
بقلم: الياس كساب
رئيس التحرير، باحث في الشؤون الاغترابية، واللبنانيّة، والعربيّة
٨ تموز ٢٠٢٦
الترياق الآتي من العراق: سقوط منظومة الفساد المتحالفة مع السلاح
هل المنظومة اللبنانية تتحسّس رقابها، فتعمل على إقامة تحالف ضد اتفاق الإطار؟
لم يكن سقوط شبكات الفساد في العراق مجرد حدث قضائي أو إداري، بل كشف عن جانب أعمق يتعلق بطبيعة العلاقة بين الفساد السياسي والنفوذ الإقليمي. فكلما تقدمت الدولة العراقية في تفكيك بعض المنظومات المالية والإدارية المتهمة بالفساد، برزت تساؤلات حول ارتباط بعضها بالقوى المسلحة الموالية لإيران، وحول استخدام الاقتصاد والمال العام كوسيلة موازية لترسيخ النفوذ بعد أن أصبحت الأدوات العسكرية أكثر كلفة وأقل قدرة على فرض الوقائع.
هذه التجربة العراقية تطرح سؤالاً مشروعاً في لبنان، في ظل الحديث عن تفاهمات أمنية وسياسية جديدة برعاية أمريكية، وبالتوازي مع المسار التفاوضي المباشر بين لبنان وإسرائيل. فإذا كانت بعض شبكات المصالح في العراق قد ارتبطت بنفوذ الفصائل المسلحة، فهل يمكن أن يشهد لبنان محاولة مشابهة لحشد منظومة مصالح سياسية ومالية لمواجهة أي اتفاق يغيّر موازين القوى التي ترسخت خلال العقود الماضية؟
ليس سراً أن أي مشروع لإعادة بناء الدولة اللبنانية يمر حكماً عبر إصلاحات مالية وقضائية وإدارية. وهذه الإصلاحات لا تهدد الفساد بحد ذاته فحسب، بل تمس أيضاً منظومات النفوذ التي استفادت من ضعف الدولة ومن اقتصاد المحاصصة، سواء كانت قوى حزبية أو مجموعات مالية أو شبكات مصالح داخل مؤسسات الدولة.
من هنا، قد يكون من الطبيعي أن تتلاقى مصالح أطراف مختلفة، بعضها يرفض الاتفاق لأسباب سياسية أو أيديولوجية، وبعضها الآخر يخشى أن يؤدي نجاحه إلى إطلاق إصلاحات تكشف ملفات الهدر والفساد وتعيد الاعتبار إلى سلطة الدولة ومؤسساتها. وفي مثل هذه الحالات، قد يصبح الدفاع عن “المقاومة” أو عن “السيادة” أو عن شعارات أخرى غطاءً سياسياً لمصالح اقتصادية وإدارية أوسع، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن جميع المعارضين ينطلقون من الدوافع نفسها.
لقد أثبتت تجارب المنطقة أن النفوذ لا يُمارس بالسلاح وحده، بل أيضاً عبر السيطرة على الاقتصاد، والمصارف، والمرافئ، والإدارات العامة، وشبكات التهريب، والتمويل. وعندما تتعرض إحدى هذه الأدوات للاهتزاز، تتكاتف المصالح السياسية والمالية للدفاع عنها، لأن سقوطها يهدد بنية النفوذ بأكملها.
وإذا كان العراق يشهد اليوم محاولات لتفكيك بعض شبكات الفساد المتهمة بالارتباط بأذرع إيران، فإن السؤال الذي يفرض نفسه في لبنان هو ما إذا كانت القوى التي تعمل على تعطيل أي مسار تفاوضي أو إصلاحي تمثل مجرد معارضة سياسية طبيعية، أم أنها تعبر أيضاً عن تحالف مصالح بين منظومة الفساد ومنظومة السلاح غير الخاضع للدولة.
قد لا تكون الإجابة اليوم حاسمة، لكن المؤكد أن نجاح أي اتفاق لبناني يفضي إلى تثبيت سيادة الدولة وحصر قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الشرعية، لن يقتصر أثره على الملف الأمني، بل سيمتد إلى إعادة رسم الخريطة الاقتصادية والإدارية. وعندها ستجد شبكات الفساد نفسها أمام تحدٍ وجودي، لأنها ستخسر البيئة التي سمحت لها بالازدهار لعقود.
لذلك، قد يكون الصراع الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس بين مؤيد للاتفاق ومعارض له فحسب، بل بين مشروع دولة تقوم على المؤسسات والشفافية والمساءلة، ومشروع آخر يرى في استمرار ضعف الدولة الضمانة الأساسية لاستمرار منظومات النفوذ السياسي والمالي، مهما اختلفت الشعارات التي تُرفع لتبرير ذلك.
المنظومة تبدو تائهة في لبنان، لا بل في حالة ضَياع، وكأنّ اتفاق الإطار أصابها بمقتل، وهنا استوقفني المشهد السورّيالي لضياع المنظومة حين حمل رئيس مجلس النواب نبيه بري، “الأخ الأكبر”، صورة “مجدل زون” المدمرة بعد تفجير نفق حزب الله، يستعرضها مع زوّاره، مُهاجماً إسرائيل، ومستنكراً الدمار والقتل (بالطبع لا نستطيع إلا أن نستنكر قتل الأبرياء، والدمار العشوائي الذي تحدثه إسرائيل للبيوت والقرى، وتصرفات جيشها الذي سرق المنازل، وحتى أشجار الزيتون المعمرة من بساتينها)، ولكنّ استنكاره يستهدف النتيجة، دون اعتراض، أو تركيز على المُسبّب والسبب، فبدا كمن يندب الجنوب-الضحيّة، وهو عارفٌ أن الاستنكار لن يغفر له، وللمنظومة، تغطية أخطر مشروع نفوذ فارسي مسلح، من أجل النفوذ، فما يُكشف تحت الأرض، وفوقها، أثبت، وبالبرهان القاطع، بأنّ هذه المنظومة كانت تعلم، ولا بُدّ لإعصار العراق، مع تهاوي النفوذ الإيراني، من أن يصل عصفهُ إلى لبنان، فلعلّ الترياق يأتي هذه المرّة من العراق!
