
زياد الصَّائغ
٤ حزيران ٢٠٢٦
يتحدّثون عنه ويغتالونه…. الدّستور اللّبنانيّ في مئويّتِه المأزومة!
في العامِ المئةِ على إقرارِ الدّستورِ اللّبنانيّ، لا يبدو أنّ الأزمةَ تكمنُ في غيابِ النّصوصِ أو نقصِ الأحكامِ الدّستوريّة، بل في ذلك التّناقضِ الصّارخِ بين وفرةِ الحديثِ عن الدّستور وندرةِ الالتزامِ به. فقلّما شهدَ لبنانُ مرحلةً يكثرُ فيها استحضارُ الدّستورِ في الخطابِ السّياسيّ والإعلاميّ كما هو الحالُ اليوم، وفي المقابل قلّما عرفَ مرحلةً بدا فيها الدّستورُ معطّلاً أو مهمّشاً أو منتهكَ الرّوحيّةِ والمقاصدِ كما هو حاصلٌ في العقودِ الأخيرة.
هذه المفارقةُ ليست تفصيلاً عابراً. إنّها تختصرُ المأزقَ البنيويَّ الّذي يواجهُه لبنان. فالدّستورُ الّذي يفترضُ أن يكونَ المرجعيّةَ العليا للدّولةِ تحوّلَ في كثيرٍ من الأحيان إلى مادّةٍ للسّجالِ والمزايدة، وإلى أداةٍ انتقائيّةٍ تُستدعى حين تخدمُ المصالحَ السّياسيّةَ وتُهملُ عندما تتعارضُ معها. ولذلك تبدو مئويّةُ الدّستورِ مناسبةً للتّوقّفِ أمام سؤالٍ جوهريّ: هل أزمةُ لبنان هي أزمةُ دستور، أم أزمةُ احترامٍ للدّستور؟
عندما صدرَ الدّستورُ عامَ 1926، لم يكن مجرّدَ وثيقةٍ تنظيميّةٍ لتوزيعِ الصّلاحيّات بين المؤسّسات. لقد جاءَ تعبيراً عن رؤيةٍ سياسيّةٍ لدولةٍ حديثةٍ ناشئةٍ أرادت أن تجمعَ بين الحرّيّةِ والتّعدّديّةِ وبين وحدةِ السّلطةِ العامّة. كان لبنانُ آنذاك مشروعاً قيدَ التّشكّل، وكان الدّستورُ بمثابةِ العقدِ الّذي يحدّدُ طبيعةَ هذا المشروعِ واتّجاهَه. تأثّرت فلسفةُ الدّستورِ تأثّراً واضحاً بالرّؤيةِ الفكريّةِ الّتي عبّر عنها ميشال شيحا. فالرّجلُ لم يرَ لبنانَ بوصفِه تجمّعاً لطوائفَ متنافسة، بل مساحةً للتّفاعلِ بين التّنوّعات ضمن إطارِ دولةٍ واحدة. وكان مقتنعاً بأنّ الحرّيّةَ هي جوهرُ التّجربةِ اللّبنانيّة، وأنّ التّعدّديّةَ لا يمكنُ أن تستمرّ إلّا في ظلِّ مؤسّساتٍ دستوريّةٍ قويّةٍ تحمي الجميع.
في مرحلةٍ لاحقة، أضفى شارل مالك على هذه الرّؤيةِ بُعداً إنسانيّاً وأخلاقيّاً أعمق. فمساهمتُه في صياغةِ الإعلانِ العالميِّ لحقوقِ الإنسان لم تكن حدثاً منفصلاً عن فهمِه للبنان. كان يرى أنّ قيمةَ الدّولةِ تُقاسُ بمدى احترامِها لكرامةِ الإنسانِ وحريّتِه، وأنّ الدّستورَ ليس نصّاً قانونيّاً جامداً، بل ضمانةٌ لحقوقِ المواطنينِ وحريّاتِهم.
من هنا، فإنّ قراءةَ الدّستورِ اللّبنانيِّ لا ينبغي أن تنحصرَ في الموادِّ والأحكام، بل في الفلسفةِ الّتي أنتجتْه. فالدّستورُ في جوهرِه مشروعُ دولةٍ سيّدةٍ حرّةٍ مستقلّة، قائمةٍ على المؤسّساتِ والحرّيّاتِ العامّةِ والتّوازنِ بين السّلطات. ولم يكن في أيِّ مرحلةٍ مشروعَ دويلاتٍ أو سلطاتٍ متعدّدةِ المرجعيّات.
على امتدادِ قرنٍ كامل، تعرّضَ هذا المشروعُ الدستوريّ الحضاريٌ لاختباراتٍ قاسية. فمن أزمةِ عامِ 1958 إلى تداعياتِ اتّفاقِيّة القاهرة عامَ 1969، وصولاً إلى الحربِ اللّبنانيّةِ بامتداداتها الاقليميّة-الدّوليّة الممتدّةِ بين عامَي 1975 و1990، ثمّ مرحلةِ الاحتلال السّوريّ، فمرحلةِ القبضة الايرانيّة بعد عامِ 2005، وصولاً إلى الانهيارِ الكبيرِ، الّذي بدأَ يتظهّرُ منذ عامِ 2019، ظلّ الدّستورُ حاضراً كنصٍّ وغائباً كممارسة.
في كلِّ تلك المراحل، لم تكن المشكلةُ في وجودِ الدّستور، بل في تعطيلِه أو الالتفافِ عليه، أو استبدالِ منطقِ المؤسّساتِ بمنطقِ موازينِ القوى. وهنا تكمنُ إحدى أكبرِ الإشكاليّات في التّجربةِ اللّبنانيّة. إذ غالباً ما جرى تحميلُ الدّستورِ مسؤوليّةَ الإخفاقات، بينما كانت الأسبابُ الحقيقيّةُ تكمنُ في عدمِ تطبيقِه.
لقد اعتادَ اللّبنانيّون/ات على نقاشاتٍ متكرّرةٍ حول تعديلِ النّظامِ السّياسيّ أو إعادةِ صياغةِ العقدِ الوطنيّ أو تطويرِ اتّفاقِ الطّائف. هي نقاشاتٌ مشروعةٌ في المبدأ، بل إنّ بعضَها قد يكونُ ضروريّاً بعد مئةِ عامٍ من التّجربة. غير أنّ الخطأَ يكمنُ في القفزِ مباشرةً إلى البحثِ في تعديلِ النّظامِ من دون معالجةِ المعضلةِ الأساسيّة. غيابُ تطبيقِ النّظامِ القائم، من بوّابة انتهاك السّيادة وأمن لبنان القوميّ.
في أدبيّاتِ السّياساتِ العامّة، لا يمكنُ تقييمُ فعاليّةِ أيِّ نظامٍ قبل اختبارِ تطبيقِه بصورةٍ سليمة. فكيف يمكنُ الحكمُ على نجاحِ أو فشلِ الدّستورِ إذا كانت موادُّه تُطبَّقُ انتقائيّاً؟ وكيف يمكنُ الانتقالُ إلى نظامٍ جديدٍ إذا كانت المؤسّساتُ القائمةُ عاجزةً عن أداءِ وظائفِها الطّبيعيّة؟ إنّ النّقاشَ الحقيقيَّ اليومَ يجبُ أن يبدأَ من سؤالِ الدّولة، لا من سؤالِ النّظام. فالدّولةُ تسبقُ النّظامَ منطقيّاً وعمليّاً. ويمكنُ تطويرُ أيِّ نظامٍ سياسيٍّ إذا كانت هناك دولةٌ قادرةٌ على فرضِ القانون. أمّا في غيابِ دولةٍ سيّدة فاعلة، فإنّ أيَّ نظامٍ جديدٍ سيُعادُ إنتاجُ أزماتِ النّظامِ السّابقِ بأشكالٍ مختلفة.
من هذا المنطلق، تصبحُ أولويّةُ تطبيقِ الدّستورِ جزءاً من مقاربةٍ أشملَ تتعلّقُ بإعادةِ بناءِ الدّولة. فالدّستورُ ليس مجرّدَ نصٍّ قانونيّ، بل إطارُ سياساتٍ عامّة. إنّه يحدّدُ قواعدَ الحوكمةِ والسّيادة، وآليّاتِ المساءلةِ، والعلاقةَ بين المواطنِ والسّلطة، وحدودَ استخدامِ القوّة، ومفهومَ المصلحةِ العامّة. هذا يقودُ مباشرةً إلى المسألةِ السّياديّة. فالتّجاربُ الدّستوريّةُ المقارنةُ تُظهرُ أنّ أيَّ دولةٍ لا تستطيعُ تطبيقَ دستورِها بصورةٍ فعّالةٍ إذا لم تكن تحتكرُ استخدامَ القوّةِ الشّرعيّة. ولذلك فإنّ استعادةَ الدّولةِ لحصريّةِ السّلاحِ ليست بنداً سياسيّاً عاديّاً، بل شرطٌ تأسيسيٌّ لتفعيلِ الدّستورِ نفسِه. الدّستورُ يفترضُ وجودَ سلطةٍ شرعيّةٍ واحدة. ويفترضُ وجودَ مؤسّساتٍ قادرةٍ على تنفيذِ قراراتِها. ويفترضُ أنّ الشّعبَ يمارسُ سيادتَه عبر المؤسّساتِ الدّستوريّة، لا عبر موازينِ القوى أو الوقائعِ المفروضةِ خارجَ إطارِ الدّولة.
لهذا السّبب، فإنّ أيَّ رؤيةٍ استشرافيّةٍ لمستقبلِ لبنان يجبُ أن ترتكزَ على مسارٍ متدرّجٍ وواضح. يبدأُ بتطبيقِ الدّستورِ القائم، واستكمالِ تنفيذِ الإصلاحاتِ الدّستوريّةِ غيرِ المنجزةِ في اتّفاقِ الطّائف، وتعزيزِ استقلاليّةِ القضاء، وتفعيلِ الرّقابةِ البرلمانيّة، وتحصينِ الإدارةِ العامّة، واستعادةِ احتكارِ الدّولةِ للقرارِ الأمنيِّ والعسكريّ. بعد ذلك فقط، يصبحُ ممكناً إطلاقُ حوارٍ وطنيٍّ هادئٍ ومسؤولٍ حول تطويرِ النّظامِ السّياسيّ. حوارٌ يبحثُ في الثّغراتِ الّتي أظهرتْها التّجربةُ خلال قرنٍ كامل، وفي سبلِ الانتقالِ من الدّولةِ الطّائفيّةِ إلى دولةِ المواطنة، وفي آليّاتِ تحديثِ المؤسّساتِ بما ينسجمُ مع متطلّباتِ القرنِ الحادي والعشرين.
إنّ المئويّةَ الأولى للدّستورِ اللّبنانيِّ لا ينبغي أن تكونَ مناسبةً لتبادلِ الخطبِ والاحتفاءِ الشّكليّ. إنّها فرصةٌ لإعادةِ طرحِ السّؤالِ الّذي تهرّبَ منه اللّبنانيّون/ ات طويلاً. هل نريدُ حقّاً دولةً دستوريّة، أم نريدُ الاستمرارَ في إدارةِ الأزماتِ خارجَ الدّستور؟ بين النّصِّ والممارسةِ فجوةٌ كبيرة. وبين الدّستورِ والخطابِ السّياسيِّ مسافةٌ واسعة. وبين الحديثِ عنه وتطبيقِه فرقٌ جوهريّ. ولذلك فإنّ مأساةَ الدّستورِ اللّبنانيِّ في مئويّتِه ليست أنّه أصبح قديماً، بل أنّه لم يُمنَحْ بعدُ الفرصةَ الكاملةَ ليُطبَّق كما أراده المؤسّسون. يتحدّثون عن الدّستور كثيراً. يستشهدون به في خطاباتِهم ومواقفِهم. يتبارون في تفسيرِه وتأويلِه. لكنّ الدّستورَ لا يحتاجُ إلى مزيدٍ من الخطب، بل يحتاجُ إلى دولةٍ تحترمُه، وإلى مؤسّساتٍ تُفعّلُه، وإلى مواطنينَ يدافعون عنه باعتبارِه الضّامنَ الأوّلَ لسيادتِهم وحقوقِهم ومستقبلِهم. عندما يتحقّقُ ذلك، تتحوّلُ مئويّتُه المأزومةُ إلى نقطةِ انطلاقٍ نحو مئويّةٍ ثانيةٍ عنوانُها الدّولةُ السّيّدة، والمؤسّساتُ الفاعلة، والمواطنةُ الجامعة، والدّستورُ المطبَّق لا الدّستورُ المعلَّق.
