
زياد الصَّائغ
٣٠ تموز ٢٠٢٦
نحو فاعليَّة إستقلاليَّة القضاء!
لم يعد إصلاحُ القضاء في لبنان ترفًا مؤسّساتيًّا، ولا مطلبًا فئويًّا يخصُّ الجسمَ القضائيَّ وحدَه، بل أصبح ضرورةً سياديّةً تتّصل مباشرةً بمستقبل الدّولة وقدرتِها على استعادةِ شرعيّتِها الداخليّة والخارجيّة. لقد أثبتتِ التّجاربُ أنّ احتكارَ الدّولة للقوّة المشروعة يُشكّل شرطًا لقيامِ السّيادة، كما أثبتت أيضًا أنّ احتكارَ القضاء لإنتاج العدالة هو الشّرطُ المكمّل لقيام سيادة القانون. من دون هذين الشّرطين، تبقى الدّولةُ أسيرةَ ازدواجيّاتٍ قاتلة. ازدواجيّةِ السّلاح، وازدواجيّةِ المرجعيّات، وازدواجيّةِ العدالة.
لقد استحوذتِ النّقاشاتُ الوطنيّة خلال السنوات الأخيرة على قضايا استعادة القرار الوطنيّ، وتنفيذ الدستور، وتطبيق القرارات الدوليّة ذات الصلة، وبسط سلطة الدّولة على كامل أراضيها، وهي جميعُها أولويّاتٌ لا يمكن التراجع عنها. غير أنّ ثمّة بُعدًا لا يقلُّ أهمّيّةً عنها، يتمثّل في إعادة بناء سلطة القضاء، ليس بوصفها سلطةً دستوريّةً ثالثةً فحسب، بل بوصفها المؤسّسة التي تمنحُ الشرعيّةَ لممارسة السّلطة نفسها. الدّولة لا تُقاس بقدرتها على إصدار القوانين، بل بقدرتها على تطبيقها بعدالةٍ ومساواة، ولا تُقاس بامتلاكها القوّة، بل بخضوع هذه القوّة للقانون.
من هنا، فإنّ التحدّي الحقيقيّ لا يكمن في المطالبة باستقلال القضاء باعتباره شعارًا إصلاحيًّا، بل في الانتقال إلى مفهوم أكثر نضجًا، هو فاعليّة استقلاليّة القضاء. الاستقلاليّة ليست غايةً بحدّ ذاتها، وإنّما وسيلةٌ لإنتاج قضاءٍ قادرٍ على حماية الحقوق، ومكافحة الفساد، وضمان تنفيذ القوانين، وتعزيز الثقة بالدّولة. لذلك، فإنّ السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم لم يعد هل القضاء مستقلّ؟ بل هل استقلالُه يُنتج قضاءً فاعلًا يفرض سيادة القانون؟
إنّ هذا الانتقال المفاهيميّ هو المدخلُ الحقيقيّ لأيِّ إصلاحٍ مستدام. ليس كلُّ قضاءٍ مستقلًّا قضاءً فاعلًا، كما أنّ القاضي الشجاع، مهما بلغت كفاءتُه، يبقى محدودَ القدرة إذا كان يعمل داخل بنيةٍ مؤسّساتيّةٍ معطوبة، وتشريعاتٍ متقادمة، وإدارةٍ مثقلةٍ بالبيروقراطيّة، ومواردَ بشريّةٍ وماليّةٍ غيرِ كافية، وبيئةٍ سياسيّةٍ لا تزال تنظر إلى القضاء بوصفه أحد ميادين النفوذ، لا أحد مرتكزات الدولة.
لذلك، فإنّ الخطوة الأولى في أيِّ مسار إصلاحيّ جدّي هي الاعتراف بوجود معطوبيّةٍ بنيويّة في المنظومة القضائيّة. هذا الاعتراف لا يستهدف التشكيكَ في القضاء أو الانتقاص من مكانة القضاة، بل يهدف إلى التمييز بين كفاءة الأشخاص واختلال المؤسّسة. القضاء اللبنانيّ يضمُّ قضاةً مشهودًا لهم بالنزاهة والاستقامة والشجاعة، لكنّهم يعملون ضمن منظومةٍ لم تخضع لإصلاحٍ هيكليّ شامل منذ عقود، وتحمّلت فوق طاقتها أزماتِ الانهيار الماليّ، والشلل الإداريّ، والتدخّلات السياسيّة، والتطوّرات التكنولوجيّة المتسارعة.
تتجلّى هذه المعطوبيّة في مستوياتٍ متعدّدة. دستوريّة عندما تبقى الضمانات المؤسّساتيّة غير مكتملة، وتشريعيّة عندما تتأخّر مراجعة القوانين الناظمة للقضاء، ومؤسّساتيّة عندما تتداخل الصلاحيّات أو تضعف الحوكمة الداخليّة، وإداريّة عندما يعجز الجهاز القضائيّ عن مواكبة حجم القضايا وسرعة البتّ فيها، ورقميّة عندما يبقى القضاء بعيدًا عن التحوّل الإلكترونيّ، ومجتمعيّة عندما تتراجع ثقة المواطنين/ات بقدرة العدالة على حماية حقوقهم. إنّ الإقرار بهذه المعطوبيّة ينبغي أن يقود إلى تغييرٍ في منهجيّة الإصلاح. لبنان لم يعُد بحاجة إلى إصلاحاتٍ موضعيّة تعالج مظاهر الأزمة، بل إلى سياسةٍ عامّةٍ قضائيّةٍ متكاملة، تُحدّد الأهداف، وتوزّع المسؤوليّات، وتضع مؤشّراتٍ لقياس الأداء، وتربط بين التشريع والإدارة والرقمنة والحوكمة. الإصلاح القضائيّ ليس مشروع قانونٍ فقط، بل مشروع دولة.
من هذا المنطلق، يصبح استقلال القضاء جزءًا من مشروعٍ وطنيّ أشمل لإعادة بناء المؤسّسات. العدالة لا تعمل في فراغ، بل تحتاج إلى مؤسّساتٍ أمنيّةٍ وعسكريّةٍ قادرةٍ على تنفيذ الأحكام، كما تحتاج هذه المؤسّسات بدورها إلى قضاءٍ مستقلٍّ يحمي شرعيّة عملها ويضمن خضوعها للقانون. هنا تكمن إحدى أهمّ الإشكاليّات التي غابت طويلًا عن النقاش العام، وهي أنّ العلاقة بين القضاء والجيش والقوى الأمنيّة ليست علاقة توازٍ، بل علاقة تكاملٍ سياديّ. الجيش يحمي الحدود وسيادة الأرض، والقوى الأمنيّة تحمي النظام العام، أمّا القضاء فيحمي شرعيّة استخدام القوّة. إذا اختلّ أحد هذه الأضلاع، اختلّت معادلة الدولة. لا معنى لاحتكار السلاح إذا بقي القانون انتقائيًّا، ولا معنى لاستقلال القضاء إذا عجزت الدولة عن تنفيذ أحكامه، ولا معنى للأمن إذا شعر المواطن/ة بأنّ العدالة ليست متاحةً للجميع.
من هنا، فإنّ مفهوم سيادة القانون ينبغي أن يُدرج ضمن أولويّات الأمن القوميّ اللبنانيّ، لا بوصفه مفهومًا قانونيًّا مجرّدًا، بل باعتباره أحد عناصر الاستقرار الوطنيّ. الدول لا تنهار فقط عندما تفقد السيطرة على حدودها، بل أيضًا عندما يفقد المواطن/ة ثقته بأنّ حقّه يمكن أن يُستعاد عبر القضاء، لا عبر الوساطة أو النفوذ أو موازين القوى. لذلك، فإنّ الأمن والعدالة ليسا مسارين متوازيين، بل مسارٌ واحدٌ عنوانه الدولة.
لتحقيق ذلك، يحتاج لبنان إلى الإنتقال من ثقافة إدارة الملفات القضائيّة إلى ثقافة إدارة السياسات القضائيّة. الإدارة اليوميّة للقضايا، مهما بلغت أهمّيّتها، لا تُغني عن وجود رؤيةٍ وطنيّةٍ تحدّد وظيفة القضاء في بناء الدولة. المطلوب هو الانتقال من منطق ردّ الفعل إلى منطق التخطيط، ومن معالجة التراكمات إلى استباقها، ومن إصلاح الإجراءات إلى إعادة هندسة المنظومة القضائيّة برمّتها. تقتضي هذه الرؤية اعتماد مجموعةٍ من الأولويّات العمليّة المتكاملة. تبدأ بتعزيز استقلال مجلس القضاء الأعلى، بما يرسّخ استقلال القرار القضائيّ، وتستكمل بإقرار موازنةٍ قضائيّةٍ أكثر استقرارًا، بما يؤمّن استدامة العمل المؤسّساتيّ. كما تشمل تحديث البنية التشريعيّة بما ينسجم مع التطوّرات الدستوريّة والدوليّة، وإطلاق مشروعٍ وطنيّ للعدالة الرقميّة يختصر زمن التقاضي، ويُسهّل الوصول إلى العدالة، ويعزّز الشفافيّة.
في موازاة ذلك، ينبغي الاستثمار في العنصر البشريّ، من خلال تطوير برامج التدريب المستمرّ، وتعزيز التخصّص في الجرائم الماليّة والاقتصاديّة والرقميّة، وإرساء منظومةٍ حديثةٍ لإدارة الموارد البشريّة القضائيّة. الإصلاح لا يتحقّق بالقوانين وحدها، بل بالكفاءات التي تطبّقها. كما تبرز الحاجة إلى تطوير منظومة التفتيش القضائيّ، بحيث تصبح أداةً لتعزيز الجودة والمساءلة، لا وسيلةً للتأثير أو الضغط. الإستقلال الحقيقيّ لا يتناقض مع المحاسبة، بل يفترضها. القضاء الذي يطالب باستقلاله ينبغي أن يكون أوّل المطالبين بتعزيز معايير النزاهة والشفافيّة وتقييم الأداء. في الإطار نفسه، يصبح قياس الأداء القضائيّ جزءًا أساسيًّا من الإصلاح. لا يكفي إعلان المبادئ، بل ينبغي اعتماد مؤشّراتٍ واضحة، مثل متوسّط زمن البتّ بالدعاوى، ونسبة تنفيذ الأحكام، ومستوى الرقمنة، وثقة المتقاضين، وكفاءة إدارة الملفات، وجودة الخدمات القضائيّة. الإدارة الحديثة للمؤسّسات تقوم على القياس والتقييم المستمرّ، لا على الانطباعات.
إنّ أحد أبرز التحدّيات التي تواجه القضاء اللبنانيّ يتمثّل أيضًا في استعادة الثقة العامّة. فالثقة لا تُفرض بالخطابات، بل تُبنى بالممارسة. كلّ حكمٍ عادلٍ يصدر في الوقت المناسب، وكلّ ملفّ فساد يُعالج بمعايير واحدة، وكلّ مواطن/ة يشعر بأنّه متساوٍ أمام القانون، يشكّل خطوةً إضافيّةً في إعادة بناء العلاقة بين المجتمع والدولة. لا تقلّ أهمّيّة عن ذلك ضرورة ترسيخ الثقافة الدستوريّة داخل المؤسّسات العامّة. القضاء ليس مجرّد سلطة تفصل في النزاعات، بل هو الحارس الطبيعيّ للدستور، والضامن لاستمراريّة الدولة، والمرجع الذي يحول دون تحوّل السلطة إلى امتياز، أو القانون إلى أداة انتقائيّة. من هنا، فإنّ حماية القضاء تعني حماية الدستور نفسه.
إنّ لبنان يقف اليوم أمام فرصةٍ تاريخيّة لإعادة صياغة أولويّاته الوطنيّة. إذا كانت المرحلة السابقة قد فرضت أولوية استعادة قرار السلم والحرب إلى الدولة، فإنّ المرحلة المقبلة ينبغي أن تجعل من استعادة سيادة القانون المشروع الوطنيّ المكمّل لها. الدولة الحديثة لا تُبنى على توازن القوّة فقط، بل على توازن الشرعيّة، ولا تستقرّ بمجرد بسط سلطتها على الأرض، بل عندما يشعر المواطن/ة أنّ العدالة هي المرجع الوحيد لحماية حقوقه.
لم يعُد الإصلاح القضائيّ ملفًّا قطاعيًّا، بل أصبح سياسةً سياديّةً بامتياز. إنّه جزءٌ من إعادة هندسة الدولة اللبنانية على أسس الدستور، والحوكمة الرشيدة، والمساءلة، والمواطنة المتساوية. وهو أيضًا شرطٌ لاستعادة الثقة الداخليّة، وجذب الاستثمارات، وتعزيز التعاون الدوليّ، لأنّ الدول والمؤسّسات لا تستثمر في بيئاتٍ يغيب عنها حكم القانون. إنّ فاعليّة استقلاليّة القضاء ليست مطلبًا للنخب القانونيّة فحسب، بل حقٌّ لكلّ مواطنةٍ ومواطن، وشرطٌ لنجاح أيّ مشروع إصلاحيّ، وأحد أهمّ معايير الانتقال من دولة إدارة الأزمات إلى دولة صناعة المستقبل. حين تصبح العدالة أكثر سرعةً، وأكثر استقلالًا، وأكثر شفافيّةً، وأكثر قدرةً على تنفيذ أحكامها، يكون لبنان قد خطا خطوةً حقيقيّةً نحو استعادة الدولة.
لا يكتمل مشروع الدولة السيّدة، الحرّة، العادلة، والمستقلّة، بمجرد حصر السلاح بيد المؤسّسات الشرعيّة، بل يكتمل عندما يصبح القانون وحده المرجع الأعلى للجميع، ويصبح القضاء وحده المرجع الحصريّ لإنتاج العدالة. عندها فقط تلتقي سيادة الدولة مع سيادة القانون، وتتحوّل العدالة من شعارٍ إلى ممارسة، ومن وعدٍ إلى واقع، ومن نصوصٍ دستوريّة إلى ثقافةٍ وطنيّةٍ راسخة، تُعيد إلى اللبنانيّات واللبنانيّين ثقتهم بدولتهم، وتمنح الجمهوريّة القدرة على حماية نفسها بقوّة القانون، قبل قانون القوّة.
