
بقلم : الدكتور جورج شبلي
٧ حزيران ٢٠٢٦
القليعات … حتمًا
إنّ مبادرة تشغيل مطار القليعات، أو مطار الرئيس الشّهيد رينيه معوّض، لم تعدْ في مأزق، ولم تعدْ نوافذُها مُغلَقة، وبالتالي، لا يصحُّ تجاهلُها من حيثُ المبدأ والقرار. وقد أفصحت الدّولة، لهذا المشروع، عن جدول أعمال واضحٍ ومحدّد، هدفُه إطلاقُ العمل في هذا المِرفق، خصوصًا في مرحلةٍ دقيقة من زمان لبنان، ما يمكن اعتبارُه إنجازًا للدولة غيرَ مسبوق.
في الماضي، عندما طُرح موضوع تشغيل مطار القليعات في الشمال اللبناني، نذكرُ، جيّدًا، اعتراض أحد قياديّي الثامن من آذار بالقول : ” سوف يصبح هذا المطار قاعدة خلفيّة لأجهزة الاستخبارات الأجنبية “. وفي هذا القول سذاجة موصوفة، فالبلد، آنذاك، كان ساحةً مباحة تَصولُ فيها الشبكات من كلّ الألوان والأعراق، وفي حوزتها معلوماتٌ حميمة تُحيط بالشاردة والواردة. وبالتالي، فلن يقدّم المطار، لهذه الشّبكات المعروفة، أيّة قيمة مضافة على الصعيد المخابراتي، لذلك، يسقط، حتمًا، مبرِّر الرفض والاعتراض. أمّا حقيقة الاعتراض فتعود الى أنّ المطار يعتدي على أمن المستقوين، وذلك بخروج نصف لبنان، على الأقلّ، من مراقبتهم ووضعِ يدِهم والتحكّم بأمرهم. لكنّ ذلك يشكّل بداية لرحلة سيطرة الدولة على الدولة، وهذا مطلبُ الجميع.
كما نذكرُ، أيضًا، في الموضوع نفسه، ما صرّحَ به قائد فيلق القدس الإيراني العميد الرّاحل قاسم سليماني، والذي يتضمّن الحقيقة التي تعكس موقف سلطة الملالي. هذه الحقيقة المرعبة تبقى الحقيقة السافرة التي ليست بحاجة الى أيّ تفسير. إنّ تصريح سليماني الثلاثيّ الوجهات لا يعنينا منه سوى ما يتعلّق بلبنان فقط، وما يتعلّق بلبنان يكفي لأن يقضّ مضاجعنا، من ترسيخٍ لكابوس الوجود الميليشيوي الايراني في الجنوب اللبناني، بل على كامل المساحة اللبنانيّة، المتمثّل بحزب الله المسلَّح، والذي قضى بأن تُحمَلَ جنازة السيادة الوطنية على أكفٍّ بلديّة ولكن، بدون ارتباطٍ وطنيّ ما يعني اغتيالًا معنويًّا للكيان المستقل. واستنادًا، وحتى يومنا الحاضر، يبقى السؤال : في أيّ خانة يمكن أن نُصنّف الخطابات الرنّانة والمواقف المفوّهة لمن يدّعي احتكار ما يُسَمّى المقاومة للدفاع عن الأرض والشعب، في حين يُجَيَّر الإسناد لصالح دولة إيران الفارسيّة وخططها المشبوهة ؟
أمّا المطار فله، اليوم، حساب آخر، ليس أقلّه أفلات ورقة مراقبة الداخل والخارج من الذين زجّوا البلادَ في أتون حروبٍ عبثيّة أتت على الحجر والبشر، ولمّا تزل. وبالتالي، واهمٌ مَنْ يظنّ بأنّ استكمالَ السيطرة على قرار الوطن سيبقى في مكانه، وواهمٌ مَنْ يظنّ بأنّ ممارساته سوف تستمرّ بإرهاب الحكمِ والشعب بتخويفٍ يودي الى الانصياع، والإذعان، فالعينُ، اليوم، لن تعجز عن مقاومة المخرز. ولعلّ الذين رفضوا، بالأمس، إعطاء جرعة تنمويّة لمنطقة عكّارالعزيزة، شعروا بأنّ البساط بدأ ينسحب من تحت أقدامهم، بعودة الدولة الى الواجهة، وما كان منهم إلّا أن قاموا بردّة فعل تَجهدُ لتثبيت ما تبقّى من البساط في موضعه، فأعلنوا موافقتهم على تفعيل المطار، لكنّ أحدًا من العاقلين لم يصدّق هذه البروباغاندا المزيّفة.
إنّ إعادة تشغيل المطار، مِن شأنه أن يدفع بالمنطقة صوب الازدهار الاقتصادي، والاجتماعي، والسياحي، والقِطاعي. فهذه المنطقة المحرومة من عقود، لم تزل محكومة بنظام الإهمال والنّسيان، وبتراجُعِ مؤشّر الإنماء، ما أدّى الى انحسار إمكانيّات التطوّر، وأورثَ شعبَها شعورًا بالظّلم، بالرّغم من أنّهم مواطنون كغيرهم، وهم تحت مظلّة القانون والانسجام الوطني. إنّ العكّاريّين ليسوا عبئًا على الدولة، بل عِرق من عروقها، ومن حقّهم أن ينعموا بالعدل والحقوق ومشاريع التنمية المستدامة.
وبعد، إنّ الشّعب يريد الخلاص، ويرفضُ تسطيح مشروع قيام الدولة، ويتوقُ الى وطنٍ حرّ لا تُحبَطُ فيه أحلامُ أجياله، ويتمسّكُ بعنوان أنّ الحكمَ هو سيّد نفسه وصاحب قراره. من هنا، نحن نباركُ لهذا التحوّل في أداء الدولة، ونناضلُ معها ليبقى الشّعار : القليعات … حتمًا .
