
بقلم: الياس كساب
رئيس التحرير، باحث في الشؤون الاغترابية، واللبنانيّة، والعربيّة
٢٧ شباط ٢٠٢٦
مع اتفاق أو بدون اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران: دور حزب الله والأذرع الإيرانية العسكري إلى زوال
على امتداد العقود الماضية، شكّل الصراع بين الولايات المتحدة وإيران أحد أبرز محركات التوتر في الشرق الأوسط. وبين جولات التفاوض حول الملف النووي، والتصعيد العسكري غير المباشر، برزت أدوار القوى الحليفة لطهران في الإقليم، وفي مقدّمها حزب الله، إلى جانب فصائل مسلّحة أخرى في أكثر من ساحة عربية. غير أنّ التحوّلات الإقليمية (خاصةً بعد سقوط نظام الأسد، وهزيمة الحزب في حرب الإسناد)، والدولية، توحي بأن الدور العسكري لهذه الأذرع يواجه مساراً انحدارياً، سواء تمّ التوصل إلى اتفاق جديد بين واشنطن وطهران أم لا.
أولاً: في حال حصول اتفاق
إذا أُبرم اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، فمن المرجّح أن يتضمّن ترتيبات تتعلق بضبط النفوذ الإقليمي وخفض منسوب التوتر. تاريخياً، كانت (ولمّا تزل) الأذرع العسكرية ورقة ضغط بيد طهران لتحسين شروط التفاوض، ولقد أرهقت شعوب بلدانها بالحروب والويلات، وسالت الدماء غزيرةً على مذبح الوليّ الفقيه، ويلوح في الأفق أنّ الدور المُعد لها شارف على الانتهاء، كونها انكشفت لشعوبِها بزيف شعاراتها، وبانت أنّها بالفعل مُجرّد ورقة بيد الحرس الثوري، ومع أي تسوية كبرى، تتحوّل الأولويات من المواجهة إلى تثبيت المكاسب السياسية والاقتصادية.
في هذا السياق، قد تجد القوى المسلحة نفسها أمام معادلة جديدة: تقليص الدور العسكري لصالح أدوار سياسية أو اجتماعية داخل بلدانها. في لبنان مثلاً، يواجه حزب الله تحديات داخلية متزايدة مرتبطة بالأزمة الاقتصادية، وتبدّل المزاج الشعبي، وتنامي الدعوات لحصر السلاح بيد الدولة. ومع تراجع الحاجة إلى التصعيد الإقليمي، يصبح الاحتفاظ بدور عسكري واسع أقل قابلية للتبرير داخلياً.
ثانياً: في حال عدم حصول اتفاق
أما إذا فشلت المفاوضات واستمر التصعيد، فلا فرار من ضربة أمريكية قاسمة، ومن إفلات يد إسرائيل، فإنّه، وإن كان يبدو للوهلة الأولى أن الأذرع العسكرية ستزداد أهمية، من خلال التهديد الإيراني بإشعال المنطقة، فإنّ الواقع يسير في اتجاه مغاير. فاستمرار العقوبات والضغوط الاقتصادية على إيران يحدّ من قدرتها على التمويل والدعم اللوجستي طويل الأمد. كما أن أي مواجهة مفتوحة قد تفرض أثماناً باهظة على هذه القوى في ساحاتها المحلية، فضلاً عن أنَّ إسرائيل تبقى اللاعب الأساس، فما قبل ٧ أوكتوبر ليس كما بعده، ولن تسمح إسرائيل، بعد سقوط غزة وسوريا، وبعد اغتيال نصرالله وقيادات الحزب الذي وقّع اتفاقيّة وقف للنار أقرب إلى الهزيمة، إذا لم تكن هزيمة كاملة، أن يكون لهذه الفصائل دور، وسوف نكون أمام شرق أوسط جديد يُبنى بالحديد والنار.
في لبنان، يعاني الاقتصاد من هشاشة غير مسبوقة، وأي انزلاق إلى صراع واسع قد يفاقم الانهيار ويضع مختلف الأطراف أمام مسؤوليات شعبية ضاغطة. وفي ساحات أخرى، تتنامى النزعات الوطنية الرافضة لتحويل البلدان إلى منصات صراع إقليمي، ونفوذ الأذرع الإيرانية يتهاوى، فبعد أن كان لبنان يُحكم من “الضاحية”، وتُفرض منها السياسات، واختيار رئيسي الجمهورية والحكومة، باتت القرارات السياديّة مُتحرّرة، وعلى رأسها قراري الحرب والسلم وحصر السلاح، والانسحاب الإيراني المُدوّي من سوريا، والحرب الإسرائيليّة الإيرانيّة، جعلت الفصائل في العراق متردّدة وخائفة، فخفت صوت الإيديولوجيا أمام الواقعيّة السياسيّة، ولذا فإنّ اختيار المالكي كرئيس للحكومة يترنّح تحت رفض ترامب لحكومة تدين لإيران ومرشدها بالولاء! إنها “الترامبيّة” التي ألغت اتفاق أوباما – إيران الذي سمح بتمدّد الأذرع، والذي يفرض، سلماً عبر دبلوماسيّة القوة المفرطة، أو عبر الحرب، اتفاقاتٍ ابراهيميّةً، لا مكان للإسلام السياسي، الشيعي والسني، فيها، فما بين الصراع العسكري الباكستاني – الأفغاني الذي يتفاقم، وزيارة رئيس وزراء الهند إلى إسرائيل، طريقٌ يُرسم من المتوسط إلى أقاصي المحيط الهندي، تضع ركائزَه التغيّراتُ الجيوسياسيّة القادمة، والتي تفرض تحوّلاً في طبيعة الصراع!
ثالثاً: التحوّل في طبيعة الصراع
يتجه العالم نحو أنماط صراع مختلفة: اقتصادية، تكنولوجية، وأمن سيبراني، أكثر من الحروب التقليدية عبر الوكلاء. ومع صعود أولويات التنمية والاستقرار لدى شعوب المنطقة، يتراجع القبول الشعبي للأدوار العسكرية العابرة للحدود. كذلك، فإن التحولات داخل إيران نفسها، ديموغرافياً واقتصادياً، قد تدفع نحو إعادة تقييم كلفة الاستثمار في الأذرع المسلحة مقارنة بالعائد السياسي منها، والتغيير، جذريّاً للنظام، أوجزئياً من داخله، لا بد حاصل!
بين الداخل والخارج
إن مستقبل حزب الله وسائر القوى المرتبطة بإيران لن يتحدد فقط في ضوء العلاقة بين واشنطن وطهران، بل أيضاً وفق ديناميات داخلية في لبنان ودول المنطقة. فالدول التي تسعى إلى استعادة سيادتها وبناء مؤسسات قوية تميل إلى تقليص ظاهرة السلاح خارج إطار الدولة، أياً كان مبرره.
وبالخلاصة، سواء أُبرم اتفاق جديد بين الولايات المتحدة وإيران أم استمر التوتر، أو أُشعلت الحرب، فإنّ الدور العسكري للأذرع الإقليمية يواجه تحديات بنيوية عميقة. فالتحولات الاقتصادية، والضغوط الشعبية، وتغيّر طبيعة الصراعات، كلها عوامل تدفع نحو إعادة تعريف الأدوار. قد لا يكون الزوال فورياً أو كاملاً، لكنه مسار تحوّل تتقدّم فيه السياسة على البندقية، والدولة على التنظيم، والمصلحة الوطنية على حسابات المحاور