
زياد الصَّائغ
١٦ نيسان ٢٠٢٦
هُدنةُ 1949… مسارُ حِيادٍ ومبادرة السَّلام العربيَّة!
في لُحظةٍ إقليميّةٍ شديدةِ التَّحوُّلِ، تُعادُ صياغةُ أولويّاتِ الدُّولِ على قاعدةِ تَوازُناتٍ جديدةٍ بينَ الأمنِ والسّيادةِ والمصالحِ. في هذا السِّياقِ، تبرُزُ المباحثاتُ اللُّبنانيّةُ–الإسرائيليّةُ التَّمهيديَّة برعايةٍ أميركيّةٍ إلى واجهةِ النِّقاشِ العامِّ، لا كحدثٍ تقنيٍّ محدودٍ، بل كاختبارٍ استراتيجيٍّ لِقُدرةِ لُبنانَ على إعادةِ تعريفِ موقعِهِ ووظيفتِهِ في نِظامٍ إقليميٍّ مُضطربٍ. غيرَ أنّ أيَّ مقاربةٍ جِدّيةٍ لهذهِ المباحثاتِ لا تَستقيمُ ما لم تَنطلقْ من مُسلَّمتينِ واضحتينِ، مشروعيّةُ الأمنِ القوميِّ اللُّبنانيِّ، وأولويّةُ الأمانِ الإنسانيِّ للشَّعبِ اللُّبنانيِّ.
لقد أثبتتِ التَّجربةُ أنّ تَغليبَ المقارباتِ الأيديولوجيّةِ أو الشِّعاراتيّةِ على حسابِ المصلحةِ الوطنيّةِ أدّى إلى تَفكيكِ مَفهومِ الدَّولةِ وإضعافِ قُدراتِها التَّقريريّةِ. من هنا، يَغدو استحضارُ هُدنةِ عامِ 1949 ليسَ حنيناً إلى الماضي، بل استعادةً لإطارٍ قانونيٍّ–دوليٍّ يُنظِّمُ حالةَ اللّا حربِ واللّا سِلمِ، ويُوفِّرُ أرضيّةً واقعيّةً لإدارةِ التَّوتُّرِ الحدوديِّ. الهُدنةُ، في جوهرِها، ليست تنازلاً عن الحقِّ، بل هي أداةٌ لضبطِ الصِّراعِ بما يَحفظُ سيادةَ الدَّولةِ ويُخفِّفُ من أكلافِ المواجهةِ المفتوحةِ.
غيرَ أنّ العودةَ إلى هُدنةِ 1949 لا تَكفي بذاتِها. إذ إنّها، وإنْ شكَّلتْ إطاراً ضرورياً، تبقى قاصرةً ما لم تَتوازَ مع مسارٍ واضحٍ نحوَ حِيادِ لُبنانَ. الحِيادُ هنا ليسَ شعاراً تجريديّاً، بل خَيارٌ استراتيجيٌّ يَستندُ إلى إعادةِ تعريفِ دَورِ الدَّولةِ خارجَ محاورِ الصِّراعاتِ، وتَكريسِ احتكارِها لقرارِ الحربِ والسِّلمِ. إنّ التَّلازمَ بينَ الهُدنةِ والحِيادِ يُشكِّلُ معادلةً متكاملةً. الهدنَةُ تُديرُ الحاضرَ وتَضبطُ المخاطرَ، والحيادُ يَبني المُستقبلَ ويُعيدُ تموضعَ لُبنانَ في الخارطةِ الإقليميّةِ.
في هذا الإطارِ، تَكتسبُ الرِّعايةُ الأميركيّةُ بُعداً إستِثنائِيًّا لا بديلاً عن القرارِ السِّياديِّ اللُّبنانيِّ، فهي تُؤمِّنُ مظلّةً تفاوضيّةً وتُسهِّلُ قنواتِ التَّواصلِ، لكنّها لا تُعفي الدَّولةَ من مسؤوليّتِها في صوغِ رؤيةٍ وطنيّةٍ مُتماسكةٍ، بل تَفتَح الطَّريق إلى طرح إمكانيَّة توقيع لبنان معاهدة دفاع مع الولايات المتّحدة الأميركيَّة. إنّ التساؤل الحقيقيَّ لا يَكمُنُ في التَّفاوضِ بحدِّ ذاتِه، بل في التَّفاوضِ من دونِ استراتيجيةٍ، أو من موقعِ الانخِِراط المرحليّ، أو تحتَ وطأةِ التِباسٍ يُفرِّغُ أيَّ إنجازٍ مُحتملٍ من مَضمونهِ.
إعدادُ الملفِّ التَّفاوضيِّ اللُّبنانيِّ مُهمّةً وطنيّةً عاجلةً تتطلّبُ مقاربةً شاملةً عابرةً للقطاعاتِ. لا يَكفي الاقتصارُ على البُعدِ الأمنيِّ أو الحدوديِّ، بل ينبغي إدماجُ الأبعادِ القانونيّةِ، والدُّستوريّة،ِ والجغرافيَّة، والاقتصاديّةِ، والإنسانيّةِ. إنّ ملفّاً تفاوضيّاً مُتكاملاً يَفترضُ تحديداً دقيقاً للأهدافِ، وتَوصيفاً واضحاً للمصالحِ، وبناءَ قاعدةِ بياناتٍ مُوثّقةٍ تُعزِّزُ الموقفَ اللُّبنانيَّ على طاولةِ التَّفاوضِ، كما يَستدعي إشراكَ مؤسّساتِ الدَّولةِ المعنيّةِ، والاستفادةَ من الكفاءاتِ الأكاديميّةِ والخبراتِ الدِّبلوماسيّةِ، بما يَضمنُ انتقالَ التَّفاوضِ من مُجرّدِ إدارةِ أزمةٍ إلى صياغةِ مسار سلامٍ مستدامٍ.
لا بُدَّ، في هذا السِّياقِ، من التَّأكيدِ أنّ أيَّ تصوُّرٍ أبعدَ للسَّلامِ لا يَستقيمُ خارجَ إطارِ الإجماعِ العربيِّ، كما تُجسِّدُهُ مُبادرةُ السَّلامِ العربيّةُ (2002). هذهِ المُبادرةُ تُشكِّلُ مرجعيّةً سياسيّةً وقانونيّةً تُحدِّدُ شروطَ السَّلامِ العادلِ والشّاملِ. إنّ القفزَ فوقَ هذهِ المرجعيّةِ يُعرِّضُ لُبنانَ لمخاطرِ العُزلةِ ويُضعِفُ موقعَهُ التَّفاوضيَّ، فيما يُوفِّرُ الالتزامُ بها غطاءً عربيّاً يُعزِّزُ شرعيّةَ أيِّ مسارٍ يُمكنُ أن يَنخرطَ فيهِ.
من زاويةٍ أخرى، يَرتبطُ نجاحُ أيِّ مسارٍ تفاوضيٍّ بقدرةِ الدَّولةِ على استعادةِ ثقةِ مواطنيها. فالأمانُ الإنسانيُّ لا يَقتصرُ على غيابِ الحربِ، بل يَشملُ توفيرَ الحدِّ الأدنى من الاستقرارِ الاقتصاديِّ والاجتماعيِّ، وصونَ الكرامةِ الإنسانيّةِ، وضمانَ سيادةِ القانونِ. إنّ ربطَ المباحثاتِ بتحسينِ شروطِ العيشِ اليوميِّ للمواطنينَ يُحوِّلُها من ملفٍّ نُخبويٍّ إلى قضيّةٍ وطنيّةٍ جامعةٍ، ويُسهمُ في تَحصينِها داخليّاً في مواجهةِ التَّشكيكِ أو التَّسييسِ.
على هذا الأساسِ، لا بُدَّ من قراءةِ المباحثاتِ الجاريةِ بوصفِها نافذةَ فُرصةٍ استثنائيّةٍ. التَّحوّلاتُ الإقليميّةُ، وتَقاطُعاتُ المصالحِ الدُّوليّةِ، والتَّعبُ المُتراكمُ من الصِّراعاتِ، كلُّها عواملُ تُتيحُ إعادةَ طرحِ موقعِ لُبنانَ خارجَ منطقِ السّاحاتِ المفتوحةِ. غيرَ أنّ هذهِ الفُرصةَ ليست مفتوحةً إلى ما لا نهايةَ. إذ إنّ تَفويتَها، إمّا بفعلِ التَّردُّدِ أو الحساباتِ الضيّقةِ، قد يُعيدُ إنتاجَ دوّاماتِ العُنفِ ويُرسِّخُ واقعَ اللّادَولةٍ.
إنّ المسؤوليّةَ اليومَ تَكمُنُ في الانتقالِ من إدارةِ الأزماتِ إلى صُنعِ السِّياساتِ. هُدنةُ 1949 تُوفِّرُ إطاراً لضبطِ الحاضرِ، ومسارُ الحِيادِ يَفتحُ أُفقَ المُستقبلِ، ومُبادرةُ السَّلامِ العربيّةُ تُؤمِّنُ المظلّةَ الشَّرعيّةَ. بينَ هذهِ الأبعادِ الثّلاثةِ، يَقعُ على عاتقِ الدَّولةِ اللُّبنانيّةِ أن تُحسِنَ التَّقاطَ اللَّحظةِ، وأن تُحوِّلَها إلى مَسارٍ تراكميٍّ يُعيدُ بناءَ الثِّقةِ داخليّاً ويُثبِّتُ الحضورَ خارجيّاً.
ها هُو لُبنان أمامَ مُفترقٍ تاريخيٍّ لا يَحتملُ الرَّماديّةَ. إمّا أن يَختارَ لُبنانُ الانخراطَ الواعيَ في مربَّعٍ يُعيدُ الاعتبارَ لدَولتِهِ ودَورِهِ، وإمّا أن يَبقى أسيرَ تَوازناتٍ هشّةٍ تُهدِّدُ كيانَهُ على المدى الطَّويلِ. إنّها فُرصةٌ استثنائيّةٌ بكلِّ المعاييرِ، وتَفويتُها ليسَ مُجرّدَ خَطأٍ سِياسيٍّ، بل خَطيئةٌ وطنيّةٌ مكتملةُ الأوصاف.
