
البروفسور أسعد قطّان
٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦
هل يتجدّد الفكر الدينيّ؟
فالفكرة التي تحسب أنّ الله يجزي فاعلي الخير خيراً وفاعلي الشرّ شرّاً، وهم بعد على قيد الحياة، ليست غريبةً عن اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام. تضرب هذه الفكرة جذورها في التوراة العبريّة، ولا سيّما في كتاب «تثنية الاشتراع»، الذي جعلها أشبه ببرنامج سلوك: «في جميع الطريق التي أوصاكم بها الربّ إلهكم تسلكون، لكي تحيوا ويكون لكم خير وتطيلوا الأيّام في الأرض التي تمتلكونها» (٣٥/٥). لكنّ هذه الفكرة ليست محصورةً بكتاب التثنية، إذ نعثر عليها أيضاً في أجزاء أخرى ممّا يطلق عليه المسيحيّون اسم «العهد القديم». نقرأ في المزامير مثلاً: «أبغضت كلّ فاعلي الإثم (…) تُهلِك المتكلّمين بالكذب (…) لأنّك أنت تبارك الصدّيق يا ربّ» (المزمور ٥).
بيد أنّ هذا الربط بين البرّ والبركة، وبين الشرّ والعقاب، ما برح أن اصطدم بواقع مغاير، إذ رصد واضعو بعض الكتب المقدّسة أنّ مسالك الأشرار تزدهر في حين أنّ الصدّيقين غالباً ما يتعرّضون لضربات الدهر. لذا، يطلق النبيّ إرمياء، مثلًا، صرخته الشهيرة: «لماذا تنجح طريق الأشرار (…) نموا وأثمروا ثمراً» (١/١٢-٢). ربّما يكون كتاب أيّوب أشدّ كتب العهد القديم قسوةً في طرح ما يعتري هذه الفكرة من إشكاليّات. فهناك نقرأ أنّ أيّوب يتعذّب على الرغم من برّه، وبمعزل عن أيّ مبرّر يتّصل بسلوكه. ومن ثمّ، تتعرّض الفكرة التقليديّة أنّ الله يبارك الصدّيق ويعاقب الشرّير لعمليّة تفكيك جذريّة، وذلك خصوصاً في المقاطع الشعريّة التي تنقل أحاديث أيّوب مع أصحابه الثلاثة، أليفاز التيمانيّ وبلداد الشوحيّ وصوفر النعماتيّ، وفيها يدافع عن خلوّ سلوكه من أيّ عيب يستوجب العقاب. وتبلغ فكرة عذاب الصديق ذروتها مع المسيح، إذ يعتبر لوقا الإنجيليّ، مثلًا، أنّ الأمّة الرومانيّة والأمّة اليهوديّة، وكانتا في حال عداء، اتّفقتا على قتل البارّ، أي المسيح، وتعليقه على خشبة الصليب.
ليس من النادر، إذاً، أن تصطدم الأفكار الدينيّة بالواقع. حين يقع هذا الاصطدام، حريّ بالفكر الدينيّ أن يعيد النظر في منطلقاته، ويسعى إلى تشذيبها، عبر عمليّة نقد ذاتيّ جريئة. هذا ما أومأ إليه عدد من الدارسين حين طرحوا فكرة نزع الطابع الأسطوريّ عن بعض المسلّمات الدينيّة، وذلك في سبيل المحافظة على صدقيّة الدين. هذا يستتبع أنّ الفكر الدينيّ ليس كتلةً جامدة، بل عمارة ديناميّة مفتوحة على المساءلة وقابلة للانزياح. يتّضح هذا عبر المثل الذي ضربناه أعلاه. فالاقتناع بأنّ الله يبارك الصدّيقين ويجازي الخطأة في هذه الحياة الدنيا تعرّض لهزّات جعلت بعض أنبياء العهد القديم يخضعونه للمراجعة، ما أفضى بهم إلى الحدس بأنّ الله يمكنه أن يحقّق مقاصده عبر الصديق المتألّم الذي لا يقابل العنف بالعنف.
ينتج من هذا أنّ الفكر الدينيّ أمام امتحان متواصل، إذ هو مطالب بالانخراط في عمليّة تفحّص ذاتيّ كلّما تبدّى شرخ بين إحدى فرضيّاته اللاهوتيّة من جهة، ومعطيات مغايرة أشدّ متانةً من جهة أخرى. هذه المعطيات كثيراً ما يكون مصدرها العلم. لكن من الممكن عزوها أيضاً إلى الخبرة الواقعيّة أو حتّى إلى اللاهوت ذاته، الذي لا يندر أن ينطوي على بذور فكريّة يمكن البناء عليها وتطويرها، بحيث تقارع أفكاراً لاهوتيّةً أخرى أشدّ ترسّباً في الوجدان الجمعيّ، لكنّها أضعف حجّةً. فكرة ارتباط العنف، أو السلاح، أو الدولة ذات الطابع الدينيّ، مثلًا، بأحد معطيات الإيمان (الوعد الإلهيّ بالأرض، المسيح المنتظر، المهدي) لا بدّ لها من أن تفضي إلى مأزق لاهوتيُ ووجودي. فهي، في نهاية المطاف، تجعل صدقيّة الله متوقّفةً على انتصارات وآليّات ثبات وازدهار تتحقّق في التاريخ. ولكن، ماذا إذا لم تتحقّق؟ ثمّة طريقان لا ثالث لهما: إمّا التشكيك في قدرة الله، وإمّا مساءلة الفكرة واستبدالها بما هو أشدّ نجاعة. الطريق الثاني هو طريق الفكر الدينيّ المتجدّد.
