
بقلم: الياس كساب
رئيس التحرير، باحث في الشؤون الاغترابية، واللبنانيّة، والعربيّة
٢٢ حزيران ٢٠٢٦
أنفاق تحت الجمهوريّة
ليست الأنفاقُ التي كُشف عنها في جنوب لبنان مجردَ قضيةٍ عسكريةٍ أو أمنية، فهذه الممراتُ المحفورةُ تحت الأرض هي رمزٌ لمرحلةٍ كاملةٍ من تاريخِ لبنان، مرحلةٍ قامت فيها تحت الجمهورية بُنىً موازية للدولة، سياسية وعسكرية وأمنية، ارتبطت بمشروعٍ إقليميٍّ تجاوزَ الحدودَ اللبنانية وجعل من لبنانَ ساحةً ضمنَ صراعٍ أوسع من حجمهِ وإمكاناته.
فالأنفاقُ ليست مجرّدَ هندسةٍ عسكرية. إنها تعبيرٌ عن فلسفةٍ سياسيّةٍ كاملة: العملُ تحتَ الدولة لا داخلَها، وبناءُ موازينَ قوّةٍ خارجَ المؤسساتِ الدستورية لا من خلالِها. وكما تمتدُّ الأنفاقُ تحتَ الأرض بعيداً عن أعيُنِ الناس، نشأتْ خلالَ العقودِ الماضية دولةٌ عميقةٌ تحت الجمهوريةِ اللبنانية، تمتلك أدواتها وقراراتها وحساباتها الخاصة، فيما بقيت الدولةُ الرسميّةُ عاجزةً عن ممارسةِ سيادتها كاملةً على أرضها وحدودها وقرارها الوطني.
غير أنَّ المشهدَ الإقليميَّ يتغير اليوم بصورةٍ دراماتيكيّة. فالمفاوضاتُ الجاريةُ بين الولايات المتحدة وإيران لا تتعلق بالملفِّ النوويِّ وحده، بل بمُجملِ النفوذِ الإيرانيِّ في المنطقة ومستقبلِ الأذرُعِ المرتبطةِ به. وفي الوقتِ نفسه، تشهدُ الحدودُ اللبنانيّةُ الجنوبيّةُ مفاوضاتٍ واتصالاتٍ مباشرةً وغير مباشرة بين لبنانَ وإسرائيل حول تثبيتِ الأمنِ وترسيم الوقائعِ الجديدةِ التي فرضتها الحربُ الأخيرة.
في هذا المناخ، تكتسبُ الأنفاقُ المُكتشفةُ معنىً يتجاوزُ بُعدَها العسكريّ. فهي تمثّلُ نموذجاً للبنانَ الذي كان جزءاً من معادلةٍ إقليميةٍ تقررها عواصمُ أخرى، فيما يبدو أن المنطقةَ تتجهُ اليومَ نحو إعادةِ رسمِ قواعدِ اللعبة. والسؤالُ المطروحُ ليس مصير الأنفاق بحد ذاتها، بل مصير المنظومةِ السياسيةِ التي أنتجتها ووفرت لها الغطاءَ والشرعيةَ والوظيفة.
لقد اعتاد لبنان، منذ عقود، أن يكون بنداً على طاولاتِ المفاوضاتِ الدوليّةِ والإقليمية. أما اليوم، فثمّةَ فرصة نادرة لأن يتحول إلى صاحبِ قضيّةٍ مستقلة: قضيةِ استعادةِ الدولة. فإذا كانت واشنطن وطهران تبحثان عن تفاهمات جديدة، وإذا كانت بيروت وتل أبيب تبحثان عن ترتيباتٍ أمنيّةٍ طويلةِ الأمد، فإن المصلحةَ اللبنانيةَ الحقيقيةَ لا تكمن في ترجيح كفةِ هذا المحور أو ذاك، بل في إنهاءِ الحاجةِ أصلاً إلى أي بنيةٍ موازيةٍ للدولة.
فالسلامُ المستدامُ لا يمكن أن يقومَ فوقَ أنفاق، كما أن السيادةَ لا يمكن أن تستندَ إلى ممراتٍ سرية. وحدها الدولةُ القادرةُ والعادلةُ والشفافةُ تستطيعُ أن توفرَ الأمنَ لجميعِ مواطنيها وأن تحمي حدودَها عبر مؤسساتها الشرعية. أما عندما تصبح وظيفةُ الدفاع أو القرار الاستراتيجي أو السياسة الخارجية موزعةً بين الدولةِ وقوىً أخرى، فإن الجمهوريةَ نفسها تصبح معلقةً فوق فراغ.
لهذا السبب، قد يكون الكشفُ المستمرُّ عن الأنفاق – (وحزب الله في أوج قوّته روّج لها) – لحظةً سياسيةً أكثر منه حدثاً أمنياً. فهو يكشف للبنانيين حجمَ الهُوّةِ التي تفصل بين دولةِ النصوص ودولةِ الواقع، ويضعهم أمام استحقاقٍ تاريخيّ: هل يبقى لبنان أرضاً للنفوذِ المتقاطعِ والمشاريعِ الإقليمية، أم يعود وطناً نهائياً تحكمه مؤسساتُهُ الدستوريةُ وحدها؟
إن المفاوضاتِ الدائرةَ في المنطقة قد ترسم خرائطَ جديدةً للنفوذ، لكنها لن تبني الدولةَ اللبنانية. هذه المهمة تبقى مسؤوليةَ اللبنانيينَ أنفسهم. فالجمهورية لا تُبنى في العواصمِ الخارجية، ولا تُحمى بالأنفاقِ تحت الأرض، بل تُبنى فوقَ الأرض، في وضوح الدستور، وشرعيةِ المؤسسات، ووحدة السلاح، وسيادة القانون.
وعندما تصبح الدولةُ هي المرجعيةُ الوحيدةُ للأمنِ والسياسةِ والقرارِ الوطنيّ، عندها فقط تُردم الأنفاقُ الحقيقيّةُ والرمزيّةُ، صنيعةُ النفوذِ الخارجيِّ والدولةِ العميقةِ المُرتبطةِ به، فتخرج الجمهوريةُ من فوق الأنفاق إلى أرضٍ صلبةٍ تستحقُّ أن تُبنى عليها دولة المستقبل!
