
بقلم: الياس كساب
رئيس التحرير، باحث في الشؤون الاغترابية، واللبنانيّة، والعربيّة
١٧ تشرين الاول ٢٠٢٦
الدولة العميقة في لبنان سرقت ثورة ١٧ تشرين كما سرقت أموالهم وأحلامهم
أسقط اللبنانيون حاجز الخوف في الشارع، لكن منظومة الفساد نجحت في حماية نفسها. صودرت أموالهم في المصارف، وأُجهضت أحلامهم في الساحات، وبقيت الدولة رهينة شبكة المصالح والمحاصصة والسلاح الخارج عن سلطتها.
في ١٧ تشرين الأول ٢٠١٩، انتفض اللبنانيون على منظومة سياسية استنزفت الدولة، وبدّدت الثروات، وحوّلت المؤسسات العامة إلى ساحات لتقاسم النفوذ والمغانم. من طرابلس إلى صور، ومن بيروت إلى البقاع والجبل، ارتفع صوت واحد يتجاوز الطوائف والمناطق: الشعب يريد دولة تحكم بالقانون، وقضاءً يحاسب، وسلطةً تخدم المواطنين لا الزعماء.
لم تكن الثورة مجرد احتجاج على ضريبة أو أزمة معيشية. كانت انتفاضة على نظام كامل، وعلى علاقة مشوّهة بين المواطن والدولة، حيث تُوزّع الحقوق وفق الولاء، وتُحمى المصالح بالنفوذ، ويُستدعى الانتماء الطائفي كلما اقتربت المحاسبة.
لكن ما الذي حدث بعد ذلك؟
نجحت المنظومة في احتواء الانتفاضة، من دون أن تنجح في معالجة الأسباب التي فجّرتها.
لم يكن إفشال الثورة نتيجة مؤامرة واحدة أو قرار واحد، بل حصيلة عوامل متشابكة: تشتت قوى الانتفاضة، وتراجع الأحزاب “النظيفة الكف” احتجاجاً على “كلّن يعني كلّن”، وتمنّع الكثير من الثوّار عن إثارة موضوع سلاح حزب الله الخارج عن الدولة بالمطالب المُعلنة، (هذا السلاح الذي استُعمِل فيما بعد في ساحة الشهداء وحول المجلس النيابي لضرب المتظاهرين واقتلاع العيون، وأفضى إلى الحروب والدمار والتهجير)، وغياب البديل السياسي المنظم، وتمسّك القوى التقليدية بأدوات نفوذها، واستنزاف المجتمع تحت وطأة الانهيار الاقتصادي وجائحة كورونا وانفجار مرفأ بيروت.
استعادت القوى التقليدية مساحة واسعة من المبادرة، فيما بقيت مطالب المحاسبة والإصلاح واستقلال القضاء بعيدة عن التحقيق الذي انتظره اللبنانيون.
من سرقة الأموال إلى سرقة المستقبل
جاء الانهيار المالي ليكشف الوجه الآخر للأزمة. وجد المودعون أنفسهم عاجزين عن الوصول إلى أموالهم، وتبخّرت أجزاء واسعة من مدخرات اللبنانيين بفعل انهيار العملة وتراجع القدرة الشرائية، فيما ظلّ توزيع الخسائر والمسؤوليات موضع نزاع.
لم يكن المواطن الذي عمل طوال حياته وادّخر لتعليم أولاده وشيخوخته مسؤولاً عن رسم السياسات التي أوصلت البلاد إلى الانهيار. ومع ذلك، وجد نفسه يدفع الثمن، فيما لم تتحقق المحاسبة الشاملة التي تتناسب مع حجم الكارثة.
وهنا تتجلى المأساة: الدولة التي عجزت عن حماية أموال مواطنيها هي نفسها الدولة التي عجزت عن تحويل صرختهم في ١٧ تشرين إلى مشروع إصلاح يُنهي الإفلات من المحاسبة.
لم تُسرق الأموال وحدها؛ سُرقت الثقة بالمؤسسات، وتراجعت فرص الشباب، وتوسعت الهجرة، وأصبح الوطن الذي حلم أبناؤه ببنائه عاجزاً عن إقناعهم بأن مستقبلهم فيه ممكن.
الدولة العميقة: منظومة تتجاوز الحكومات
إن الدولة العميقة في لبنان، والمتحالفة مع السلاح فوق الطاولة أو تحتها، ليست بالضرورة غرفة سرية واحدة، بل شبكة مصالح سياسية ومالية وإدارية تتغذى من المحاصصة والزبائنية، وتستفيد من ضعف الرقابة وتعدد مراكز القرار.
تتغير الحكومات، لكن شبكات النفوذ تستطيع الاستمرار. تتبدل الشعارات، لكن قواعد تقاسم السلطة والموارد تبقى قادرة على إعادة إنتاج نفسها. وعندما يهدد الاحتجاج الشعبي هذه القواعد، يصبح تفتيت المعارضة واستدعاء الانقسامات الطائفية من العوامل التي تساعد على إضعافه.
لقد كشفت ثورة ١٧ تشرين أن اللبنانيين قادرون على تجاوز الحواجز التي صنعتها الزعامات، لكنها كشفت أيضاً أن توحيد الشارع لا يكفي لتغيير النظام ما لم يتحول إلى قوة سياسية منظمة قادرة على انتزاع الإصلاح ومراقبة تنفيذه.
فالمنظومة لا تخشى الغضب الشعبي بقدر ما تخشى قيام بديل وطني مستقل، يرفض التبعية، ويضع المحاسبة فوق التسويات، والمواطنة فوق الولاءات، والدستور فوق مصالح القوى النافذة.
لا دولة مع تعدد مراكز القوة
لا يمكن فصل أزمة الحكم عن أزمة السيادة. فالدولة التي تسعى إلى فرض القانون ومكافحة الفساد تحتاج إلى قرار أمني وعسكري موحد، وإلى مؤسسات دستورية تملك سلطة القرار في الحرب والسلم.
إن استمرار السلاح خارج سلطة الدولة يطرح سؤالاً أساسياً حول السيادة ووحدة القرار الوطني. لكن معالجة هذه القضية لا تعفي بقية القوى السياسية من مسؤولياتها عن الانهيار المالي والإداري، ولا يجوز أن تتحول إلى ذريعة لتأجيل الإصلاح.
المطلوب دولة واحدة، لا سلطات متنافسة؛ وقانون واحد، لا حصانات سياسية؛ ومحاسبة واحدة، لا استثناءات تُفرض بالقوة أو تُمنح بالتسويات.
لا يكفي أن تستعيد الدولة قرارها السيادي إذا بقيت مؤسساتها أسيرة المحاصصة، كما لا يمكن إصلاح المؤسسات إصلاحاً كاملاً في ظل تعدد مراكز القوة والقرار.
هل يستطيع اللبنانيون استعادة ثورتهم؟
إن استعادة ١٧ تشرين لا تكون بتكرار الشعارات أو الاكتفاء بتبادل الاتهامات، بل ببناء مشروع وطني واضح يقوم على استقلال القضاء، ومحاسبة المسؤولين عن الانهيار وفق الأدلة والقانون، وحماية حقوق المودعين، وإصلاح الإدارة العامة، وحصر السلاح بيد الدولة، وإنهاء نظام الزبائنية الذي يجعل المواطن تابعاً للزعيم بدلاً من أن يكون صاحب حق.
وهنا يبرز دور الانتشار اللبناني في دعم دولة القانون، ومساندة المبادرات المستقلة، وممارسة الضغط الديمقراطي عبر المؤسسات الدولية والبرلمانات في دول الإقامة، بعيداً عن إعادة إنتاج الاصطفافات التي عطّلت التغيير في الداخل.
لكن التحدي الأكبر يبقى في بناء معارضة مسؤولة، لا تجمعها عداوة المنظومة فحسب، بل يوحّدها مشروع بديل، وبرنامج قابل للتنفيذ، وآليات شفافة للمحاسبة تمنع إعادة إنتاج الفساد بأسماء جديدة.
من سرق الثورة يخشى قيام الدولة
لقد سرقت المنظومة من اللبنانيين سنوات من الانتظار، وأموالاً من مدخراتهم، وفرصاً من مستقبل أبنائهم. وتعثر مشروع ثورة ١٧ تشرين قبل أن يتمكن من تحويل الغضب الشعبي إلى تغيير مؤسساتي شامل.
لكن المسؤولية اليوم لا تقتصر على كشف ما حدث، بل على منع تكراره.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للبنان ليس أن تفشل ثورة، بل أن يتحول فشلها إلى قناعة بأن التغيير مستحيل.
فالدولة العميقة لا تُهزم بتغيير الوجوه، بل بتفكيك شبكات المصالح، واستقلال القضاء، وفرض سيادة القانون، وإنهاء الحصانات غير المشروعة، وإعادة القرار الوطني إلى المؤسسات الدستورية.
لقد انتفض اللبنانيون لأنهم رفضوا أن يكون وطنهم ملكاً لمن يحكمونه. وإذا كانت المنظومة قد نجحت في إجهاض اندفاعة ١٧ تشرين، فإنها لم تُسقط حق اللبنانيين في استعادة دولتهم.
الثورة الحقيقية تبدأ حين يتوقف المواطن عن طلب حقوقه من الزعيم، ويصبح قادراً على انتزاعها من الدولة بالقانون. وعندها فقط، تنتهي دولة المصالح، وتبدأ دولة المواطنة.
إلى رئيس الجمهورية جوزف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام نقول: لقد ارتاح اللبنانيون لخطاب القسم، وللبيان الوزاري، لأنهما عبّرا عن توجهات ثورة اللبنانيين على الفساد، وعلى السلاح، فإما أن تبدءا الثورة الجديدة “بشطف درج الفساد” من فوق، وأن تتجرّءا على السلاح، وهذا لم يُحسَم بعد، وإما أن تتلاشى سلطتُكما بالتفاف الدولة العميقة حول عُنُقِها، حينها لا بُدَّ من ١٧ تشرين آخر!
