
بقلم: الياس كساب
رئيس التحرير، باحث في الشؤون الاغترابية، واللبنانيّة، والعربيّة
٨ نيسان ٢٠٢٦
موقف دول الناتو من الحرب على إيران:
أوروبا التي واجهها ترامب بضعفها تنتقم بعزل نفسها، وماكرون يغازل إيران في عز الحرب على دول الخليج، ويبحث عن دورٍ ضائعٍ في لبنان
في كلِّ مرةٍ تتصاعدُ فيها المواجهةُ بين إيران والعالم، يظهرُ التبايُنُ داخلَ المعسكرِ الغربيِّ بوضوح. فبدلاً من أن تتوحّدَ مواقفُ دولِ الناتو خلفَ رؤيةٍ استراتيجيةٍ واحدة، تبدو أوروبا وكأنها تتحركُ وفقَ حساباتٍ ضيّقة، وأحياناً متناقضة مع مصالحِ حلفائها التقليديينَ في الولاياتِ المتحدةِ والعالمِ العربيّ. هذا التبايُنُ يزدادُ وضوحاً مع الحربِ الدائرةِ ضدَّ المشروعِ الإيرانيِّ في المنطقة، حيث تقفُ أوروبا في موقعٍ رماديٍّ يراوحُ بين الحذرِ والمساومة.
لقد واجهَ الرئيسُ الأميركيُّ دونالد ترامب في ولايتهِ الأولى أوروبا بعباراتٍ صادمةٍ حين اتهمها بالضعفِ الاستراتيجيِّ والعجزِ عن تحمّلِ مسؤولياتها الأمنية. يومها اعتبرَ كثيرٌ من الأوروبيين أن ترامب يتصرف بفظاظةٍ سياسية، لكنَّ السنواتِ اللاحقةِ أظهرت أن المشكلةَ لم تكن في اللغة، بل في الواقع، فأوروبا التي بنت أمنَها لعقودٍ تحتَ المظلةِ الأميركيةِ، لم تطوّر بعد إرادةً سياسيةً حقيقيةً للدفاعِ عن مصالحها أو عن استقرارِ جوارها الاستراتيجيّ.
“الفكرُ الليبراليُّ” في الغرب، والذي تنامى مع أوباما إلى حدِّ المثاليّةِ السياسيّةِ، ارتاحَ لشعاراتِ الانسحابِ الأمريكيِّ من العالم آنذاك، مِمّا ساهمَ في إسقاطِ الحذر أمام موجاتِ الهجرةِ واللجوءِ في أوروبا، وكندا، وأستراليا، وحتى الولايات المتحدة، أمام الإسلامويين، (بالمعنى الإيديولوجي السياسي على طريقة الإخوان)، الذين أفشلوا الربيع العربي وهربوا بعد انكشافهم، (وهم فكريّاً حلفاء دولة الوليّ الفقيه بالمعنى الديني-السياسي للجمهورية الإسلاميّة في إيران)، وأصبحوا في داخلِ هذه الدول قِوىً وازِنةً مؤثّرةً في الحياةِ السياسيّةِ والاجتماعيّةِ، ما خلقَ تيّاراتٍ سياسيّةً يمينيّةً مُتطرفة، وأزعج حتى الشريحةَ الكبرى من المسلمين في هذه الدول، لأن هذه المجموعات الجديدة لا تقوى على الاندماج، لا بل أضحت نقيضاً لها، فبدت وكأن داعش لبسَ رداء العفّة، فتسلّل بالزيّ الجديد إلى الديمقراطيات الغربيّة، مستفيداً من القوانين المنفتحة، ومن التقديماتِ الاجتماعيّةِ فيها على حدٍّ سواء، فيما استغلّ نظامُ الملالي أيضاً هذه “الأوباميّة” للتمّد، ولبناءِ “جدارٍ” سميكٍ من “الأذرع” المسلحة، يُغطّي توغله الاستراتيجيَّ على المضائق، ويمنعُ الغربَ من استكشافِ سياسةِ التسلح الخطيرة في إيران الوليِّ الفقيه خلفَ هذا الجدار، وحيث تتكشف لأوروبا اليوم كم هو خطيرٌ، ليس تخصيب الأورانيوم والسعي لامتلاكِ سلاحٍ نوويٍّ فحسب، بل نظامُ الصواريخ البعيدة المدى، والتي تجعل عواصمَها أهدافاً سهلةً لجنون الملالي!
تحبه، أم لا، دونالد ترامب أدركَ هذا الخطر في ولايته الأولى، فألغى الاتفاق النووي مع إيران، وجعلَ من اغتيالِ قاسم سليماني عنوانَ القضاءِ على “جدار” الأذرع، وعاد في ولايته الثانية ليكملَ المهمة!
في لحظةِ المواجهةِ مع إيران، وللأسف، يبدو أنّ حلفاء أمريكا، خاصّةً دول أوروبا، وكأنها اختارت سياسةَ الانكفاء. فهي لا تريد الانخراطَ الكاملَ في المواجهةِ مع المشروعِ الإيرانيّ، لكنها في الوقتِ نفسه لا تملكُ القدرةَ على صياغةِ بديلٍ استراتيجيٍّ واضح. وهكذا تتحول أوروبا، القارة العجوز، إلى لاعبٍ متردد، يكتفي بالدعواتِ الدبلوماسيةِ إلى التهدئةِ بينما تستمر طهران في تطويرِ نفوذها العسكريِّ عبرَ الوكلاءِ في المنطقة.
وسطَ هذا المشهد، يبرزُ الدورُ الفرنسيُّ بشكلٍ خاص. فالرئيس إيمانويل ماكرون يحاولُ منذُ سنوات تقديمَ نفسهِ وسيطاً بين إيران والغرب، وبين إيران ودولِ المنطقة. غير أن هذه الوساطة كثيراً ما تتحول إلى ما يشبه المغازلة السياسية مع طهران، خصوصاً حين تتزامن مع تصعيدٍ إيرانيٍّ ضدَّ دولِ الخليج أو مع تهديدٍ مباشرٍ لأمنِ المنطقة.
فرنسا التي كانت تاريخياً من أبرزِ الداعمينَ لاستقرارِ لبنان، تبدو اليوم وكأنها تبحث عن دورٍ مفقودٍ في هذا البلد الصغير. فباريس تدركُ أنَّ نفوذها التقليديَّ في لبنانَ تراجعَ كثيراً خلالَ العقدين الماضيين، بعدما تحولت الساحةُ اللبنانيةُ إلى ساحةِ نفوذٍ إيرانيٍّ عبرَ حزب الله. ومع ذلك، ما زالت الدبلوماسيةُ الفرنسيةُ تحاولُ الإمساكَ بخيوطِ اللعبةِ اللبنانية، ولو من خلالِ مقارباتٍ رماديةٍ تحاولُ التوفيقَ بين الدولةِ اللبنانيةِ والواقعِ الذي فرضه السلاحُ غير الشرعي.
لكنَّ المشكلةَ الأساسيةَ في المقاربةِ الأوروبيةِ عموماً، والفرنسيةِ خصوصاً، تكمنُ في الاعتقادِ بإمكانيةِ إدارةِ التناقضِ مع إيران من دونِ مواجهته فعلياً. فطهران لا تتعامل مع المنطقةِ بمنطقِ التوازناتِ الدبلوماسية، بل بمنطقِ المشروعِ التوسعيِّ الذي يقوم على بناءِ نفوذٍ عسكريٍّ وسياسيٍّ عبرَ الميليشياتِ العابرةِ للدول.
وفي ظلِّ هذا الواقع، تبدو محاولاتُ ماكرون للحفاظِ على خيطٍ مفتوحٍ مع إيران أقربَ إلى محاولةِ إنقاذِ دورٍ فرنسيٍّ يتراجعُ أكثر مما هي استراتيجيةٌ قادرةٌ على تغييرِ موازينِ القوى. فالدولُ العربيةُ التي تواجهُ مباشرةً التهديدَ الإيرانيَّ باتت تنظرُ بقلقٍ إلى هذا الترددِ الأوروبيّ، خصوصاً عندما يأتي في لحظةٍ تتطلبُ وضوحاً في المواقف لا رماديةً في الخطاب.
إن الحربَ على المشروعِ الإيرانيِّ ليست مجردَ نزاعٍ إقليميّ، بل هي اختبارٌ حقيقيٌّ لقدرةِ النظامِ الدوليِّ على مواجهة سياساتِ التوسعِ والفوضى المسلحة. وفي هذا الاختبار، لا يمكن لأوروبا أن تبقى في موقعِ المتفرجِ المتردد، لأنَّ الفراغَ الاستراتيجيَّ الذي تتركه لن يملأهُ سوى مزيد من الفوضى.
أما في لبنان، فإنَّ البحثَ الفرنسيَّ عن دورٍ لن يكون مجدياً ما لم ينطلق من حقيقةٍ أساسية: لا استقرار في هذا البلد ما دام القرار السيادي مخطوفاً لصالحِ مشروعٍ إقليميّ. وأي محاولة لتجميلِ هذا الواقع أو التعايش معه لن تؤدي إلا إلى إطالةِ أمدِ الأزمة.
في النهاية، يبقى السؤالُ الحقيقيُّ الذي يواجهُ أوروبا خاصةً، والحلفاءَ في الناتو عامةً، هو التالي: هل تريدُ هذه الدول أن تكونَ شريكاً فعلياً في حمايةِ الاستقرارِ الدولي، أم أنها تفضّل الاكتفاءَ بدورِ الوسيطِ الذي يبحث عن موقعٍ بين القوى الكبرى؟
الإجابةُ عن هذا السؤال ستحددُ ليس فقط مستقبلَ دورها في الشرق الأوسط، بل أيضاً مكانتها داخلَ المعسكرِ الغربيِّ نفسه.