الخوفِ تحتاجُ دائمًا إلى عدوٍّ كي تستمرَّ، ولهذا يصبحُ السّلامُ تهديدًا لهذه البُنى أكثرَ ممّا تصبحُ الحربُ تهديدًا لها. يبدو لُبنانُ أمامَ خيارٍ مصيريٍّ. إمّا الاستمرارُ في منطقِ الجماعاتِ الخائفةِ المتقابلةِ، وإمّا الانتقالُ إلى منطقِ الدّولةِ الدّستوريّةِ السّياديّةِ التي تحتضنُ التّعدّديّةَ ضمنَ مواطنةٍ متساويةٍ.
إنَّ جوهرَ الأزمةِ اللُّبنانيّةِ ليس وجودَ التّعدّديّةِ، بل غيابُ الدّولةِ التي تنظّمُ هذه التّعدّديّةَ. فالمشكلةُ ليستْ في المسيحيِّ أو المُسلِم، أو اليهوديّ، أو المُلحد، أو العلماني، بل في تحوّلِ الطّوائفِ المُمَذهَبَةِ إلى بدائلَ عن الدّولةِ، وفي تحوّلِ الزّعماءِ إلى مديري خوفٍ جماعيٍّ. لهذا تحديدًا، فإنَّ أيَّ مشروعِ إنقاذٍ حقيقيٍّ للبنانَ لا يمكنُ أن يقومَ على إعادةِ توزيعِ الخوفِ بين الجماعاتِ، بل على إعادةِ بناءِ الثّقةِ بالدّولةِ، دولةِ القانونِ والسّيادةِ، واحتكارِ السّلاحِ، واستقلالِ القضاءِ، والمواطنةِ الكاملةِ، والحيادِ الإيجابيِّ، واللّامركزيّةِ الإداريّةِ الموسّعةِ ضمنَ وحدةِ الكيانِ والدّستورِ. أمّا أخطرُ ما يمكنُ أن يقعَ فيهِ لُبنانُ، فهو الانتقالُ من أزمةِ دولةٍ ضعيفةٍ إلى شرعنةِ فكرةِ اللّادولةِ نفسها. عندها يصبحُ التّفتيتُ قدرًا، وتتحوّلُ الجماعاتُ إلى كياناتٍ دينيّةٍ متقابلةٍ، وتضيعُ نهائيًّا فكرةُ لُبنانَ بوصفِهِ رسالةَ تعدّديّةٍ حرّةٍ في هذا الشرقِ الأوسطِ المضطربِ.
الرّهانَ الحقيقيَّ في لُبنانَ والشرقِ الأوسطِ لا يَقَعُ على انتصارِ جماعةٍ على أخرى، بل على انتصارِ دَولةِ المواطنةِ الدّستوريّةِ على منطقِ الجماعاتِ المغلقةِ، فحينَ يسقطُ منطقُ “حلفِ الأقليّاتِ”، وتسقطُ معهُ “عسكرةُ الأديانِ” و”تسييسُ الدّينِ”، ويتحرّرُ النّاسُ من إدارةِ الخوفِ الجماعيِّ، يصبحُ ممكنًا الانتقالُ من كياناتِ القلقِ إلى دولِ المواطنةِ المتجدّدةِ.عندها فقط تستعيدُ التّعدّديّةُ معناها الحضاريَّ والإنسانيَّ، لا بوصفِها متاريسَ متقابلةً، بل بوصفِها ثراءً داخلَ دولةٍ واحدةٍ سيّدةٍ حرّةٍ عادلةٍ تحتضنُ الجميعَ دونَ خوفٍ أو استقواءٍ أو تقوقعٍ. فالسّيادةُ النّاجزةُ تحتَ مظلّةِ الدّولةِ الدّستوريّةِ هي المدخلُ، والعيشُ المشتركُ حقيقةٌ حضاريّةٌ لا يمكنُ إلغاؤها مهما اشتدَّتِ الأزماتُ والانقساماتُ.
