
المحامي البروفيسور نبيه الشرتوني
١٧ ايار ٢٠٢٦
الوطن لا يُورَّث فقط… بل يُصان
الهجرة ليست رحيلًا،
بل تعلُّمُ العيش منقسمين
ومع ذلك نبقى واحدًا.
نبيه الشرتوني
أنا على يقين بأنّ معظم أبناء الهجرة اللبنانية يحملون لبنان في أرواحهم.
يحبّونه حتى وإن لم يولدوا بين جباله، وحتى وإن لم يسمعوا كل صباح أجراس الكنيسة أو نداء المؤذن ممتزجًا بنسيم البحر الأبيض المتوسط.
يحبّونه لأنّ الدم يتذكّر ما يعجز الزمن عن محوه.
كثيرون يحلمون بزيارة أرض الأجداد، أن يمشوا في شوارع لبنان، ويدخلوا البيوت الحجرية القديمة، ويلامسوا أشجار الزيتون العتيقة، ويسألوا بصوتٍ خافت عن أسماء أولئك الذين رحلوا يومًا إلى أميركا حاملين حقيبةً صغيرة ووطنًاعظيمًا في صدورهم.
لكن حبّ الوطن لا يجوز أن يبقى حبيس الحنين وحده، فالعاطفة، وحدها، لا تعيد بناء الأوطان
والدموع أمام صورةٍ قديمة لا تكفي لإنقاذ وطنٍ أنهكته الحروب والفساد والانقسام والإهمال.
إنّ الوطن لا يحتاج فقط إلى أبناءٍ يتذكّرونه، بل يجتاج إلى أبناء يحافظون على عظمته.
قد حان الوقت لتحويل المشاعر إلى التزام، ولتحويل الاعتزاز بالهوية اللبنانية إلى حضورٍ حيّ فاعل وفعّال.
فحبّ لبنان لا ينبغي أن يقتصر على رقص الدبكة في المناسبات، أو إعداد وصفات الجدّات، أو تعليق أرزةٍ على الجدار.
حبّ الوطن هو معرفة تاريخه، والدفاع عن كرامته، وصون ذاكرته، والمشاركة في صناعة مستقبله.
إنّ الهجرة اللبنانية تملك ذكاءً وتأثيرًا وخبرةً ومكانةً وإمكاناتٍ هائلة
رجال أعمال، وأكاديميون، وأطباء، وفنانون، وكتّاب، وشبابٌ متعلّم منتشر في مختلف القارات
ولو أنّ جزءًا من هذه القوة المبعثرة انتظم حول مشروعٍ وطنيّ حقيقي، فقد يصبح الركيزة الأساسيّة لتعافي البلاد واستعادة عافيتها.
إن الوطنية الحقيقية لا تُقاس بالكلمات، بل بأفعال بسيطة، وطنيّة وعميقة في آنٍ معًا:
– مشاريع تتجاوب مع الحاجات المحليّة.
دعم المدارس والمستشفيات والجامعات في القرى والبلدات الأصلية.
إنشاء منح دراسية للشباب اللبناني المحروم من الفرص.-
تشجيع الاستثمارات الشريفة التي تخلق العمل لا التبعية .-
الدفاع عن حقيقة لبنان في المحافل ووسائل الإعلام الدولية.-
تعزيزالثقافة العربية واللغة العربية بين الأجيال الجديدة في الاغتراب.-
المطالبة بأمّة جديرة بالتقديرخالية من الطائفية والفساد.-
زيارة الوطن لا كسائحين عاطفيين، بل كأبناء مسؤولين وملتزمين.-
أن الأرزة لا تعيش على حنين جذورها، بل على القوة التي تُبقيها متشبثةً بجبل لبنان الوطن.
إنّ الوطن لا يموت حين يهاجر أبناؤه، بل يموت حين يتخلّى أبناؤه عن مسؤوليتهم تجاهه، فالإهمال هو الخطيئة الكبرى.
لا يكون التكريم الحقيقي الذي تستطيع الهجرة اللبنانيّة أن تقدّمه لأسلافها مجرّد تذكّر السفينة التي أقلّتهم يوم الرحيل، بل، المساهمة في أن يعود لبنان يومًا أرضًا للأمل، لا محطةً دائمة للوداع.
