
بقلم: الياس كساب
رئيس التحرير، باحث في الشؤون الاغترابية، واللبنانيّة، والعربيّة
٢٦ حزيران ٢٠٢٦
“ڤيزا ذهبيّة” للإرهاب وتبييض الأموال، وبطاقة حمراء للمغتربين
الثقة بدولة القانون هي وحدها الڤيزا الماسيّة للاستثمار
في بلدٍ يئنّ تحت وطأة الانهيار الاقتصادي، ويخسر كل يومٍ المزيد من شبابه وكفاءاته ومغتربيه، كان اللبنانيون ينتظرون سياساتٍ تعيد الثقة بالدولة، وتجذب الرساميل النظيفة، وتُطمئن المستثمرين الحقيقيين، لكنّ ما يُطرح اليوم تحت عنوان “الڤيزا الذهبية” يثير أسئلةً جوهريةً تتجاوز الاقتصاد إلى الأمن والسيادة ومستقبل لبنان.
إنّ منح إقامة أو امتيازات خاصة لمن يستثمر مبلغاً محدداً من المال قد يكون سياسةً معمولاً بها في عدد من الدول، لكن نجاحها يرتبط أولاً بوجود مؤسسات قوية، وقضاء مستقل، وآليات صارمة للتدقيق في مصادر الأموال وهوية المستثمرين. أما في دولةٍ تعاني ضعف الرقابة، وانتشار الفساد، وتاريخاً من استخدام نظامها المالي لتبييض الأموال والالتفاف على العقوبات، فإن أي برنامج من هذا النوع يستوجب أعلى درجات الحذر.
المخاوف التي يعبّر عنها كثيرون تتمثل في احتمال استغلال هذا البرنامج من قبل أفراد أو شبكات تسعى إلى نقل أموال غير مشروعة أو الالتفاف على القيود الدولية. لذلك، فإن أي سياسة استثمارية يجب أن تتضمن آليات تدقيق دقيقة وشفافة تتوافق مع المعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، لا أن تتحول إلى بابٍ للشكوك أو للمخاطر على سمعة لبنان المالية.
ولكنّ الأخطر أنّ المسألة لا تقتصر على البعد الاقتصادي، بل تمتد إلى البعد السيادي. ففي الوقت الذي يطالب فيه لبنان، داخلياً وخارجياً، بحصر السلاح بيد الدولة، وإنهاء أي وجود أو نفوذ عسكري خارجي على أراضيه، وفي مقدّمته نفوذ الحرس الثوري الإيراني عبر حزب الله، يبرز سؤال مشروع: هل يجوز فتح أبواب البلاد أمام رؤوس أموال قد تكون مرتبطة بأشخاص أو شبكات خاضعة لعقوبات أو موضع شبهات، من دون نظام تدقيق استثنائي وشفاف؟
إن نجاح الدولة في بسط سيادتها لا يكتمل إذا انتقل النفوذ من البندقية إلى الحسابات المصرفية. فحتى لو كان لبنان يسعى إلى إنهاء مرحلة السيطرة العسكرية غير الشرعية، فإن أي ثغرة في السياسات الاستثمارية قد تتحول، إذا غابت الضوابط، إلى وسيلة لاستعادة النفوذ نفسه بأدوات مالية واقتصادية، بما يسمح لأصحاب المصالح الإقليمية بتكوين شبكات نفوذ جديدة قادرة على التأثير في القرار الوطني وتعطيل مسار الإصلاح.
وفي المقابل، تبدو المفارقة مؤلمة. فمنذ سنوات، يهاجر اللبنانيون، ولا سيما الشباب، بحثاً عن فرصة عمل أو عن دولة تحترم القانون. فالمنتشرون الذين لطالما شكّلوا الرئة الاقتصادية للبنان، قد تلقّوا ضربةً قاسية بعد احتجاز ودائعهم في المصارف، وتراجع الثقة بالمؤسسات، واستمرار الأزمات الأمنية والسياسية والحروب وعدم الاستقرار. هؤلاء الذين ضخّوا مليارات الدولارات في الاقتصاد اللبناني لعقود، لم يحصلوا على أي خطة جدية لاستعادة ثقتهم أو تشجيعهم على الاستثمار مجدداً.
أليس الأجدى بالدولة أن تبدأ بمنح “ڤيزا ثقة” للمغتربين قبل أن تبحث عن مستثمرين جدد؟ أليس من الأولى إعادة الحقوق إلى أصحاب الودائع، وإصلاح القضاء، ومكافحة الفساد، وترسيخ الاستقرار، قبل إطلاق برامج قد تُعرّض لبنان لمزيد من التدقيق والضغوط الدولية إذا لم تُصمَّم وفق أعلى معايير الشفافية؟
إن الاستثمار الحقيقي لا يقوم على بيع الإقامات أو الامتيازات، بل على بناء دولة القانون. والدول التي تنجح في جذب الرساميل ليست تلك التي تخفف شروط الدخول، بل تلك التي ترفع مستوى الثقة بمؤسساتها، وتحمي الملكية الخاصة، وتضمن استقلال القضاء، وتحارب الفساد بلا استثناء.
لبنان لا يحتاج إلى أبوابٍ مفتوحة أمام أموال مجهولة المصدر، بل إلى أبوابٍ مفتوحة أمام أبنائه المنتشرين في العالم. هؤلاء ليسوا مجرد مستثمرين، بل شركاء في بناء الوطن، وحَمَلة اسمه في القارات الخمس.
فالسياسات الاقتصادية الحكيمة لا تُقاس بعدد التأشيرات الممنوحة، بل بنوعية الاستثمارات التي تستقطبها، وبقدرتها على حماية الأمن الوطني والسمعة المالية للدولة، والأهم باستعادة ثقة اللبنانيين أنفسهم، المقيمين منهم والمغتربين.
إنَّ الوطن الذي يمنح الأمان والثقة لأبنائه، لن يحتاج إلى بيع الإقامة لاستقطاب المستثمرين.
وإنَّ بناء الدولة لا يقتصر على جمع السلاح غير الشرعي، بل يشمل أيضاً حماية الاقتصاد من المال السياسي والمال المشبوه. فالإصلاح الحقيقي يعني أن تكون الدولة صاحبة القرار الأمني والمالي معاً، وأن تُغلق الأبواب أمام كل أشكال النفوذ الخارجي، سواء دخل بالدبابة أو بالصاروخ أو بالحسابات المصرفية.
فإذا كان لبنان يريد أن يطوي صفحة الوصايات، فلا يجوز أن يستبدل النفوذ العسكري بنفوذ مالي. وإذا كان الهدف استعادة الدولة، فإن استعادة القرار الاقتصادي لا تقل أهمية عن استعادة القرار الأمني. أما الأولوية الوطنية، فلا ينبغي أن تكون استقطاب أموال يحيط بها الشك، بل استعادة ثقة المغتربين اللبنانيين، وردّ حقوق المودعين، وبناء اقتصادٍ منتجٍ يجذب الاستثمار المشروع، لا الاستثمار الذي قد يُستخدم، في نظر منتقدي هذا التوجه، كوسيلة لإعادة إنتاج النفوذ الإيراني في لبنان من بوابة المال بعد أن ضاقت عليه بوابة السلاح.
لفخامة الرئيس جوزف عون، ولدولة الرئيس نوّاف سلام نقول: لا تقعا في هذا الفخ المنصوب لكما وللبنان، إنَّ من يُقاتل، وبشراسة، لاستمرار “القرض الحسن” والنظام المالي الموازي للدولة، لا يؤتمن على إدارة المال، فـ “المال النظيف” هو مال اللبنانيين وحده، مقيمين ومغتربين، والذي ينتظر أن تنتصر الدولة على الدويلة كي يستعيد الثقة!
الثقة، ثمّ الثقة، هي الڤيزا الماسيّة للاستثمار!
