
المحامي البروفيسور نبيه الشرتوني
٢٨ آذار ٢٠٢٦
كرامةُ الزمنِ المُعاش
ثمّةَ معرفةٌ لا تُكتسَبُ من الكتب ولا من القاعات، بل تولدُ في المسيرِ البطيء، وأحيانًا الشاق، في دروبِ الحياة. إنّها حكمةٌ صامتة، تُنسَجُ من التجارب، ومن الخسارات، ومن اللقاءات والاختيارات التي، بتراكمها، تمنحُ الإنسانَ عمقًا لا تُحاكيهُ العجلة.
من قطعَ مسافاتٍ طويلة لا يحتاجُ إلى رفعِ صوته كي يُصغى إليه. فكلمتُهُ، وقد نقّاها الزمن، تعلّمت أن تميّز بين الجوهريّ والعابر. لم يَعُد يتكلّمُ ليَغلِب، بل ليُضيءَ. ولم يَعُد يتحرّكُ بدافعِ الاندفاع، بل بميزانِ الفهم. وفي نظرته سكينةٌ ليست فتورًا، بل صفاء.
إنّ مرورَ السنين ليس استهلاكًا، بل صِياغة. هو فنُّ تحويلِ الجراحِ إلى بَصيرة، والأخطاءِ إلى تمييز، والأوهامِ إلى رجاءٍ أكثرَ وعيًا. وفي ذلك أناقةٌ باطنية لا تقومُ على المظهر، بل على انسجامِ ما عِيشَ مع ما فُهِم.
نعيشُ في زمنٍ يُمجّدُ العَجَلة ويحتفي بالجديدِ الدائم. غير أنّ هناك ثراءً لا يمنحهُ إلا الزمن: ثراءُ المنظور. تلك القدرة على رؤية ما وراء اللحظة، وفهم المسارات، وإدراك دورات الحياة، وعدم الارتهان لما هو عابر. إنّه ثراءٌ لا يُشترى ولا يُرتجل.
من عاشَ بما يكفي ليتأمّل العالم بسكينة، يحوزُ امتيازًا فريدًا: ألّا يُستدرَجَ إلى الزائل. لقد تعلّم أنّ ليس كلُّ أمرٍ يستحقُّ استعجالًا، ولا كلُّ معركةٍ تستحقُّ خوضًا، وأنّ القوّةَ الحقّة كثيرًا ما تكمن في حُسنِ الانتظار.
هذه الحكمةُ ليست حنينًا إلى الوراء، ولا انسحابًا من الحاضر، بل حضورٌ مكتمل. هي أن تكونَ في العالم بوعيٍ أرحب، وبحسٍّ أدقّ، وبحرّيةٍ تنبعُ من فهمٍ عميقٍ بأنّ الحياة ليست سباقاً، بل بناء.
إنّ تكريمَ الزمنِ المُعاش هو اعترافٌ بأنّ لكلّ مرحلةٍ كرامتَها. وأنّ ثمّة عظمةً لا تُقاسُ بالسرعة ولا بالصخب، بل بالعمق، وبالتوازن، وبالقدرة على حملِ ثِقلِ التجربة بثباتٍ وطمأنينة.
وفي النهاية، ما يُنَبِّلُ الإنسانَ حقًا ليس عدد السنين، بل كيف سكنها وعاشها. وهناك تكمن، بلا ريب، إحدى أسمى تجلّيات الذكاء الإنساني: أن يتعلّمَ المرءُ كيف يحيا.
