
زياد الصَّائغ
١٦ تموز ٢٠٢٦
من التَّرقيع إلى السِّياسات العامَّة!
زياد الصَّائغ
ليست أزماتُ لبنان منفصلةً بعضُها عن بعض، ولا هي مجرّدُ مجموعةٍ من الاختلالات القطاعيّة التي يمكن احتواؤها بإجراءاتٍ متفرّقة أو بتسوياتٍ ظرفيّة. ما يبدو في الظاهر أزمةً ماليّة، أو خللاً إداريًّا، أو انهيارًا خدماتيًّا، أو اهتزازًا أمنيًّا، إنّما هو في العمق تعبيرٌ عن غياب السِّياسات العامّة بوصفها الإطار الجامع الذي يربط بين الرؤية والقرار والتنفيذ والمساءلة. من هنا، لا يعود السؤال كيف نُصلح قطاعًا بعينه؟ بل كيف نُعيد إنتاج الدَّولة على قاعدة سياسةٍ عامّةٍ متكاملة تستعيد وظيفتها الطبيعيّة في خدمة الإنسان وحماية الكيان وصون المؤسّسات؟
لقد اعتاد لبنان، منذ عقود، إدارة أزماته بمنطق التَّرقيع. كلّما انفجرت أزمة، جرى البحث عن معالجةٍ موضعيّة تُخفّف آثارها الآنيّة من دون الاقتراب من أسبابها البنيويّة. هكذا، تراكمت الحلول الجزئيّة، فيما تآكلت الدَّولة نفسها. ما بدا أحيانًا نجاحًا مرحليًّا لم يكن سوى تأجيلٍ لأزمةٍ أكبر، لأنّ المعالجة لم تكن جزءًا من رؤيةٍ شاملة، بل استجابةً لضغطٍ سياسيّ أو ماليّ أو أمنيّ أو خارجيّ. إنّ أخطر ما ينتجه منطق التَّرقيع ليس فشل الحلول فحسب، بل اعتياد المجتمع والمؤسّسات على غياب السِّياسة العامّة. حين تصبح الاستثناءات هي القاعدة، والتسويات المؤقّتة هي منهجيّة العمل، يفقد التخطيط معناه، وتتراجع المؤسّسات أمام شبكات النفوذ، ويصبح المواطن/ة رهينةً لمعادلة الخدمات بدل أن يكون صاحب حقٍّ تكفله دولة القانون.
السِّياسات العامّة ليست وثائق إداريّة ولا برامج حكوميّة ظرفيّة، بل هي العقد التنفيذيّ بين الدستور والدَّولة والمجتمع. إنّها الإطار الذي يُحدّد الأهداف الوطنيّة، ويُرتّب الأولويّات، ويُنسّق بين القطاعات، ويقيس النتائج، ويُخضع الجميع للمساءلة. لذلك، فإنّ الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل يبدأ من إعادة الاعتبار إلى مفهوم السِّياسة العامّة بوصفها أداة بناء الدَّولة، لا مجرّد وسيلة لإدارة السلطة. في هذا السياق، يصبح من الضّروريّ الانتقال من منطق المشاريع المتناثرة إلى المخطَّط التوجيهيّ الوطنيّ المتكامل. الدول التي نجحت في تجاوز أزماتها لم تبدأ من إصلاح وزارةٍ هنا أو قطاعٍ هناك، بل انطلقت من رؤيةٍ جامعة تُحدّد أيّ دولة تريد، وأيّ اقتصاد تسعى إليه، وأيّ مجتمع تطمح إلى بنائه، وأيّ دورٍ تريد أن تؤدّيه في محيطها والعالم. أمّا في لبنان، فلا تزال المقاربات تتعامل مع القضايا الوطنيّة وكأنّها جزرٌ منفصلة. الإصلاح الاقتصاديّ يُناقش بمعزلٍ عن الإصلاح المؤسّساتي، والإدارة العامّة بمعزلٍ عن القضاء، والسياسة الاجتماعيّة بمعزلٍ عن الأمن الوطنيّ، والسياسة الخارجيّة بمعزلٍ عن السيادة، فيما الحقيقة أنّ جميع هذه العناصر تتفاعل داخل منظومةٍ واحدة، وأيّ خللٍ في أحدها يُصيب بقيّة المكوّنات. لذلك، فإنّ أيّ مخطَّط توجيهيّ وطنيّ لا بدّ أن ينطلق أوّلًا من الإنسان. غاية الدَّولة ليست حماية المؤسّسات لذاتها، بل خدمة المواطنات والمواطنين. والسِّياسات العامّة الحقيقيّة تبدأ عندما تتحوّل حاجات الناس إلى أولويّاتٍ مؤسّساتيّة قابلةٍ للقياس والتنفيذ، لا إلى شعاراتٍ انتخابيّة أو وعودٍ موسميّة. التعليم، والصحّة، والحماية الاجتماعيّة، وفرص العمل، والنقل، والطاقة، والبيئة، ليست ملفاتٍ منفصلة، بل حلقاتٌ متكاملة في مفهوم الأمن الإنسانيّ الذي يشكّل المدخل الطبيعيّ للاستقرار الوطنيّ. غير أنّ الاستجابة لحاجات المواطنين/ات لا يمكن أن تستقيم في ظلّ دولةٍ تتوزّع فيها مراكز القرار، وتتعدّد فيها المرجعيّات التنفيذيّة، وتتداخل فيها السلطات الفعليّة. السياسة العامّة تحتاج إلى مرجعيّةٍ واحدة، وإلى احتكارٍ شرعيّ للقرار، وإلى وضوحٍ في المسؤوليّات. لذلك، فإنّ مسألة حصرية السّلاح ليست موضوعًا أمنيًّا فحسب، بل شرطٌ تأسيسيّ لأيّ سياسةٍ عامّة قابلةٍ للحياة.
لا يمكن الحديث عن خطّةٍ اقتصاديّة طويلة الأمد في ظلّ تعدّد مراكز القرار الأمنيّ. ولا يمكن جذب الاستثمار إذا كانت الدولة لا تحتكر استخدام القوّة. ولا يمكن ترسيخ الثقة بالقانون إذا بقي تطبيقه انتقائيًّا أو خاضعًا لموازين القوى. إنّ سيادة القانون تبدأ من سيادة الدَّولة على كامل أراضيها، ومن امتلاكها وحدها أدوات تنفيذ القانون. هنا، ينبغي مقاربة حصرية السّلاح بوصفها جزءًا من إعادة بناء الدولة، لا بوصفها مادّةً للسجال السياسيّ. فهي ليست استهدافًا لفئة، ولا انتصارًا لأخرى، بل انتقالٌ طبيعيّ من منطق التنظيمات إلى منطق المؤسّسات، ومن شرعيّات الأمر الواقع إلى الشرعيّة الدستوريّة. عندما تستعيد الدولة هذا الدور، يصبح ممكناً بناء سياساتٍ أمنيّة، واقتصاديّة، واجتماعيّة، وخارجيّة، تنطلق جميعها من مرجعيّةٍ واحدة.
من هنا أيضًا، تتكامل السّيادة مع الإصلاح، ولا تتقدّم إحداهما على الأخرى. الفساد يُضعف السيادة، كما أنّ غياب السيادة يُنتج بيئةً خصبةً للفساد. والمؤسّسات الهشّة تصبح أكثر قابليةً للاختراق، فيما الاقتصاد المنهار يُضعف القرار الوطنيّ. لذلك، فإنّ الفصل بين الإصلاح والسيادة ليس سوى امتدادٍ للمنهج التجزيئيّ الذي أوصل لبنان إلى ما هو عليه. إنّ السِّياسات العامّة لا تعرف هذا الفصل. هي تتعامل مع الدولة باعتبارها منظومةً واحدة، يكون فيها الإصلاح الماليّ داعمًا للإصلاح الإداريّ، ويكون القضاء المستقلّ ضمانةً للاستثمار، ويكون الأمن الوطنيّ شرطًا للنموّ، وتكون الدبلوماسيّة امتدادًا للرؤية الوطنيّة، لا بديلًا عنها. في هذا الإطار، يبرز مفهوم الحياد الإيجابيّ باعتباره سياسةً عامّة، لا شعارًا سياسيًّا. الحياد ليس انسحابًا من القضايا العربيّة أو الدوليّة، ولا تخلّيًا عن التضامن الإنسانيّ، بل إعادة تعريفٍ لدور لبنان انطلاقًا من مصالحه الوطنيّة العليا. إنّه انتقالٌ من منطق المحاور إلى منطق الشراكات، ومن ساحات الصراع إلى مساحات الوساطة، ومن الاستثمار في الأزمات إلى الاستثمار في الاستقرار.
لذلك، فإنّ الحياد الإيجابيّ لا يبدأ من البيانات الدبلوماسيّة، بل من بناء دولةٍ قادرةٍ على اتخاذ قرارها بحرّيّة، ومن اقتصادٍ منتجٍ يقلّل الارتهان، ومن مؤسّساتٍ مستقلّةٍ تُعزّز الثقة الداخليّة والخارجيّة، ومن مجتمعٍ متماسكٍ لا تتحكّم به الانقسامات الهويّاتيّة. إنّ التحوّلات الجيوسياسيّة التي تشهدها المنطقة تفرض على لبنان مراجعةً عميقةً لدوره. العالم يتحرّك وفق استراتيجيّاتٍ بعيدة المدى، فيما لا يزال لبنان يُدير نفسه بمنطق ردود الفعل. الدول التي تُعيد تموضعها اليوم تفعل ذلك انطلاقًا من رؤى وطنيّة واضحة، بينما يبقى لبنان أسير المقاربات الآنيّة التي تتغيّر بتغيّر موازين القوى الداخليّة أو الإقليميّة.
إنّ الحكومةٍ جديَّة كما هي الحال اليوم، لكن ما نحتاجُه هو اعتماد منهجيّة السِّياسات العامّة في إدارة الشأن الوطنيّ. هذه المنهجيّة تقوم على تحديد المشكلة الحقيقيّة، وتحليل أسبابها، وبناء البدائل، واختيار الخيار الأفضل، ووضع مؤشّرات الأداء، وتأمين التمويل، وقياس النتائج، وإجراء المراجعة المستمرّة. فالدولة التي لا تتعلّم من سياساتها تبقى أسيرة إعادة إنتاج أخطائها. لعلّ أبرز ما يحتاجه لبنان اليوم هو إنشاء ثقافةٍ وطنيّة للتخطيط. فالمجتمعات لا تنهض بالارتجال، ولا تُدار بالأمنيات، ولا تُبنى بالتوازنات الظرفيّة. إنّها تحتاج إلى مؤسّساتٍ تمتلك القدرة على الاستشراف، وعلى جمع البيانات، وتحليل المؤشّرات، وصناعة القرار على أساس الأدلة، لا على أساس الانفعالات أو الاصطفافات. كما أنّ بناء السِّياسات العامّة يقتضي إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالمواطن/ة ليس متلقّيًا سلبيًّا للخدمات، بل شريكٌ في صناعة السِّياسة العامّة عبر المشاركة، والمساءلة، والرقابة، والتقييم. وكلّما ازدادت الشفافيّة، ارتفعت الثقة، وكلّما ارتفعت الثقة، تعزّزت شرعيّة المؤسّسات، وتراجعت الحاجة إلى الوساطات والزبائنيّة. لا يقلّ أهمّيّةً عن ذلك إعادة الاعتبار إلى الإدارة العامّة بوصفها الجهاز التنفيذيّ للسِّياسات، لا مساحةً للمحاصصة. فالكفاءة، والجدارة، والتخصّص، والتدريب المستمرّ، والتحوّل الرقميّ، ليست تفاصيل إداريّة، بل شروطٌ لنجاح أيّ سياسةٍ عامّة مهما كانت جودتها النظريّة.
إنّ لبنان لا يفتقر إلى الطاقات، ولا إلى الخبرات، ولا إلى الإمكانات البشريّة. ما يفتقده هو الإطار الذي يجمع هذه الطاقات داخل مشروعٍ وطنيّ متكامل.ولذلك، فإنّ التحدّي الحقيقيّ ليس إنتاج أفكارٍ جديدة، بل بناء منظومةٍ قادرة على تحويل الأفكار إلى سياسات، والسياسات إلى برامج، والبرامج إلى نتائج قابلةٍ للقياس. لقد أثبتت التجارب أنّ الدول لا تنهض بالشعارات، كما لا تنهار بسبب أزمةٍ واحدة. إنّها تنهض عندما تتوافر إرادةٌ سياسيّة تُترجم نفسها في سياساتٍ عامّة متكاملة، وتنهار عندما تستبدل الرؤية بالتسوية، والتخطيط بردّ الفعل، والمؤسّسات بالأشخاص.
إنّ الإنتقال من التَّرقيع إلى السِّياسات العامّة ليس خيارًا تقنيًّا، بل خيارٌ وطنيّ وجوديّ. إنّه انتقالٌ من إدارة الانهيار إلى صناعة النهوض، ومن الاستجابة للوقائع إلى التأثير فيها، ومن انتظار المبادرات الخارجيّة إلى إنتاج المبادرة الوطنيّة. عندما يمتلك لبنان مخطَّطًا توجيهيًّا سياديًّا إصلاحيًّا متكاملًا، يبدأ بالإنسان، ويُرسّخ دولة القانون، ويُكرّس حصرية السّلاح، ويُعيد بناء المؤسّسات، ويُطلق الإصلاح الاقتصاديّ والاجتماعيّ، ويُثبّت الحياد الإيجابيّ بوصفه سياسةً وطنيّة، يصبح الحديث عن التعافي أكثر من احتمال، ويغدو الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء المستقبل مسارًا واقعيًّا لا أمنيّةً مؤجّلة. لبنان لا يحتاج إلى مزيدٍ من التَّرقيع، لأنّ ما تهدّم لم يعد يحتمل إصلاحاتٍ تجميليّة. إنّه يحتاج إلى دولةٍ تُفكّر بمنطق السِّياسات العامّة، وتعمل وفق مخطَّطٍ توجيهيّ وطنيّ، وتُعيد الاعتبار للدستور والمؤسّسات والمواطنة. عندها فقط، لا يعود الإصلاح حدثًا استثنائيًّا، بل يصبح ثقافةَ حكم، ولا تعود السّيادة شعارًا، بل تتحوّل إلى ممارسةٍ يوميّة، ولا يبقى الاستقرار هدنةً مؤقّتة، بل يصير نتيجةً طبيعيّةً لدولةٍ تعرف ماذا تريد، وكيف تصل إليه.
