
بقلم : الدكتور جورج شبلي
٣٠ آب ٢٠٢٦
تحويل لبنان محميّة برعاية دوليّة
مقدّمة : لقد قيلَ، سابقًا، لولا العَيبُ، لَأَكلَ الناسُ بعضُهم البعضَ الآخر. إنّ ذُيوعَ الشرّ، وإعصارَ الشياطين، وتَفَرُّسَ الإِلغاء، جعلَت حياةَ الكثيرينَ، اليوم، ثوبًا مُستَعارًا. وقد تقنَّعَ الوطنُ بالظُّلمِ عارًا، وتفاقمَت شَقوةُ الناسِ بالاستضعافِ والتّهميش، ولم يَعُدْ زيتُ الحقِّ يَطفو، لأّنه أُزيلَ عن مَقارِّه، فأصبحَ المصيرُ أَسوَدَ الصّفحة.
موقفٌ ونقيضُه : لقد آمَنّا، واعترَفنا، بأنّ بلدَنا مَجالٌ لا تَضيقُ ظِلالُ العَيشِ فيه، حتى أُخِذنا ببدعة الشّركة في التَّعايُش، وقد عمِلنا على تدبيجِ تشريعاتٍ تتولّى حمايةَ هذا البلد، لنَسعدَ، جميعًا، فالحياةُ هي أَشرفُ الأَحباب، والقيمةُ هي لنُصرتِها، لا لمُعاداةِ الأَحياء والتي أصبحت سلوكًا يُتقنُه برابرة العصر الحديث . وقد فرَشنا للميثاقِ طولَه، علَّ الوطن يتصبَّح بالسّلامةِ ولا يَتعسَّرَ مسارُه !!!. لكنّ المُستَقوين لم يَصونوهُ بالتسلّح غير المشروع، وبإيديولوجيّة الحروبِ، وبثقافةِ الموتِ، ما جعلَ نسيجَ البلادِ مُخَرَّمًا بالثّقوبِ السوداء، وما أكَّدَ أنّ الشرَّ كانَ في الناسِ، ولن يَفنى. وقد كرَّسَ المُستَقوونَ تَقويضَ القِيَمِ الوطنيّة، فطعنوا بالكيان، وبسيادة الدولة، وصادروا قرارها… فباتت الدولةُ إِعلانًا فوقَ حائطٍ، أُزيلَ عندَ أوّلِ زَخَّة.
هذا الانحطاطُ على مستوى الانتماء والولاء، قضى على حلمِ النّاس بتطلُّعِهم الى وطنٍ حرٍّ لا تُحبَطُ فيه آمالُ الأجيالِ الآتية. لقد كتبَ هذا الانحطاطُ المُستَفِزّ، وثيقةَ انهيارٍ للسيادة، ما سَطّحَ فكرةَ الدولة، وأنتجَ خيبةً، وانقباضًا في عزيمةِ المؤمنينَ بالشِّركةِ الوطنيّة، فتزعزعَتِ الثّقةُ، وتنامى الشّعورُ بالإحباط.
إنّ بعضَ الناسِ توغَّلَ في الحلمِ الوَرديِّ، حتى حَسبَه حقيقةً عاشَها بِشَغَفٍ واندفاع. لكنّ الاستيقاظَ، بعدَ سلسلةِ الهزّاتِ التي استهدفَتِ الوجودَ، والمصيرَ، والكيان، شكّلَ خاتمةً بائسةً لِسَرابٍ هائم، فتشَقَّقَ الأملُ الكَرتونيُّ، وتحوَّلَ الى يأسٍ قاتِل، إذ بَدا، وبوضوحٍ، الزَّيَفُ الطّاغي الذي جعلَ الواقعَ المَعيوشَ ميؤوسًا منه، حتى العُمق.
أساسُ المشكلة: إنّ المشكلةَ تكمنُ في وجودِ الوطن، أي الكيان، وهو الأمرُ الأَشَدُّ حساسيّةً، بل خَطَرًا. والخطرُ يكمنُ في إِلغاء الحالةِ العلائقيّةِ بين الإنسانِ والأرض، وتحويلِ التّكاملِ العُضويِّ بين المواطنِ والوطنِ الى رَميم. إنّ السياديّين الحقيقيّين أثبتوا أنّ الصورةَ ” الوجوديّةَ ” لم تكن صِناعيّةً، إنّما هي إيمانيّةٌ بامتياز، تَرشَحُ مبادئَ، وقِيَمًا، تُعمِّقُ التّداخل، أو الشّراكةِ مع الكيانِ الوطني، في الأمسِ والغَد.
إنّ تفسيرَ هذه المعادلةِ المُعقَّدةِ يكمنُ في كلمةِ “مصير”. فالفريقُ الذي يعيشُ حالةً اندماجيّةً مصيريّة مع كيانِهِ الوطنيّ، ليُشكِّلا نموذجًا شَراكيًّا، وحالةً من التّماهي المُطلَق، يرفضُ تعريفَ “اللّاكيانيّين” بأنّ لبنانَ هو وطنُ المُصادفة، ففي ذلك مؤامرةٌ مرفوضة يهلِّلُ لها المُنقلِبونَ على الوطن. إنّ أصحابَ المؤونةِ الكيانيّةِ، يعتبرون الأرضَ امتدادًا لذواتِهم، ومُحيطَ كيانِهم الوجوديِّ الى الأبد، وبالتالي، سلكوا مسارًا مَتَّنَ رابطَهم الحيويَّ بالوطن، فعمّقوا، معه، تلك العلاقةَ القدسيّةَ التي كُونِنَتْ أمّة. وهم، اليوم، يشكّلون حالةَ مُمانعةٍ لأَيِّ تخطيطٍ مؤامراتِيّ، ويعملونَ على ترسيخِ ثقافةٍ كيانيّةٍ تَصونُ المفاهيم، وتُلحِقُ صفةَ القداسةِ بالكيانِ، في وجهِ مَن يريدونَ تَقويضَه، والذين يرتكبونَ، بذلك، خطيئةً أصلية، بل جريمة موصوفة.
إنّ الارتكاباتِ وتداعياتِها المتراكمة، أجهضَت ما سُمِّيَ الميثاق الوطنيّ الذي يدعو الى عَقدِ الخناصرِ للتّشاركِ في الولاء للوطن، ولُزومِ الالتفافِ حولَ قِيَمِ الوطنيّةِ والوحدةِ والاستقلال، وتَبنّي الدّفاعِ عن العدالةِ والحريّةِ والمساواة. وإزاءَ الاغترارِ الذي سدَّ منافذَ الرّشدِ عندَ المُهَوِّلين، الذين يتبنّون المنهجيةَ “الستالينية” التي ترفضُها عصورُ التَّنوير، وبمواجهةِ لغةِ التّعالي الإرهابيّ، وتوزيعِ شهاداتِ الخيانةِ والعَمالةِ، واعتبارِ بعضِ الناسِ رعايا أو سَبايا، والتّهديدِ بالعنفِ والحربِ الأهلية، لا يمكنُ مناقشةُ مضمونِ التّشاركِ المُهَشَّم، ما يدفعُ، حُكمًا، إلى دَعوةٍ مُلِحَّةٍ لتحويل لبنان محميّة برعاية دولية.
إنّ الظّروفَ المُعاشة، حاليًا، واضحة الخلفيّاتِ، وكذلك المَرامي. فالتسلُّطُ يؤكِّدُ على أنّ المُستَقوي يعتبرُ الناسَ دُمىً معقَّمةً أو جُثَثًا متجوِّلة، ويتَمادى في فِعلِ الشرِّ، والفوضى، والخروجِ على الأَعرافِ والمواثيق، وتزدهرُ، معه، الدّعواتُ الى تركيباتٍ هجينةٍ تقلبُ الموازينَ، وتُضَيِّعُ الكيان. وأمامَ هذا السّلوك، يبرزُ مَطلوبٌ واحدٌ، وهو النّضالُ لقيامِ دولةٍ ذاتِ سيادةٍ على كاملِ مساحةِ الوطن، تُمسكُ بقرارِها، وتوفِّرُ لمواطنيهاةالحريةَ، والعدالةَ، والسّلامَ، والاستقرارَ، والطمأنينةَ الى المستقبل، استنادًا الى ثوابتَ ومفاهيمَ واحدةٍ للمواطنةِ، وللعلاقةِ الحتميّةِ بوطنٍ نهائيِّ الكيان.
خاتمة: في إطارِ القهرِ، والإكراهِ، والتّمييزِ، والعدوانيّة، والتَبشيرِ بفتنةٍ تطحنُ الوطن، لا تتوقّعوا جبانةً أو انحِسارًا للعنفوانِ، أو خَوفًا تراجيديًّا، أو تَلَطِّيًا خلفَ جدرانِ الحَذَر، أو قَبولًا بالتَّدجين، فالكرامةُ قبلَ الصحّة. نحن لسنا متيَقِّنين، أقلّه حتى اليوم، بأنّ بعضَ “الذَّوات” قد ذابَ في ذاتِ لبنان. وحتى اليوم، أيضًا، لا زلنا نشكّ بأنّ ذلك سيحصل. لذلك، نطالبُ، ولخلاص الوطن، بتحويل لبنان محميّة برعاية دوليّة …
