
بقلم: الياس كساب
رئيس التحرير، باحث في الشؤون الاغترابية، واللبنانيّة، والعربيّة
٢٦ نيسان ٢٠٢٦
المفاوضات مطلوبة لإنهاء الاحتلالين: الإسرائيلي والإيراني
أمام الدولة العميقة قدران: التقاعد الطوعي، أو الثورة
تحت ضغط الاحتلال الإسرائيلي للقرى الحدودية جنوب الليطاني، وعلى وقع الضربات المتبادلة، والتي تخرق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، وفي ظلِّ “الانتصار الإلهي” المستمر مع الكربلائية المؤدلجة، والتي أصبح معها الموت فقط من أجل الموت، وفي ظلِّ غطرسةٍ إسرائيليّة وجدت في الإدارة الأمريكيّة، التي قررت مواجهة إيران بكل الأسلحة، فرصةً سانحةً لإنهاء السلاح الإيراني على حدودها الشمالية، تُطرح مسألة السيادة في لبنان اليوم كأولوية وطنية ملحّة، في ظل تداخل العوامل الداخلية والخارجية التي أضعفت الدولة ومؤسساتها، وحوّلت القرار الوطني إلى ساحة تجاذب بين قوى متناقضة. وبينما يتعمّق التدهور العسكري، والاقتصادي، والاجتماعي، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن استعادة السيادة من خلال مسار سياسي واقعي، يبدأ بالمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وهل يكفي ذلك، أو يجب أن يترافق مع تفكيك منظومة “الدولة العميقة” المرتبطة بسلاح حزب الله؟
أولاً: المفاوضات كمدخل للسيادة
لطالما شكّلت العلاقة بين لبنان وإسرائيل حالة صراع مفتوح، منذ اتفاق القاهرة سنة ١٩٦٩، وإنشاء “فتح لاند” في العرقوب، مما أشعل توتراً مستمرّاً وعدة حروب، أهمها اجتياح لبنان سنة ١٩٨٢، والذي أدى إلى خروج ياسر عرفات ومنظمة التحرير معه من لبنان، وآخرها الحرب التي لم تنته فصولاً منذ حرب الإسناد سنة ٢٠٢٣، حتى حرب الانتقام لمقتل علي الخامنئي سنة ٢٠٢٦، والتي يمكن أن تؤدّي إلى خروج الحرس الثوري سلاحاً ونفوذاً، فما عامل التحولات الإقليمية والدولية إلا دعوة لإعادة النظر في أدوات إدارة هذا الصراع، من قبل الدولة، والمجموعات السياسيّة على حدٍّ سواء، فالمفاوضات المباشرة، وإن كانت حساسة سياسياً وشعبياً، قد تمثّل وسيلة لاستعادة زمام المبادرة، بدلاً من ترك الملف رهينة التوترات العسكرية، أو الوساطات غير المباشرة، والتي أعطت لحزب الله، وعبره إيران، صلاحية التفاوض باسم لبنان!
إن الانخراط في مفاوضات واضحة الأهداف – إنتزاع السلام، ترسيم الحدود، تثبيت الاستقرار، حماية الموارد الطبيعية – يمكن أن يعيد للدولة اللبنانية دورها المركزي كمرجعية وحيدة في القرار السيادي، ويحدّ من تعدد مراكز القوة. كما أن التجارب الإقليمية تُظهر أن الحوار، مهما كان صعباً، يبقى أقل كلفة من الحروب المفتوحة.
ثانياً: الدولة العميقة ومعضلة السلاح
إذا كان لا يمكن الحديث عن سيادة حقيقية في ظل وجود سلاح خارج إطار الدولة، فإنّه لا قيامة لدولة في ظلِّ دولةٍ عميقة، تنخر في المؤسسات، وتقبض على كلِّ المفاصل، وتعطّل تنفيذ القرارات! لقد نشأ تحالف غير معلن بين بنى “الدولة العميقة” – من شبكات سياسية وأمنية وقضائية واقتصادية – وسلاح حزب الله، ما أدى إلى تكريس واقع موازٍ للدولة الرسمية. هذا التحالف لم دمّر الدولة، لا بل أدخلها في صراعات إقليمية، وربطها بمحاور خارجية تتجاوز مصلحتها الوطنية، كما غطّى الفساد والجريمة المنظمة، وقضى على العدالة، وأوهن سلطة القانون!
تفكيك هذا التحالف يعني ضرورة مواجهته مباشرة، ويتطلب مساراً واضحاً موازياً للمفاوضات، أو على الأقل بدءاً من اليوم الثاني بعد أي اتفاق، هو مسارٌ يقوم على إعادة بناء المؤسسات، وتعزيز الجيش، وفرض احتكار الدولة للسلاح. كما يستوجب ذلك إرادة سياسية داخلية، تضمن انتقالاً سلساً نحو دولة القانون. لكنّ ذلك لن يكتمل إلا بتطهير الدولة من الفاسدين بـِ “شهابيّة” جديدة، جديرةٍ بجوزف عون ونوّاف سلام أن يكونا واجهتها، فهما يتمتعان بالجرأة والنظافة اللتين افتقدناهما لعقود!
ثالثاً: بين الواقعية السياسية والرفض الشعبي
من الطبيعي أن تواجه فكرة المفاوضات المباشرة رفضاً من شريحة من اللبنانيين، انطلاقاً من اعتبارات تاريخية وأخلاقية. إلا أن الواقعية السياسية تفرض التمييز بين التطبيع غير المشروط، وبين التفاوض كأداة لحماية المصالح الوطنية. فالدول لا تُدار بالعواطف فقط، بل بحسابات دقيقة توازن بين المبادئ والضرورات، فلنتذكّر أنّ أولى المفاوضات المباشرة كانت حول اتفاقيّة الهدنة التي وقعها لبنان مع إسرائيل سنة ١٩٤٩.
رابعاً: نحو مشروع وطني جامع
استعادة السيادة لا يمكن أن تكون مشروع فريق دون آخر، بل يجب أن تتحول إلى مشروع وطني جامع، يعيد تعريف هوية لبنان كدولة مستقلة، لا ساحة نفوذ. ولن تستطيع الدولة أن تحتكر السيادة قبل احتكار السلاح، ولن تستطيع احتكار مفاعيل السلاح، إلا بضرب تحالف الدولة العميقة معه.
وليكن معلوماً، إذا ما توصلنا مع إسرائيل، وبرعاية أمريكية ودولية، إلى اتفاق وترتيبات أمنية تعيد الأرض المحتلة إلى لبنان، (مهما كان شكل الاتفاق)، وتضع البلاد على سكة استعادة السيادة من إسرائيل وإيران على حدٍّ سواء، فلن يقبل اللبنانيّون، كما بعد سنة ٢٠٠٠، استثماراً بالسياسة لدمِ اللبنانيين الذي أُهرقَ على مذبح الطاغية الإيراني، فالمعركة مستمرة حتى فصل الدولة العميقة الفاسدة عن مفاعيل السلاح!
فإذا كان التفاوض مطلوباً، بأشكاله المختلفة، ودون قيود، لإنهاء الاحتلالين: الإسرائيلي والإيراني، فأمام الدولة العميقة قدران لا ثالث لهما: التقاعد الطوعي، أو الثورة!
