
المحامي البروفيسور نبيه الشرتوني
١٠ نيسان ٢٠٢٦
أحداثٌ مُحزنة في بيروت
في حضرة هذا المشهد الإنساني الثقيل، لا أملك ترف إخفاء ما يعتمل في داخلي. القلق الذي يسكنني ليس عابراً، والحزن الذي يثقل صدري ليس وليد لحظة. إنّه إحساسٌ ضارب في العمق، ممتدّ في الجذور، كأنّ بيني وبين هذه الأرض عهداً قديماً لا ينفصم، وكأنني لم أفارقها يوماً أو لعلّها لم تفارقني.
وحين أستدعي بيروت، لا تحضر كمدينةٍ فقط، بل كذاكرةٍ حيّة: كصوت البحر عند الغروب، كخطى الطفولة في أزقّةٍ كانت تضجّ بالحياة، كوجوهٍ مرّت وتركت في القلب أثرها الذي لا يُمحى. هناك، في تفاصيلٍ صغيرةٍ لا تُرى، تختبئ حياةٌ كاملة، لا تستطيع الحروب أن تمحوها، ولا السنوات أن تُسقطها من الوجدان.
لبنان اليوم ليس في منعطفٍ عابر، بل في مواجهة امتحانٍ يمسّ جوهر وجوده. هنا، تتداخل الذاكرة مع الوجع، ويصافح الأمل خيبته، ويقف الثبات على تخوم الخوف، في مشهدٍ تختصر فيه البلاد تاريخها كلّه في لحظةٍ واحدة. كأنّ الماضي بكل ما فيه من أفراحٍ مكسورة، يطلّ من بين الركام ليقول: ما زلنا هنا.
أما بيروت، هذه التي اعتادت أن تولد من الرماد وتخادع السقوط، فتبدو اليوم مرهقةً حدّ الانكسار. مدينةٌ أنهكها تكرار الفقد، واستنزفها الدوران في دائرة الألم. لم تعد فقط في قلب العاصفة، بل صارت العاصفة نفسها. ومع ذلك، حين تمشي في شوارعها، تشعر أنّ تحت هذا الصمت المثقل، تختبئ ضحكاتٌ قديمة، وأغانٍ لم تكتمل، وذكرياتٌ ترفض أن تموت.
شوارعها التي عرفت ضجيج الحياة، يخيّم عليها الآن سكونٌ غريب، كأنّه صدى أيامٍ كانت أكثر دفئاً. ووجوه ناسها، رغم التعب، تحمل شيئاً من ذلك الضوء القديم… ذلك الضوء الذي كان يجعل من أبسط اللحظات عيداً، ومن اللقاءات العابرة حكاياتٍ تُروى.
ومع ذلك، يلازمني يقينٌ لا يتزعزع: أن هذا الوطن، مهما اشتدّت عليه الخطوب، أكبر من أزماته. لبنان ليس رقعة نزاع فحسب، بل معنى حياة، ونبض حرية، وذاكرة حضارة عصيّة على الكسر. قد يتعب، قد ينحني، لكنه لا ينكسر، لأنه ببساطة، يسكن فينا بقدر ما نسكن فيه.
الموجع حقاً ليس فقط ما يحدث، بل ذلك الشعور القاسي بأن هذا البلد يُدفع نحو قدره وحيداً، وكأنّ آلامه باتت مشهداً مألوفاً لا يستوقف أحداً. لكن، حتى في هذا الصمت العالمي، تبقى هناك حكايات صغيرة تُروى في البيوت، وذكريات تُستعاد في القلوب، كنوعٍ من المقاومة الهادئة، مقاومة النسيان.
لبنان اليوم لا يحتاج إلى شفقةٍ عابرة، بل إلى وعيٍ صادق بقيمته، وإلى موقفٍ يعيد إليه بعضاً من حقّه في الأمان والكرامة. وبيروت، التي دفعت من روحها الكثير، لا تستحق أن تُترك وحيدة في مواجهة المجهول، بل أن تُصان وتُحتضن، كما تُحتضن الذكريات التي نخشى فقدانها.
قد يطول الليل، وتثقل العتمة، لكنّ اليقين لا ييتلاشى لأن وطني الذي تمرّس في الوقوف على الحافة، سيهتدي إلى طريقه من جديد، ففيه من أسباب الحياة ما يفوق أسباب الفناء، ومن عناد البقاء ما يتغلّب على كلّ انكسار ومن ذاكرةٍ لا تُمحى تحمل في جوهرها ما يكفي ليُعيد كتابة الذاكرة في صفحة الغد.
