
زياد الصَّائغ
٢٥ حزيران ٢٠٢٦
لبنان… عودة الخضوع أو تثبيت الانتفاضة!
لا يُواجِهُ لبنان أزمةً سياسيّةً عابرة، ولا خلافًا تقليديًّا حول الحُكم أو توزيع الصلاحيّات أو توازنات السّلطة. لُبنان أمام مفترقٍ وجوديٍّ يتجاوز تفاصيل المشهد اليوميّ إلى سؤالٍ جوهريٍّ يتعلّق بمصير الدّولة نفسها كما النِّظام السِّياسيّ برُمّتِه. فإمّا أن يُطوَّع نهائيّاً لمنطق فائض القوّة وما يُنتجه من اختلالٍ بنيويٍّ في مفهوم السّيادة والدّستور والمؤسّسات، وإمّا أن يُثبِّت للانتفاضة الوطنيّة الممنهجة لتستعيد القرار الوطني من أسر الإرتهان والخضوع والابتزاز. المعادلة لم تعد غامضة. فكلّ المحاولات الهادفة إلى تجميل الواقع أو تدوير الزّوايا أو إدارة الانهيار أثبتت فشلها. كما أنّ الرّهان على تسوياتٍ مؤقّتة أو مقارباتٍ ترقيعيّة لم يؤدِّ إلّا إلى تعميق الأزمة. ولذلك فإنّ السّؤال الحقيقيّ لم يعد كيف يُدار لبنان، بل كيف يُستعاد لبنان-الدَّولة كي يُنقِذ لبنان-الكيان.
تاريخيّاً، لم تقم الدّولة اللّبنانيّة على الغلبة. ولم يُبنَ الميثاق الوطني على منطق المنتصر والمهزوم. بل تأسّس لبنان على فكرة التّوازن والشّراكة والتّنوّع ضمن إطار دولةٍ واحدة. غير أنّ العقود الأخيرة شهدت صعود نموذجٍ معاكس يقوم على فائض القوّة. والمقصود هنا ليس فقط فائض القوّة العسكريّة وحدها، بل فائض القوّة السّياسيّة، والإيديولوجيّة، والنّفسيّة، والإعلاميّة، بل الماليَّة والاقتِصاديَّة. فائضٌ سعى إلى إعادة تعريف الدّولة وفق مصالح مشروعٍ يتجاوز حدودها ويضع أولويّاته خارج إطارها الدّستوري. هذا الفائض لم يكتفِ بتقويض المؤسّسات، بل عمل على إنتاج ثقافةٍ جديدة عنوانها الاستسلام للأمر الواقع. فصار الاعتراض مغامرة، والمطالبة بالسّيادة استفزازاً، والدّفاع عن الدّستور ترفاً، والمطالبة بحصريّة السّلاح ضرباً من الخيال. والأخطر أنّ هذا النّهج نجح في تحويل جزءٍ من النّخب إلى أدواتٍ لإدارة الخضوع بدل مقاومته. فأصبح بعض السّياسيّين/ات والفاعِلين/ات في الشأن العامّ يتصرّفون وكأنّ مهمّتهم تبرير الاختلال لا تصحيحه، وتأقلمهم مع الأزمة لا إنهاؤها. هكذا انتقل لبنان تدريجيّاً من دولةٍ تواجه فائض القوّة إلى دولةٍ يُطلَب منها التكيّف معه.
لكنّ فائض القوّة وحده لا يكفي لإسقاط الدّول. الدّول تسقط أيضاً عندما تنتشر ثقافة الخضوع. الخضوع ليس مجرّد موقفٍ سياسيّ، بل منظومة تفكيرٍ كاملة. إنّه اقتناعٌ بأنّ التغيير مستحيل، وأنّ موازين القوى أبديّة، وأنّ الاستسلام أكثر واقعيّةً من المقاومة الدّيموقراطيّة. هذه الذّهنيّة هي التي سمحت باستمرار الأزمات. هي التي جعلت كثيرين/ات يقبلون بالتنازلات المتتالية تحت عنوان الواقعيّة السياسيّة. هي التي دفعت شرائح واسعة إلى التكيّف مع اللّادولة بدل المطالبة بقيام الدّولة. من هنا، فإنّ المواجهة المطلوبة ليست فقط مع فائض القوّة، بل أيضاً مع العقليّة التي تبرّره وتسوّقه وتمنحه شرعيّةً ضمنيّة.
في المقابل، يملك لبنان فرصةً تاريخيّة لتثبيت انتفاضةٍ مختلفة عن كلّ ما سبق. ليست انتفاضةً انفعاليّةً أو موسميّةً أو احتجاجيّةً فقط. وليست تكراراً لتجاربٍ أثبتت محدوديّتها. بل انتفاضةٌ وطنيّةٌ ممنهجة تقوم على مشروعٍ سياسيٍّ ودستوريٍّ وسياديٍّ واضح. إنتفاضةٌ تدرك أنّ المعركة الحقيقيّة ليست بين مجموعاتٍ متنافسة، بل بين مشروع الدّولة ومشروع اللّادولة. تدرك أنّ المواجهة ليست مذهبيّةً ولا فئويّةً ولا مناطقيّة، بل مواجهة بين مفهومين للبنان. لبنان الدّستور والسّيادة والمؤسّسات والمواطنة، ولبنان الإرتهان والهيمنة والوظائف الإقليميّة. هذه الانتفاضة لا يمكن أن تقوم على عنصرٍ واحد، بل تحتاج إلى تفاعل ثلاث ديناميّات متقاطعة تشكّل معاً كتلة ضغطٍ وطنيّةً تاريخيّة.
أوّلاً- الديناميّة الوطنيّة
الركيزة الأولى هي الديناميّة الوطنيّة داخل لبنان. لا يمكن لأيّ تغييرٍ أن يتحقّق إذا بقيت القوى السّياديّة والإصلاحيّة مشتّتة أو غارقة في الحسابات الصّغيرة. المطلوب إعادة بناء مساحاتٍ وطنيّةٍ عابرة للطّوائف والمناطق والمصالح الضيّقة.ديناميّةٌ تستند إلى أولويّاتٍ واضحة. تطبيق الدّستور كاملاً. حصر السّلاح بيد الدّولة. إستقلال القضاء. إصلاح الإدارة، إعادة هيكلة الأجهزة العسكريّة والأمنيَّة. عودة مجلس النوّاب سلطة رقابيّة وتشريعيّة. تحويل المؤسّسات من أدوات تعطيل إلى أدوات حكم. الإنتفاضة الحقيقيّة تبدأ عندما يتحوّل الدّفاع عن الدّولة إلى مشروعٍ يوميٍّ منظّم لا إلى شعارٍ موسمي.
ثانياً- ديناميّة الاغتراب
أثبت الإغتراب اللّبناني عبر العقود أنّه أحد أهمّ مصادر القوّة الوطنيّة. غير أنّ دوره غالباً ما جرى حصره في البعد المالي أو الخيري أو العاطفي. يحتاج لبنان اليوم إلى دورٍ مختلف للاغتراب. يحتاج إلى لوبيّات ضغطٍ منظّمة، وإلى شبكات تأثيرٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ وثقافيٍّ قادرة على الدفاع عن القضيّة اللّبنانيّة في العواصم المؤثّرة. الاغتراب ليس خزّان تحويلاتٍ ماليّة فقط، بل خزّان نفوذٍ وخبراتٍ وعلاقاتٍ وشراكات. عندما يتحوّل الانتشار إلى قوّة ضغطٍ عالميّةٍ منظّمة، يصبح شريكاً مباشراً في معركة استعادة الدّولة.
ثالثاً- ديناميّة الدّبلوماسيّة العامّة
لقد خسر لبنان كثيراً من المعارك لأنّ خصوم الدّولة نجحوا في احتلال فضاءات السّرديّات والرّوايات والتأثير، ما يؤشِّر إلى موجب تشكيل دبلوماسيَّة لبنانيَّة عامَّة مُتماسِكة. في عصر الاتّصال الرّقمي، لم تعد المعارك تُحسم بالسّياسة فقط، بل بالرّواية أيضاً. لذلك يحتاج لبنان إلى مشروع دبلوماسيّةٍ عامّة يقدّم للعالم حقيقة ما يجري داخله. حقيقة أنّ الدّولة هي الضحيّة لا الجلّاد. حقيقة أنّ السّيادة ليست مطلباً فئوياً بل شرطاً للاستقرار. حقيقة أنّ الشّعب اللّبناني يستحقّ دولةً طبيعيّةً لا ساحةً لتصفية الحسابات. هذه الدّبلوماسيّة العامّة يجب أن تجمع المؤسّسات البحثيّة والجامعات والإعلام والاغتراب والمجتمع المدني ضمن استراتيجيّةٍ واحدة.
إنّ أحد أخطر التحدّيات التي تواجه لبنان يتمثّل في تحويل الانتماءات العابرة للحدود إلى مرجعيّاتٍ بديلة عن الانتماء الوطني. حين تصبح أولويّة الخارج أعلى من أولويّة لبنان، تتفكّك فكرة الدّولة. حين تتحوّل القضايا الإقليميّة إلى مرجعيّة القرار الوطني، يفقد لبنان استقلاله الفعلي. المواجهة هنا ليست مواجهة معتقداتٍ أو هويّاتٍ ثقافيّة، بل مواجهة مشروعٍ سياسيٍّ يُخضع المصلحة الوطنيّة لمصالح تتجاوز الحدود. ولذلك فإنّ إعادة بناء الهويّة الوطنيّة الجامعة تصبح شرطاً أساسيّاً لاستعادة الدّولة.
بالتوازي، يجب التصدّي لثقافة الابتزاز التي تحكم الحياة العامّة. إبتزازٌ أمنيٌّ تارةً. وابتزازٌ طائفيٌّ تارةً أخرى. وابتزازٌ اقتصاديٌّ واجتماعيٌّ وإعلاميٌّ في أحيانٍ كثيرة. كلّما طالب اللبنانيّون/ات بالدّولة، يُلوَّح لهم بالفوضى وفرط السِّلم الأهلي. كلّما طالبوا بالسّيادة، يُهدَّدون بالحرب الأهليّة. كلّما طالبوا بالإصلاح، يُخوَّفون من الانهيار. إنّها معادلة ابتزازٍ مستمرّة هدفها إبقاء المجتمع رهينة الخوف. الدّولة لا تُبنى بالخوف، بل بالثقة. لا تقوم بالاستسلام للابتزاز، بل بكسره.
إنّ الإنتقال من الخضوع إلى الانتفاضة يتطلّب خارطة طريقٍ واضحة. توحيد القوى المؤمنة بالدّولة حول برنامجٍ دستوريٍّ وسياديٍّ مشترك. إنشاء شبكة تنسيقٍ دائمة بين النّخب الوطنيّة والإغتِراب اللّبناني. إطلاق استراتيجيّة دبلوماسيّةٍ عامّةٍ عالميّة للدّفاع عن القضيّة اللّبنانيّة. مواجهة البروباغندا الممنهجة بالحقائق والبيانات والسّرديّات الحقيقيَّة. إعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة كمرجعيّةٍ فوق كلّ الانتماءات الفرعيّة والعابرة للحدود. الإستثمار في الأجيال الشّابّة باعتبارهم القوّة الأكثر قدرةً على إنتاج التغيير المستدام. تحويل استعادة الدّولة إلى مشروعٍ وطنيٍّ يوميّ لا إلى شعارٍ ظرفيّ.
إنّ لبنان يقف اليوم بين خيارين لا ثالث لهما. الخضوع أو تثبيت الانتفاضة. الخضوع يعني استكمال مسار التآكل الوطني والدّستوري والمؤسّساتي. أمّا الانتفاضة الممنهجة فتعني استعادة المعنى الأصليّ للبنان بوصفه دولةً مواطنة سيّدةً حرّةً عادلةً مستقلّة. لأنّ الأوطان لا يحميها الخائفون/ات، ولا يبنيها الخاضعون/ات، فإنّ لحظة لبنان الحقيقيّة تبدأ يوم تتحوّل إرادة الدّولة إلى انتفاضةٍ وطنيّةٍ شاملة، قادرةٍ على هزيمة الانتماءات العابرة للحدود وكسر منطق الابتزاز، وإعادة الاعتبار لسيادة الدّستور وكرامة المواطن ورسالة لبنان الحضاريَّة.
