
بقلم : الدكتور جورج شبلي
٢٢ شباط ٢٠٢٦
أنا أفهمُ بكركي كما يفهمُها المنتشِرون
ما دفعَ بي، في تشقُّقاتِ زمنِ لبنان، الى استِقصاءِ أمرِ رسالةِ بكركي، للإبانةِ عن مقاصدِها للذين ضلّوا هذه المقاصد، من آل البيت، كما للذّين تَطغى عليهم الخطايا الآيِلةُ الى تدميرِ الوطن، هو غصنُ الزيتونِ الذي لا تزالُ بكركي ترفعُه، أَمَلًا منها في أن يُنتِجَ زيتَ الشّفاءِ لوطنٍ ينبغي أن يعودَ “نَعيمًا” كما ترتجيهِ بكركي والذين يمحضونَ لبنانَ ولاءَهم.
إنّ واقعَ الحالِ الذي آلَ إليه الوطنُ، من خلالِ الأداءِ المُعوَجِّ، قَصدًا، لِمَنْ تقلّدوا سدّة الحكم فيهِ، على التّوالي، ومَنْ لاذوا ويَلوذونَ بهم، هو، بالذّات، ما ينبغي أن تواجهَه بكركي بإعلانِ مبادرةٍ إنقاذيّة، هي نسيجُ وَحدِها لاستعادةِ لبنانَ من جهنّم، ولتَنقيتِهِ من الحالاتِ الهجينةِ التي استَقوَت عليهِ بوسائلَ مشبوهةٍ مرفوضة، وكلُّ ذلك لنُجدةِ الوطن منَ القلقِ على كيانِيّته التي يُرادُ لها أن تُختَمَ بفعلٍ تدميريٍّ عنيف.
إذا عادَت بنا الذّاكرةُ الى زمنٍ مضى، واستَرسلنا في كَشفِ صفحاتِ بكركي، في موضوعِ ارتباطِها بكيانِ الوطن، لا يمكنُ أن نغفلَ عن وِقفاتٍ مجيداتٍ لمَن تعاقبوا على سدّتِها، اولئكَ الدّاعينَ الى تحصينِ مشروعِ الدولةِ، والى النّهوضِ بلبنانَ السيّدِ المُتَمَيّز، والى التشبّثِ بالنّموذجِ الديمقراطيِّ الفريدِ الذي يصونُ الحريّات، والى طَيِّ صفحةِ الحربِ بالكِلسِ ليُسجَنَ ذِكرُها، مع ثقافةِ الموتِ، الى الأبد. وإنْ دلَّت المواقفُ، هذه، على شيء، فعلى النّضالِ الوطنيِّ الثّابت في مشيئةِ بكركي التي هالَتها هلهلةُ سقفِ الدولةِ، فانبرَت، كعادتِها، مُتَّخِذَةً الدّورَ الطليعيَّ في نُصرةِ حقِّ لبنانَ الذي نريدُ أن نَحيا فيهِ ليَحيا بِنا.
أمامَ تعليقِ الوطنِ والمواطنِ على وترٍ ضعيفٍ فوق هاوية، وأمامَ بشاعةِ الحقيقةِ التي افتعلَها المسؤولونَ المتعاقِبون بأَذرعٍ أخطبوطيّةٍ، وبدون نَدَم، وأمامَ نَحرٍ مُعيبٍ للوطنِ، بالفسادِ، والتّقصيرِ، وسوءِ الإدارةِ، لم يعدِ الخوفُ وَهمًا. لذلك، لم تقفْ بكركي جليديّةَ الحركةِ تُجاهَ السّقطةِ التراجيديّةِ للبلدِ، وتُجاهَ وجعِ الناس. وفي كلّ مرّة، كانت صرخةُ بكركي التي لم تحملْ تهديدًا، أو تهويلًا، كما يحلو للبعضِ أن يوصّفَها، بل هي دعوةٌ حرَّةٌ، صادقةٌ، لنُصرةِ الحقوقِ والكرامةِ، عَمَلًا بمفهومِ الدّستورِ، وبمبادئِ الحقِّ بالحياةِ الكريمةِ الآمنةِ المُتَطَلِّعةِ لِغَدٍ أفضل، وهذا، بالذات، ما أَكسبَ بكركي أن تكون، كما دائمًا، ضميرَ لبنان.
إنّ مصلحةَ لبنانَ، كما تُظهِّرُها بكركي، تكمنُ في حياديّتِهِ وتَبَنّيهِ موقفًا يبعدُه عن التكتّلاتِ والمَحاورِ المتواجِهة، تجنيبًا لارتدادِ سلبيّاتِ الصراعاتِ عليه، والتي لا يحتملُها. فعدمُ الانزلاقِ في حدِّةِ هذه الصّراعاتِ بين المَحاورِ، يوقي الوطنَ من نزاعاتٍ، ومِحَنٍ، وشرورٍ، تُضَعضِعُ استقرارَه، وتُضاعفُ خسائرَه، بَشَرًا وحَجرًا، وتُودي بتوازنِهِ، وتفتحُ المجالَ، واسِعًا، لتدخّلاتٍ غريبةٍ ترسِّخُ فيهِ الخلافَ والنّزاعات… إنّ الحيادَ يحصِّنُ الوطنَ، داخليًّا ودَوليًّا، فبدلًا من الشِّقاقِ والتّقاتلِ، وتحويلِ البلدِ ساحةً لتصفيةِ حساباتِ المَحاور، يجهدُ المواطنونَ، جميعًا، في المجالِ التّنمَويِّ لِبَثِّ ثقةِ الأجيالِ بالوطنِ رائدًا حضاريًّا، ومجالًا آمنًا لتحقيقِ مستقبلٍ مُشرِق.
إنّ مصلحةَ لبنان، أيضًا، تكمنُ في طرحِ قضيّتِهِ على المجتمعِ الدَّوليّ، بعدَ أن خابَ أملُ الناسِ بمسؤوليهم الذين انتهجوا الأنانيّةَ، والمصلحةَ الشخصيةَ، والذهنيّةَ الإلغائيّة، وانتهاكَ الحقِّ بالظّلم، والانغماسَ في الفساد، وإجهاضَ المُبادراتِ الخارجيّةِ المُتَأَهِّبةِ للمساعدةِ في الحُلولِ الإنقاذية، وجعلوا الوطنَ يتجوّلُ في كَفَنٍ نازِفٍ بعدَ أن ساقوا أهلَه الى الذَّبحِ على حَدِّ أكاذيبِهم… هذه الخيبةُ المُبَرَّرةُ، والمُتَكرِّرة، والتي مدَّت سلاسلَ حولَ رجاءِ الشّعبِ، وحَوَّلَته كَبشَ مِحرقة، قرأتها بكركي واجبًا الى الاحتكامِ لموقفٍ أُمَميٍّ مُلِحٍّ، مدفوعٍ من جهودِ المنتشِرين الناشطين في سائرِ بلدان الدنيا، دعمًا لقضيةِ لبنان، لانتشالِهِ من الزّمنِ الرّديءِ، ومن دائرةِ النّار، ليستعيدَ الأمنَ، والنّظامَ، والحكمَ السّديد، والنّهوضَ الاقتصاديّ، والسيادةَ على كاملِ الأرض، ومَذاقَ الحريّة، وبذلك، يعودُ المشهدُ اللبنانيُّ، كما كان، انتصارًا للإنسان.
إنّ موقفَ بكركي الصَّلبَ، والمُتَصَدّيَ، بِحَزمٍ، لمَن يريدُ تَمريغَ لبنانَ بالجوعِ، والفَقرِ، والتبعيّة، لم يكن عَبَثيًّا، كما حاولَ بعضُ المُتَنَطِّحين تصويرَه، فمنهجيّةُ الطّرحِ تلبسُ موضوعيّةً وطنيّةً تُحدِثُ نقلةً نوعيّةً في التّعاطي الجدّي مع قضيةِ لبنانَ الشّائكة. أمّا التَّباري في تحديدِ ما يحقُّ لبكركي وما لا يحقُّ لها، وإِطلاقُ التّهويلِ بوجهِ الدّعوةِ الى التّدويلِ، فهما حيثيةٌ أكلَها الصَّدأ، ولم يَعدْ يُعَوَّلُ عليهما كتجارةٍ مُربِحةٍ في أسواقِ التّعاطي الوطنيّ، بل نخاسة الوطن.
لقد علّمتنا بكركي، بِوَعيِها الصّريحِ للأصولِ الوطنية، ألّا نكونَ دمعةً يصفعُها اليأسُ، وجِباهًا يكسرُها الذلّ، لِذا، فَلْيَطمُرْ غيرَنا وَحلُ الأرض.
