
زياد الصَّائغ
٢ تموز ٢٠٢٦
لبنان والاتِّجاهاتُ المتوازية!
حينَ تدخلُ الأوطانُ لحظاتِها التَّاريخيَّةَ الفاصلةَ، لا يعودُ الخطأُ في تشخيصِ الأولويّاتِ مجرَّدَ اجتهادٍ سياسيٍّ قابلٍ للأخذِ والرَّدّ، بل يتحوَّلُ إلى خطيئةٍ في صناعةِ المستقبل. لبنانُ اليومَ يقفُ أمامَ فرصةٍ نادرةٍ لم تتكرَّرْ منذُ عقودٍ، لأنَّ عناصرَ الانتقالِ من الدَّولةِ المأزومةِ إلى الدَّولةِ المستقرَّةِ أصبحتْ متوافرةً أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى. غيرَ أنَّ الخطرَ الأكبرَ لا يكمنُ في غيابِ الحلولِ، بل في الذِّهنيَّةِ التي تتعاملُ مع تلكَ الحلولِ باعتبارِها مساراتٍ منفصلةً يمكنُ تأجيلُ بعضها، أو تجزئةُ بعضها الآخر، أو إخضاعُها لموازينِ القوى والمصالحِ الظرفيَّة. إنَّ الاعتقادَ بإمكانِ تطبيقِ الدُّستورِ اليومَ وتأجيلِ الإصلاحاتِ إلى الغد، أو تنفيذِ الإصلاحاتِ مع إبقاءِ لبنانَ أسيرَ الحروبِ المفتوحةِ، أو الحديثِ عن السَّلامِ فيما الدَّولةُ لا تزالُ فاقدةً احتكارَها الكاملَ للسِّيادةِ والقوَّةِ، ليسَ رؤيةً سياسيَّةً، بل هو وصفةٌ جديدةٌ لإدامةِ الانهيار. اللَّحظةُ التَّاريخيَّةُ لا تُدارُ بمنطقِ الاتِّجاهاتِ المتوازيةِ المنفصلةِ، بل بمنطقِ السَّلَّةِ الوطنيَّةِ المتكاملةِ.
لقد أثبتتِ التَّجربةُ اللُّبنانيَّةُ منذُ الاستقلالِ أنَّ كلَّ محاولةٍ لمعالجةِ أزمةٍ بمعزلٍ عن بقيَّةِ الأزماتِ كانتْ تنتهي إلى إنتاجِ أزمةٍ أكبر. الاتِّفاقاتُ الأمنيَّةُ من دونَ إصلاحٍ سياسيٍّ سقطت. والإصلاحاتُ الاقتصاديَّةُ من دونَ إصلاحٍ مؤسَّساتيٍّ تعطَّلت. والتَّسوياتُ السِّياسيَّةُ من دونَ تثبيتِ مفهومِ الدَّولةِ تحوَّلتْ إلى هدنٍ مؤقَّتةٍ بانتظارِ انفجارٍ جديد. ذلكَ لأنَّ الأزمةَ اللُّبنانيَّةَ ليستْ مجموعةَ أزماتٍ منفصلةٍ، بل أزمةُ نموذجِ حكمٍ ودولةٍ ووظيفةٍ وطنيَّةٍ في آنٍ واحد. من هنا، فإنَّ التَّعاملَ مع تطبيقِ الدُّستورِ سياديًّا باعتبارِه ملفًّا، والإصلاحِ باعتبارِه ملفًّا آخر، والسَّلامِ باعتبارِه ملفًّا ثالثًا، يُناقضُ جوهرَ بناءِ الدَّولةِ الحديثة.
تطبيقُ الدُّستورِ سياديًّا ليسَ شأنًا قانونيًّا فحسب، بل هو الإطارُ النَّاظمُ لكلِّ الإصلاحاتِ. الإصلاحاتُ ليستْ مجرَّدَ شروطٍ للحصولِ على مساعداتٍ خارجيَّةٍ، بل هي الأدواتُ التنفيذيَّةُ الَّتي تُعيدُ بناءَ المؤسَّساتِ على قاعدةِ الكفاءةِ والمساءلةِ. أمَّا السَّلامُ الدَّائمُ فليسَ شعارًا دبلوماسيًّا، بل هو البيئةُ الَّتي تجعلُ الدُّستورَ قابلًا للحياةِ، والإصلاحَ قابلًا للاستدامةِ، والاستثمارَ قابلًا للنُّموِّ، والدِّيموقراطيَّةَ قابلةً للاستمرار. لهذا، لا يجوزُ تقديمُ أيِّ مسارٍ على آخر، ولا تأخيرُ أيِّ مسارٍ بذريعةِ أسبقيَّةِ غيرِه.إنَّ تطبيقَ الدُّستورِ يبدأُ باستعادةِ احتكارِ الدَّولةِ للسِّلاحِ والقرارِ الأمنيِّ والعسكريِّ، لأنَّ أيَّ دستورٍ في العالمِ يفقدُ معناهُ عندما تتعدَّدُ مصادرُ القوَّةِ والسِّيادةِ. لا يمكنُ الحديثُ عن مواطنةٍ متساويةٍ فيما المواطنونَ يعيشونَ تحتَ موازينِ قوى مختلفةٍ، ولا عن مؤسَّساتٍ دستوريَّةٍ فيما القرارُ الوطنيُّ موزَّعٌ بينَ الدَّولةِ وغيرِ الدَّولةِ.
في الوقتِ نفسِه، إنَّ استعادةَ السِّيادةِ لا تكفي وحدَها إذا بقيتِ الإدارةُ العامَّةُ غارقةً في الزَّبائنيَّةِ، والقضاءُ فاقدًا لاستقلاليَّتِه، والاقتصادُ أسيرَ الاحتكاراتِ، والقطاعُ الماليُّ عاجزًا عن استعادةِ الثِّقةِ، والخدماتُ العامَّةُ عاجزةً عن القيامِ بوظيفتِها. الدَّولةُ ليستْ فقط سيادةً، بل سيادةٌ فعَّالةٌ تُترجَمُ مؤسَّساتٍ منتجةً وعدالةً ناجزةً وإدارةً حديثةً واقتصادًا تنافسيًّا. هنا تحديدًا تتجلَّى أهمِّيَّةُ الإصلاحاتِ البنيويَّةِ والقطاعيَّةِ بوصفِها جزءًا لا يتجزَّأُ من مشروعِ بناءِ الدَّولةِ، لا برنامجًا ماليًّا منفصلًا عنه. لكنَّ الإصلاحَ والدُّستورَ معًا سيبقيانِ هشَّينِ إذا ظلَّ لبنانُ داخلَ دائرةِ الحروبِ المفتوحةِ والصِّراعاتِ الإقليميَّةِ. لا اقتصادَ ينمو في ظلِّ الخوفِ الدَّائمِ، ولا مؤسَّساتٍ تستقرُّ في بيئةِ التَّهديدِ المستمرِّ، ولا استثماراتٍ تأتي إلى بلدٍ يعيشُ هدنةً مؤقَّتةً بدلَ السَّلامِ.
من هنا، يصبحُ الانتقالُ إلى السَّلامِ الدَّائمِ والحياد الإيجابي خيارًا سياديًّا ودستوريًّا واقتصاديًّا في آنٍ واحد. ليسَ المقصودُ سلامًا يُنتجُ تنازلاتٍ عن الحقوقِ، ولا سلامًا يقومُ على ميزانِ القوَّةِ، بل سلامًا يستندُ إلى القانونِ الدَّوليِّ، واحترامِ السِّيادةِ، وإنهاءِ كلِّ أشكالِ الاحتلالِ والوصاياتِ، وترسيخِ دورِ الدَّولةِ وحدَها في إدارةِ الأمنِ الوطنيِّ والعلاقاتِ الخارجيَّةِ.عندئذٍ فقط، ينتقلُ لبنانُ من منطقِ إدارةِ الأزماتِ إلى منطقِ صناعةِ المستقبل.
في قلبِ هذهِ السَّلَّةِ المتكاملةِ تبرزُ منظومةُ القيمِ الَّتي تميِّزُ لبنانَ عن محيطِه، والتي لا يجوزُ التعاملُ معها بوصفِها ترفًا فكريًّا أو ثقافيًّا. الحرِّيَّةُ ليستْ تفصيلًا، بل هي أساسُ الإبداعِ والمبادرةِ والمساءلةِ. والتَّعدُّديَّةُ ليستْ مشكلةً ينبغي احتواؤها، بل مصدرُ الغنى الوطنيِّ إذا أُحسنَ تنظيمُها داخلَ دولةِ المواطنةِ. والدِّيموقراطيَّةُ ليستْ مجرَّدَ انتخاباتٍ دوريَّةٍ، بل منظومةُ مؤسَّساتٍ تضمنُ تداولَ السُّلطةِ، واستقلالَ القضاءِ، ومحاسبةَ الحاكمِ، وحمايةَ الحقوقِ. أمَّا اللِّيبراليَّةُ، بمعناها السِّياسيِّ والدُّستوريِّ، فهي الإطارُ الَّذي يحمي الفردَ من تغوُّلِ السُّلطةِ، ويحفظُ التَّنوُّعَ، ويُطلقُ الاقتصادَ الحرَّ ضمنَ قواعدِ العدالةِ والمنافسةِ والشَّفافيَّةِ. إنَّ هذهِ القيمَ ليستْ مستوردةً على لبنان، بل هي جزءٌ أصيلٌ من هويَّتِه ورسالتِه ودورِه الحضاريِّ، ولذلكَ فإنَّ إنقاذَها يوازي إنقاذَ الكيانِ نفسِه. الخطأَ القاتلَ الَّذي يتكرَّرُ اليومَ يتمثَّلُ في محاولاتِ اختزالِ مشروعِ الإنقاذِ بعنوانٍ واحدٍ. من يرى الحلَّ في الإصلاحِ الماليِّ فقط يُخطئ. ومن يحصرُ الحلَّ بالسِّيادةِ فقط يُخطئ. ومن يعتقدُ أنَّ السَّلامَ مع الحياد الإيجابي وحدَه يكفي يُخطئ. ومن يظنُّ أنَّ الانتخاباتِ وحدَها تُنقذُ البلادَ يُخطئ كذلك. الإنقاذُ الحقيقيُّ لا يُبنى بالتَّجزئةِ، بل بالتَّكاملِ. هذا ما يفرضُ على السُّلطةِ السِّياسيَّةِ الانتقالَ من إدارةِ الملفّاتِ إلى إدارةِ المشروعِ الوطنيِّ الواحد، بحيثُ تصبحُ القراراتُ الدُّستوريَّةُ، والإصلاحاتُ المؤسَّساتيَّةُ، والسِّياساتُ الاقتصاديَّةُ، والإستراتيجيَّةُ الأمنيَّةُ، والدِّبلوماسيَّةُ الوطنيَّةُ، حلقاتٍ متكاملةً ضمنَ رؤيةٍ واحدةٍ لا مشاريعَ متنافسةً. كما يفرضُ على القوى السِّياسيَّةِ والمجتمعِ المدنيِّ والقطاعِ الخاصِّ والجامعاتِ والانتشارِ اللُّبنانيِّ أن يتحرَّروا من ثقافةِ الأولويّاتِ المتنازعةِ، وأن يؤسِّسوا لثقافةِ الأولويَّةِ الجامعةِ، حيثُ يصبحُ نجاحُ أيِّ مسارٍ مشروطًا بنجاحِ بقيَّةِ المساراتِ.
لا يحتاجُ لبنان إلى مزيدٍ من الخطاباتِ الَّتي تُعيدُ إنتاجَ الانقساماتِ القديمةِ، بل إلى إرادةٍ سياسيَّةٍ تمتلكُ شجاعةَ الاعترافِ بأنَّ اللَّحظةَ التَّاريخيَّةَ الحاليَّةَ لن تتكرَّرَ بسهولةٍ. الدَّعمُ العربيُّ والدَّوليُّ، والفرصةُ الدِّبلوماسيَّةُ، والإمكاناتُ الاقتصاديَّةُ الكامنةُ، وحيويَّةُ الانتشارِ، ورغبةُ اللُّبنانيِّينَ في الخروجِ من زمنِ الانهيارِ، عناصرُ قد لا تجتمعُ مرَّةً أخرى إذا أُهدرتْ هذهِ الفرصةُ. لذلكَ، فإنَّ المسؤوليَّةَ الوطنيَّةَ اليومَ ليستْ في المفاضلةِ بينَ الدُّستورِ والإصلاحِ والسَّلامِ، بل في جمعِها داخلَ مشروعٍ واحدٍ يُنفَّذُ بالتَّوازيِ والتَّكاملِ، لأنَّ كلَّ واحدٍ منها يمنحُ الآخرَ أسبابَ الحياةِ والاستمرارِ. ولا يحتاجُ أيضًا إلى اتِّجاهاتٍ متوازيةٍ تسيرُ منفصلةً، بل إلى اتِّجاهٍ وطنيٍّ واحدٍ تتكاملُ فيهِ السِّيادةُ مع الدُّستورِ، والدُّستورُ مع الإصلاحِ، والإصلاحُ مع السَّلامِ، والسَّلامُ مع الحرِّيَّةِ، والحرِّيَّةُ مع التَّعدُّديَّةِ، والتَّعدُّديَّةُ مع الدِّيموقراطيَّةِ، والدِّيموقراطيَّةُ مع اللِّيبراليَّةِ، ضمنَ دولةٍ واحدةٍ تحتكرُ السُّلطةَ والسِّلاحَ والقرارَ وتصونُ كرامةَ الإنسانِ. تلكَ ليستْ رؤيةً مثاليَّةً، بل شرطُ البقاء. هي ليستْ مشروعَ حكومةٍ أو عهدٍ، بل مشروعُ وطنٍ بأكملِه. أمَّا الاستمرارُ في تجزئةِ الاتِّجاهاتِ، وتأجيلِ الاستحقاقاتِ، وتقديمِ أنصافِ الحلولِ، فلن يكونَ سوى طريقٍ آخرَ نحوَ إضاعةِ الفرصةِ التَّاريخيَّةِ الَّتي قد تُنقذُ، للمرَّةِ الأخيرةِ، لبنانَ الفكرةَ ولبنانَ الكيانَ.
