
زياد الصَّائغ
٦ آب ٢٠٢٦
حولَ مصائِر الدَّوْلَةِ المُكْتَمِلَةِ!
ليستِ الأوطانُ الَّتي تُواجِهُ المنعطفاتِ التَّاريخيَّةَ أمامَ خيارِ النَّجاحِ أو الفشلِ فقط، بل أمامَ خيارِ إعادةِ تعريفِ ذاتِها. يقفُ لبنانُ اليومَ أمامَ هذا الامتحانِ الوجوديِّ، لا بوصفِه أزمةً سياسيَّةً عابرة، ولا مأزقًا اقتصاديًّا محدودًا، وإنَّما بوصفِه اختبارًا مصيريًّا يُحدِّدُ ما إذا كان سيبقى دولةً قادرةً على إنتاجِ الشَّرعيَّةِ والسَّلامِ والازدهار، أو سيستمرُّ في الدَّورانِ داخلَ حلقةِ الهشاشةِ البنيويَّة. هذا الاختبارُ لا يتمثَّلُ في استحقاقٍ انتخابيٍّ، ولا في تشكيلِ حكومةٍ، ولا في تسويةٍ داخليَّةٍ أو خارجيَّةٍ، بل في مسألتين لا تحتملانِ المساومةَ أو التَّجزئةَ. إستعادةُ السِّيادةِ الكاملة، وإنجازُ الإصلاحاتِ البنيويَّة. هاتانِ المسألتانِ ليستا ملفَّينِ مستقلَّين، بل وجهانِ لمشروعِ بناءِ الدَّولة. السِّيادةُ بلا إصلاحٍ تتحوَّلُ إلى إعلانِ نوايا، والإصلاحُ بلا سيادةٍ يصبحُ مجرَّدَ تحسينٍ إداريٍّ داخلَ دولةٍ منقوصةِ القرار.
إنَّ الإشكاليَّةَ الأساسيَّةَ الَّتي حكمتِ الحياةَ العامَّةَ في لبنانَ خلالَ العقودِ الماضيةِ تمثَّلت في إدارةِ الأزماتِ بدلًا من معالجتِها. كلُّ تسويةٍ كانت تؤجِّلُ الانفجارَ المقبل، وكلُّ إصلاحٍ جزئيٍّ كان يُرمِّمُ العوارضَ ويتركُ الأسبابَ البنيويَّةَ على حالِها. هكذا تراكمتِ الأعطابُ المؤسَّسيَّةُ، وتراجعتِ الثِّقةُ العامَّةُ، وضعفتِ القدرةُ التنفيذيَّةُ للدَّولة، إلى أن أصبحَ المواطنُ/ةيشعرُ بأنَّ المؤسَّساتِ لم تَعُد المرجعيَّةَ الأولى لحمايةِ حقوقِه أو تنظيمِ حياتِه. إنَّ أيَّ مقاربةٍ حديثةٍ في السِّياساتِ العامَّةِ تنطلقُ من تحديدِ المشكلةِ الحقيقيَّةِ قبلَ اقتراحِ الحلول. المشكلةُ في لبنانَ ليست غيابَ المبادرات، ولا نقصَ الدَّعمِ الدُّوليِّ، ولا افتقارَ البلادِ إلى المواردِ البشريَّة. بل إنَّها تكمنُ في استمرارِ التَّباعدِ بين مفهومِ الدَّولةِ كما نصَّ عليه الدُّستور، وممارساتِ السُّلطةِ كما استقرَّت عبرَ عقودٍ من التَّسوياتِ والمحاصصاتِ والاستثناءات. من هنا، فإنَّ إعادةَ بناءِ الدَّولةِ تبدأُ بإعادةِ الاعتبارِ إلى الدُّستورِ باعتبارِه المرجعيَّةَ النَّهائيَّةَ لإنتاجِ الشَّرعيَّةِ وتنظيمِ السُّلطاتِ وضمانِ الحقوقِ.
لا يمكنُ فصلُ مفهومِ السِّيادةِ عن مفهومِ القدرةِ المؤسَّسيَّة. السِّيادةُ في علمِ الدَّولةِ لا تُقاسُ فقط بسلامةِ الحدودِ، وإنَّما بقدرةِ المؤسَّساتِ على احتكارِ استخدامِ القوَّةِ الشَّرعيَّة، وتطبيقِ القانونِ بالتَّساوي، وإدارةِ المالِ العامِّ بكفاءةٍ، وصنعِ القرارِ الوطنيِّ بعيدًا عن أيِّ ازدواجيَّةٍ أو تبعيَّةٍ. لذلك، فإنَّ استعادةَ السِّيادةِ ليست مشروعًا أمنيًّا فحسب، بل مشروعُ حوكمةٍ متكامل.
لقد أثبتتِ التَّجاربُ الدَّوليَّةُ أنَّ الدُّولَ الَّتي استعادت سيادتَها فعلت ذلك عبرَ إصلاحِ مؤسَّساتِها قبلَ أيِّ شيءٍ آخر. المؤسَّسةُ القضائيَّةُ المستقلَّةُ، والإدارةُ الكفوءةُ، والمؤسَّسةُ العسكريَّةُ المهنيَّةُ، والإدارةُ الماليَّةُ الرَّشيدةُ، ليست قطاعاتٍ منفصلةً، بل منظومةٌ واحدةٌ تُنتجُ ثقةَ المواطنِ/ة وثقةَ المجتمعِ الدُّوليِّ معًا. إنَّ الإصلاحاتِ البنيويَّةَ لا ينبغي أن تُفهمَ باعتبارِها استجابةً لشروطِ المؤسَّساتِ الماليَّةِ الدُّوليَّةِ، بل باعتبارِها ضرورةً وطنيَّةً لإعادةِ تأسيسِ العقدِ بين الدَّولةِ والمواطن/ة. الغايةُ ليست إرضاءَ المانحين، وإنَّما استعادةُ قدرةِ الدَّولةِ على أداءِ وظائفِها الأساسيَّةِ بكفاءةٍ وعدالةٍ واستدامة. تقتضي هذه المقاربةُ الانتقالَ من منطقِ الإصلاحِ القطاعيِّ إلى الإصلاحِ المنظوميِّ. لا يكفي إصلاحُ القضاءِ إذا بقيتِ الإدارةُ رهينةَ الزَّبائنيَّة، ولا يكفي تحديثُ الإدارةِ إذا استمرَّ الاقتصادُ قائمًا على الرِّيع، ولا يكفي ضبطُ الماليَّةِ العامَّةِ إذا بقيتِ الحوكمةُ غائبةً عن صناعةِ القرار. إنَّ الإصلاحَ البنيويَّ يعني إعادةَ بناءِ التَّرابطِ بين المؤسَّساتِ ضمنَ رؤيةٍ وطنيَّةٍ واحدة.في هذا السِّياق، يمكنُ تحديدُ خمسِ أولويَّاتٍ سياساتيَّةٍ تُشكِّلُ قاعدةَ الانطلاقِ نحوَ الدَّولةِ المكتملة.
الأولويَّةُ الأولى هي تكريسُ الاحتكارِ الكاملِ للدَّولةِ لقرارِ الأمنِ القوميِّ والسِّلمِ والحرب، بما ينسجمُ مع الدُّستورِ والشَّرعيَّةِ الدُّوليَّةِ، ويُعيدُ بناءَ الثِّقةِ بين المواطنِ/ة ومؤسَّساتِه. والأولويَّةُ الثَّانيةُ تتمثَّلُ في استقلاليَّةِ القضاءِ بوصفِها حجرَ الزَّاويةِ لأيِّ إصلاحٍ آخر. القضاءُ ليس قطاعًا من القطاعات، بل هو الضَّامنُ لسيادةِ القانون، والحارسُ للنِّظامِ الدُّستوريِّ، والمرجعيَّةُ الَّتي تحمي الاستثمارَ والحقوقَ والحرِّيَّات. أمَّا الأولويَّةُ الثَّالثةُ فهي تحديثُ الإدارةِ العامَّةِ عبرَ الانتقالِ من إدارةِ الإجراءاتِ إلى إدارةِ النَّتائج، ومن ثقافةِ الوظيفةِ إلى ثقافةِ الخدمةِ العامَّةِ، ومن الورقِ إلى الحوكمةِ الرَّقميَّةِ، بما يُقلِّصُ الفسادَ ويزيدُ الإنتاجيَّةَ ويُعيدُ ثقةَ المواطن/ة. وتتمثَّلُ الأولويَّةُ الرَّابعةُ في إعادةِ هيكلةِ الاقتصادِ الوطنيِّ على أساسِ الإنتاجِ والمعرفةِ والابتكار، بدلًا من الاقتصادِ الرِّيعيِّ الَّذي أثبتَ عجزَه عن خلقِ فرصِ العملِ أو حمايةِ الاستقرارِ الماليِّ. لبنانُ يمتلكُ رأسمالًا بشريًّا استثنائيًّا، لكنَّه يحتاجُ إلى سياساتٍ تستثمرُ فيه بدلًا من دفعِه إلى الهجرة. أمَّا الأولويَّةُ الخامسةُ فتقومُ على إعادةِ الاعتبارِ للمواطنةِ باعتبارِها الإطارَ الجامعَ للتَّنوُّع، لا عبرَ إلغاءِ الخصوصيَّات، بل عبرَ تنظيمِها تحتَ سقفِ الدُّستورِ. فكلُّ تنوُّعٍ لا تحتضنُه المواطنةُ يتحوَّلُ إلى مصدرِ انقسام، وكلُّ مواطنةٍ لا تعترفُ بالتَّعدُّديَّةِ تتحوَّلُ إلى مشروعِ إقصاء.
غيرَ أنَّ نجاحَ هذه الأولويَّاتِ يبقى مرتبطًا بإطارٍ سياسيٍّ أشمل، هو الحيادُ الإيجابيُّ. فهذا الخيارُ لا يُختزلُ بشعارٍ دبلوماسيٍّ، وإنَّما يُمثِّلُ سياسةً عامَّةً للأمنِ القوميِّ، تُعيدُ تعريفَ موقعِ لبنانَ في محيطِه الإقليميِّ والدُّوليِّ. الحيادُ الإيجابيُّ هو النَّتيجةُ المنطقيَّةُ لاكتمالِ السِّيادة، لأنَّه يمنحُ الدَّولةَ وحدَها حقَّ تحديدِ مصالحِها الوطنيَّةِ بعيدًا عن الاصطفافاتِ والمحاور. من منظورِ السِّياساتِ العامَّةِ، فإنَّ الحيادَ الإيجابيَّ يُنتجُ ثلاثَ فوائدَ استراتيجيَّة. أوَّلًا، يُخفِّضُ المخاطرَ الأمنيَّةَ المرتبطةَ بصراعاتِ الآخرين. ثانيًا، يُحسِّنُ البيئةَ الاستثماريَّةَ من خلالِ توفيرِ الاستقرارِ السِّياسيِّ والقانونيِّ. وثالثًا، يُعزِّزُ دورَ لبنانَ منصَّةً للحوارِ والخدماتِ والاقتصادِ المعرفيِّ، بدلًا من بقائِه ساحةً للصِّراعات. هنا، لا يعودُ الحديثُ عن مكانةِ لبنانَ في العالمِ الحرِّ نوعًا من الحنينِ الرُّومانسيِّ، بل يصبحُ هدفًا سياساتيًّا قابلًا للتحقيق. الميِّزاتُ التَّفاضليَّةُ للبنانِ ليست روايةً تاريخيَّة، وإنَّما رصيدٌ استراتيجيٌّ يمكنُ استعادته إذا توفَّرتِ المؤسَّساتُ القادرةُ على إنتاجِ الاستقرارِ والثِّقةِ والإبداع. إنَّ العالمَ الحرَّ اليومَ لا يبحثُ عن دولٍ صغيرةٍ من حيثُ المساحة، بل عن شركاءَ يمتلكونَ استقرارًا مؤسَّسيًّا، وبيئةً قانونيَّةً جاذبةً، ورؤيةً اقتصاديَّةً واضحةً، وقيمًا تتماهى مع الحرِّيَّةِ وحقوقِ الإنسانِ والتَّعدُّديَّةِ. وهذه كلُّها عناصرُ يملكُ لبنانُ مقوِّماتِها إذا نجحَ في اجتيازِ اختبارِ السِّيادةِ والإصلاح.
إنَّ المرحلةَ المقبلةَ تستوجبُ الانتقالَ من إدارةِ الأزماتِ إلى إدارةِ التَّحوُّل. وهذا يتطلَّبُ خارطةَ طريقٍ وطنيَّةً تقومُ على ثلاثِ مراحلَ متكاملة. المرحلةُ الأولى هي مرحلةُ تثبيتِ السِّيادةِ الدُّستوريَّةِ، عبرَ تعزيزِ سلطةِ المؤسَّساتِ، وترسيخِ سيادةِ القانون، وإعادةِ الاعتبارِ إلى احتكارِ الدَّولةِ للقرارِ السِّياديِّ. المرحلةُ الثَّانيةُ هي مرحلةُ الإصلاحِ البنيويِّ، وتشملُ تحديثَ الإدارة، وإصلاحَ القضاء، وإعادةَ هيكلةِ الاقتصاد، وتعزيزَ الماليَّةِ العامَّة، واعتمادَ الحوكمةِ الرَّقميَّة. أمَّا المرحلةُ الثَّالثةُ فهي مرحلةُ استعادةِ الدَّورِ الحضاريِّ، عبرَ الاستثمارِ في المعرفةِ والثَّقافةِ والاغترابِ والاقتصادِ الإبداعيِّ، بما يُعيدُ لبنانَ إلى موقعِه الطَّبيعيِّ دولةً مؤثِّرةً في العالمِ الحرِّ. وكي لا تبقى هذه الخارطةُ مجرَّدَ رؤيةٍ نظريَّة، ينبغي اعتمادُ مؤشِّراتِ أداءٍ واضحةٍ لقياسِ التَّقدُّم، من بينها، مستوى استقلالِ القضاء، نسبةُ الرَّقمنةِ في الإدارةِ العامَّة، حجمُ الاستثمارِ المنتج، تحسُّنُ مؤشِّراتِ الحوكمةِ، مستوى ثقةِ المواطنينَ/ات بالمؤسَّسات، ومدى الالتزامِ الحصريِّ بالدُّستورِ في إدارةِ الحياةِ العامَّة. إنَّ جوهرَ التَّحدِّي ليس في إنتاجِ وثائقَ جديدة، بل في الانتقالِ من ثقافةِ إعلانِ المبادئ إلى ثقافةِ تنفيذِ السِّياسات. الدَّولةُ تُبنى بالقدرةِ على الإنجاز، لا بكثرةِ النُّصوص، والشرعيَّةُ تُكتسبُ من فعاليَّةِ المؤسَّسات، لا من حجمِ الخطابات. ويبقى الرِّهانُ الأكبرُ على المواطن/ة. فالمواطنةُ ليست نتيجةً لقيامِ الدَّولةِ فقط، بل هي أيضًا شرطٌ لاستمرارِها. وعندما تصبحُ المواطنةُ الحاضنةُ للتَّنوُّع هي المرجعيَّةُ الوحيدةُ للعلاقةِ بين الفردِ والدَّولة، يتحرَّرُ النِّظامُ السِّياسيُّ من أسرِ العصبيَّات، وتتحوَّلُ التَّعدُّديَّةُ من مصدرِ انقسامٍ إلى مصدرِ غنى.
إنَّ لبنانَ لا يحتاجُ اليومَ إلى معجزةٍ سياسيَّة، بل إلى إرادةٍ وطنيَّةٍ تُدركُ أنَّ السِّيادةَ والإصلاحَ والحيادَ الإيجابيَّ ليست عناوينَ منفصلة، بل عناصرُ مشروعٍ واحدٍ لإعادةِ بناءِ الدَّولة. فحينَ تكتملُ هذه العناصرُ، يستعيدُ لبنانُ قدرتَه على إنتاجِ السَّلامِ، ويستعيدُ المواطنُ/ة ثقتَه بمؤسَّساتِه، ويستعيدُ العالمُ ثقتَه بلبنان. عندها فقط، لا يعودُ الحديثُ عن دولةٍ سيِّدةٍ حرَّةٍ عادلةٍ مستقلَّةٍ مجرَّدَ طموحٍ وطنيٍّ، بل يصبحُ واقعًا دستوريًّا ومؤسَّسيًّا، تتجسَّدُ فيه رسالةُ لبنانَ بوصفِه نموذجًا للحرِّيَّةِ والتَّعدُّديَّةِ والعيشِ المشتركِ والإبداع. وعندها أيضًا، يتحوَّلُ الاختبارُ المصيريُّ من لحظةِ قلقٍ إلى نقطةِ انطلاقٍ نحوَ دولةٍ مكتملةِ السِّيادةِ، راسخةِ المؤسَّساتِ، واثقةٍ من دورِها الحضاريِّ في العالمِ الحرِّ.