
بقلم : الدكتور جورج شبلي
٣ حزيران ٢٠٢٦
الدولة المنكوبة
يتسلّقُ الدولةَ المتآكلة زرافةٌ من المتسلّطين المستقوين الذين حملَ أداؤُهم، خلالَ عقودٍ سقيمةٍ من زمن لبنان، ما جعلَ البلادَ تعاني سلسلةً عقيمةً من الأزمات، أخطرُها وأسوأُها إدخالُ البلد في تشابكيّةِ السّياق الإقليميّ بكلِّ تعقيداته التي لا ناقةَ له فيها.
إنّ ما سُمِّيَ بالدولة العميقة، أي تَغلغل المستقوين في المؤسّسات وإحكام قبضتهم على قرارها، شكّلَ تراجعًا في وجودِ الدولةِ الشّرعية، وتَخَلخلًا في بُنيتها السياسيّة، وقد أدّت هذه الحيثيّة الى ” نَشل ” الدولة بطريقةٍ نمطيّة موصوفة. وما كان المستقوون لينجحوا في انقلابهم، أو مؤامرتهم، لو لم تكن الدولةُ مترهّلة، وقد أذنَ هذا الترهّل بسَحقها.
إنّ نَشلَ الدولة لا يعني، إطلاقًا، حشدَ شعاراتٍ ترفضُ الوضعَ القائمَ تمهيدًا لتبديله، شأن الانتفاضات التي عرفها الكثيرُ من الدُّول، بل انّه السَّبيُ الكاملُ للوطن، بكيانيّته وهويّته، وهدم مكوّناته، وهزّ صورة مؤسّساته… كلُّ ذلك لفَرضِ استعمارٍ جديد، أو انتدابٍ أبوهُ الرّوحي مشروعٌ مستَورَدٌ من خلف الحدودِ المعروفةِ النّوايا والأهداف.
إنّ جَدولَةَ نَشل الدولة جرَت بتخطيطٍ أُعِدَّ ونُفِّذَ بشكلٍ تدريجيّ، ونضجَت مندرجاتُه بحُكمِ اللّاتماثُل بين شرائح النّسيج الوطني، وبحُكمِ المستجدّات الإقليميّة الأمنيّة والسياسيّة، وبحُكمِ التّباينِ في القوّة من طرفٍ واحدٍ يقابلُه صقيعُ فتيل المواجهة لدى الدولة ومَنْ يساندُها… وإذا استطاعَ المستَقوون، وهم ضِلعُ الخارج، أن يموّهوا مشروعَهم المشبوه، بما يطالبُ به النّاس من عدالة ومساواة وحقوق وقيام دولة قادرة، لكنّهم فُضِحوا، إِنْ لم نَقُل أعلنوا، بلا خوفٍ أو تردّد، عن طرحِهم العنصريّ، السّلطوي، الانتدابي، بحراكٍ ترهيبيّ، وبغَزوٍ ماليٍّ، ما مكّنَهم من بسطِ استراتيجيّتهم المُمَنهَجة التي بدأت بتقويض أركان الدولة، وصولًا الى اختراقِ مفاصلِها، واجتياحِ مواقعِ القرار فيها، ما حوّلَ البلادَ جثَّةً متكلِّسة جاهزة لإعادةِ تدويرِها، ولكنْ بتركيبةٍ مختلفة.
إنّ المشروع النَّشلَوي ليس سوى محاولة واضحة للسيطرة على لبنان، متوسِّلًا الخطابَ الأيديولوجيّ الذي لا يتردّد في تثوير العواطف، وتوظيف العنصريّة الدينيّة، وتَنميط اللّاوعي لاستنهاض التطرّف، بهدف الانقلابِ على ما تبقّى من الدولة بصيغتها الرّاهنة.
أمّا المُستَهجَنُ في المشروع فهو منسوبُ الشّعارات ” الجاذبة ” التي، وإِن دغدغَت البيئةَ الحاضنة المعروفة لأصحاب هذا المشروع غيرِ المشروع، مثل تحقيق الإصلاح السياسي والاقتصادي، والسّعي للخروج من نَفَق التخلّف، وردم الهوّة بين السّلطة والشّعب، وتفعيل المقاومة لاستعادة كرامة الأمّة … غير أنّ التّمويه لم يستطع أن يخفيَ بنودَ الأجندة الخارجيّة التي تسعى الى بسط حيثية ” كولونياليّة ” ثيوقراطيّة جديدة تذكّرنا بسياسة التَّتريك التي مارستها السّلطنة العثمانية ضدّ الشّعوب العربيّة، ولا سيّما لبنان، في زمنِ الانحطاط.
ولمّا كان لبنان ذا موقعٍ استراتيجيّ متقدِّم، جعلَه عِرضةً ” لطموحات ” القوى الإقليميّة، فقد عملَ ” ذراعُ ” الغزو الجديد على الهيمنة الأمنيّة، ثمّ السياسيّة، وأعادَ البلاد الى زمن الخلافة والإمبراطوريّات. وقد نفّذَ ناشِلو الوطن الأوامرَ التي تلقّوها من أسيادهم، وزجّوا بالبلد في أتونِ حروبٍ فتحَت عليه باب جهنّم، ما أدّى الى تدهورٍ دراماتيكي غير مسبوق على مستوى مصير البلاد، وآمال شعبها الذي دفَّعوه كلفةً باهظة لمغامراتٍ دونكيشوتيّة عقيمة، بشرًا وحجرًا وتهجيرًا وكَسرَ كرامة…
هؤلاء المستقوون المرتبِطون بالخارج، والمرتَهَنون لأجندا مشبوهة، لا يريدون لمشروع الدولة أن يرى النّور، لذلك، حوّلوا لبنان الذي انقضّوا عليه الى ” خردة ” إقليميّة تُصَفّى فيها الحسابات، ويتمُّ فوقَها صراعٌ أبديّ تحت شعاراتٍ مستَهلَكة، لا علاقةَ للبنانَ بها، وأَشدّها دمويّةً إسناد غزّة، والانتقام لوليّ جمهوريّة الملالي. وهما حَربان كانت كلفتُهما ضياع الجنوب، ربّما الى غير رجعة.
لا نسبيّة في العلاقة بالوطن، وبالدولة، وهذه ليست مسألة تفصيليّة، فإمّا أن يرتبط المواطنُ بدولتِه استنادًا الى مفهوم المواطنة، بمبادئِه ومُثُله، فلا يعترفُ إلّا بالدّولة مرجعيّةً وحيدة، وإمّا أن يكونَ طلاقٌ بينهما، فيَدينُ مَنْ يُسَمّى، زُورًا، مواطنًا، لمرجعٍ خارج خارطة مكانِ إقامتِه، ولا أقول بلاده، ما يُلزِمُ الدولةَ، إِنْ وُجِدَت، على إحالتِه الى غربالِ الإِتلاف.
وبعد، لمّا كانت مَلَكَة الالتزام الوطني، وهي الوسيلة المعياريّة المأمونة التي تهدي الى صحّة الارتباط بالوطن والدولة، معدومةً ومُشَوَّهة بل ممسوخة لدى الزَّوَغانيّين المُستَرسِلين في نَكبةِ البلاد، ومصادرة قرار الدولة، والتحكّم بمصير النّاس، لا يسعُنا إلّا أن نعاينَ الكابوسَ المستمِرّ، وتَبَخُّرَ كلِّ أمل في التّعافي، أقلّه خلالَ المدى المنظور. أمّا التّعافي فيكون بترحيلِ مُعَطَّلي الوطنيّة الى جمهوريّة الموز …
