
زياد الصَّائغ
٢٣ نيسان ٢٠٢٦
معركةُ الهُويَّةِ اللُّبنانيَّةِ في الاغتراب!
ليستِ المسألةُ تفصيلاً ثقافيّاً عابراً. ليست خطأً بروتوكوليّاً أو التباساً أكاديميّاً يمكنُ تجاوزهُ ببعضِ التوضيحاتِ الدبلوماسيَّةِ الباردة. ما جرى في الأيام الماضية في نيويورك، حينَ جرى تقديمُ جبرانَ خليلِ جبرانَ، وميخائيلَ نعيمةَ، وإيليا أبو ماضي، وأمينِ الرَّيحاني في سياقٍ يوحي بأنَّهم “سوريّون”، لا يمسُّ فقط أسماءَ أربعةٍ من كبارِ أدباءِ المهجر، بل يمسُّ جوهرَ الرِّوايةِ الحضاريَّةِ اللُّبنانيَّةِ نفسها، ويُعيدُ طرحَ سؤالٍ وجوديٍّ بالغِ الخطورةِ في هل ما زال لُبنانُ يَعرفُ كيفَ يَدافعُ عن صورتِهِ ومعناهُ وذاكرتِهِ أمامَ العالم؟ ثمّة أوطانٌ تُهزمُ حينَ تخسرُ حروبَها. أمَّا لُبنانُ، فقد يُهزمُ إذا خسرَ سرديَّتَهُ الحضاريَّةَ. وهذهِ أخطرُ الهزائمِ على الإطلاق.
جبرانُ خليل جبران ليسَ مجرَّدَ أديبٍ مهاجرٍ نجحَ في نيويورك. إنَّهُ أحدُ أبرزِ الوجوهِ التي جعلت اسمَ لُبنانَ مرادفاً للرُّوحانيَّةِ والحرِّيَّةِ والشِّعريَّةِ الكونيَّةِ. وميخائيلُ نعيمةُ لم يكن فقط كاتباً، بل أحدُ الذينَ صاغوا البُعدَ الفكريَّ والأخلاقيَّ لفكرةِ الإنسانِ الحرِّ الخارجِ من المشرقِ نحوَ العالميَّةِ. وإيليا أبو ماضي وأمينُ الرَّيحاني لم يكونا مجرَّدَ اسمَينِ في تاريخِ الأدبِ العربيِّ، بل جزءاً من الهُويَّةِ الثقافيَّةِ اللُّبنانيَّةِ العابرةِ للحدودِ. هؤلاءِ لم يحملوا جوازاتِ سفرٍ فقط، بل حملوا صورةَ لُبنانَ الحضاريَّةَ إلى العالمِ حينَ كانَ هذا العالمُ بالكادِ يَعرفُ شيئاً عن بلادِ الأرزِ. حينَ يُغتالُ الانتماءُ الحضاريُّ لهؤلاءِ، تضيعُ أجزاءٌ من صورةِ لُبنانَ في الوعيِ العالميِّ. وحينَ يَصمتُ اللُّبنانيُّونَ أمامَ هذا التَّشويهِ، يصبحُ الصَّمتُ نفسهُ أزمةَ هُويَّةٍ وطنيَّةٍ.
المشكلةُ ليست في شخصيَّةٍ سياسيَّةٍ هنا أو تصريحٍ هناك. المشكلةُ أعمقُ بكثير. إنَّها أزمةُ غيابِ السِّياساتِ العامَّةِ الثقافيَّةِ والدِّبلوماسيَّةِ في لُبنانَ. فالدُّولُ الحديثةُ لا تحمي نفسَها فقط بالجيوشِ والاقتصادِ، بل أيضاً بحمايةِ روايتِها التاريخيَّةِ وصورتِها الحضاريَّةِ وذاكرتِها الجماعيَّةِ. وحينَ تغيبُ هذهِ الحمايةُ، يصبحُ التَّشويهُ أمراً محتملاً، وفَرَضيّة مُتوقَّعة.
هنا تحديداً، يَبرزُ الدَّورُ المصيريُّ للاغترابِ اللُّبنانيِّ. فالاغترابُ لم يَعُد مجرَّدَ جالياتٍ منتشرةٍ في العالمِ تُرسلُ الأموالَ إلى عائلاتِها، بل أصبحَ الامتدادَ الحيَّ للهُويَّةِ اللُّبنانيَّةِ خارجَ الحدودِ. إنَّهُ القوَّةُ الحضاريَّةُ النَّاعمةُ التي يمتلكُها لُبنانُ في مواجهةِ محاولاتِ التَّذويبِ أو التَّهميشِ أو إعادةِ تعريفِهِ من الخارجِ. فاللُّبنانيُّونَ/ات المنتشرونَ/ات في العالمِ يَشغلونَ مواقعَ أكاديميَّةً وإعلاميَّةً واقتصاديَّةً وسياسيَّةً وثقافيَّةً مؤثِّرةً. وهم/نّ قادرونَ/ات، إذا ما توافرتِ الرُّؤيةُ الوطنيَّةُ الجامعةُ، على بناءِ شبكةِ دفاعٍ حضاريٍّ عن صورةِ لُبنانَ وتاريخِهِ وإنتاجِهِ الفكريِّ والثَّقافيِّ. لكنَّ هذا يتطلَّبُ الانتقالَ من ردَّاتِ الفعلِ العاطفيَّةِ إلى بناءِ سياسةِ اغترابٍ وطنيَّةٍ واضحةٍ ومتماسكةٍ.
إنَّ لُبنانَ بحاجةٍ اليومَ إلى ما يُشبهُ “الدِّبلوماسيَّةَ الحضاريَّةَ”. أي إلى مقاربةٍ حديثةٍ تجعلُ من الثَّقافةِ، والاغترابِ، والرِّوايةِ الوطنيَّةِ، جزءاً من الأمنِ القوميِّ اللُّبنانيِّ. فالهُويَّةُ ليست تفصيلاً رومنسياً، بل مصلحةٌ وطنيَّةٌ عليا. والدُّولُ التي تفقدُ قدرتَها على حمايةِ صورتِها في العالمِ، تفقدُ تدريجيّاً قدرتَها على حمايةِ سيادتِها ومصالحِها أيضاً.
من هنا، لا يَكفي أن نغضبَ لأنَّ أدباء المهجر نُسِبوا إلى غيرِ لُبنانَ. المطلوبُ أعمقُ بكثير. المطلوبُ إعادةُ بناءِ خطابٍ وطنيٍّ لبنانيٍّ عالميٍّ يُعيدُ تثبيتَ لُبنانَ كقيمةٍ حضاريَّةٍ، وإنسانيَّةٍ، وثقافيَّةٍ، في الوعيِ العربيّ والدُّوليِّ. وهذا لا يمكنُ أن يتحقَّقَ فقط عبرَ وزارةِ خارجيَّةٍ ومغتربين، أو سفاراتٍ تقليديَّةٍ، أو عبر وزارة ثقافة عاديّة، بل عبرَ شراكةٍ حقيقيَّةٍ بينَ الدَّولةِ، والاغترابِ، والمؤسَّساتِ الثَّقافيَّةِ، والأكاديميَّةِ، والإعلاميَّةِ.
إنَّ الدِّبلوماسيَّةَ العامَّةَ اليومَ لم تَعُد نشاطاً ثانويّاً، بل أصبحت جزءاً من صراعِ السَّرديَّاتِ العالميَّةِ. ومن لا يَروي قصَّتَهُ بنفسِهِ، يَتركُ الآخرينَ يُعيدونَ تعريفَهُ وفقَ مصالحِهم أو جهلِهم أو سرديَّاتهم الخاصَّةِ. وهذهِ إحدى أخطرِ الأزماتِ التي يُواجهُها لُبنانُ اليومَ. فبلدٌ بهذا العمقِ الحضاريِّ والثَّقافيِّ يبدو أحياناً عاجزاً عن تقديمِ نفسِهِ إلى العالمِ بطريقةٍ تليقُ بتاريخِهِ ورسالتِهِ. ولعلَّ المفارقةَ المؤلمةَ أنَّ أدباءَ المهجرِ أنفسَهم فهموا معنى الدِّبلوماسيَّةِ الحضاريَّةِ أكثرَ ممَّا تفهمُهُ مؤسَّساتٌ رسميَّةٌ كثيرةٌ اليوم. لقد حملوا لُبنانَ في لغتِهم وأدبِهم وفلسفتِهم، وقدَّموهُ إلى العالمِ بوصفِهِ مساحةَ حريَّةٍ وانفتاحٍ وجمالٍ روحيٍّ وإنسانيٍّ. كانوا، من دونِ ألقابٍ رسميَّةٍ، سفراءَ لُبنانَ الحقيقيِّينَ. لهذا، فإنَّ الدِّفاعَ عن جبرانَ، ونعيمةَ، وأبو ماضي، والرَّيحاني، ليسَ دفاعاً عن الماضي فقط، بل دفاعٌ عن مستقبلِ لُبنانَ أيضاً. لأنَّ الأممَ التي تفقدُ ذاكرتَها الحضاريَّةَ تُصبحُ أكثرَ هشاشةً أمامَ التَّفكُّكِ والتَّبعيَّةِ والانهيارِ المعنويِّ.
إنَّ معركةَ الهُويَّةِ اللُّبنانيَّةِ اليومَ ليست معركةَ حنينٍ أو نوستالجيا، بل معركةُ وجودٍ سياسيٍّ وثقافيٍّ وحضاريٍّ. هي معركةٌ تتطلَّبُ من الاغترابِ اللُّبنانيِّ أن يَتحوَّلَ من طاقةِ نجاحٍ فرديٍّ إلى قوَّةِ تأثيرٍ وطنيٍّ منظَّمٍ، ومن حضورٍ عاطفيٍّ تجاهَ الوطنِ إلى شراكةٍ استراتيجيَّةٍ في حمايةِ صورتِهِ ورسالتِهِ. حينَ يُصبحُ أدباء المهجر موضعَ التباسٍ في هُويَّتِهم، لا تعودُ المشكلةُ فيهم، بل فينا نحنُ. في ضعفِ حضورِنا، وفي هشاشةِ سرديَّتِنا، وفي غيابِ مشروعٍ وطنيٍّ يُدركُ أنَّ حمايةَ الهُويَّةِ هي جزءٌ لا يَتجزَّأُ من حمايةِ الدَّولةِ نفسها.ولأنَّ لُبنانَ أكبرُ من أزمتِهِ، وأعمقُ من انهيارِهِ، وأغنى من اختزالِهِ الجغرافيِّ أو السِّياسيِّ، تَبقى مسؤوليَّةُ الدفاعِ عن صورتِهِ الحضاريَّةِ مسؤوليَّةً وطنيَّةً وأخلاقيَّةً وتاريخيَّةً لا تحتملُ التَّأجيلَ.
