
مسعود معلوف
سفير متقاعد
١٣ ايلول ٢٠٢٦
كي لا يفقد اللبنانيون الأمل
عندما تسلم العماد جوزاف عون رئاسة البلاد وأصبح الدكتور نواف سلام رئيساً للحكومة، ساد في لبنان جو من التفاؤل لما يعرفه المواطنون عن القادة الجدد من وطنية ونزاهة وخبرة، وعزم في إخراج لبنان من الأوضاع السلبية التي يتخبط فيها منذ سنوات، وإرادة في إعادة لبنان الى عصره الذهبي الذي يتوق اليه اللبنانيون.
لقد عانى المواطن اللبناني من الأوضاع الإقتصادية الصعبة، ومن الفساد في قسم كبير من دوائر الدولة، وخاصة من الأزمة المصرفية التي حرمت مئات آلاف أو ربما ملايين اللبنانيين من الوصول الى ودائعهم ومدخراتهم التي قضوا سنوات في تجميعها، في الوقت الذي يسمع فيه كيف أن عدداً غير قليل من كبار المسؤولين وأصحاب المصارف والمقربين منهم تمكنوا من تحويل أموالهم خارج لبنان بينما سائر المودعين بالكاد يحصلون على بضع مئات من الدولارات شهرياً، وهي تكاد لا تكفي لتسديد الحاجات الضرورية.
لقد سبق لي أن كتبت مقالة في أواخر شهر آذار/ مارس من العام الماضي بعنوان “التحديات التي تواجهها الحكومة اللبنانية” مركزاً آنذاك على مسألة التحقيق في تفجير مرفا بيروت، ومحاربة الفساد، والأزمة المصرفية، والوضع الإقتصادي العام، وختمت تلك المقالة بعد التركيز على الآمال المعقودة على الحكام الجدد قائلاً: ” إن لم يتمكن العماد جوزاف عون والدكتور نواف سلام بكل ما أوتيا به من نزاهة وإرادة وخبرة واسعة من تحقيق تقدم ملموس في قسم من هذه المشكلات، فإن اللبنانيين سيصابون بفقدان الأمل بمستقبل بلدهم، وسنرى موجة جديدة من هجرة المقيمين الى الخارج وابتعاد المغتربين عن العودة الى الوطن والإستثمار فيه. أملنا كبير بنجاح هذا العهد، ونتمنى كل الخير والتوفيق لهذه الحكومة الجديدة التي نثق بها إلى أبعد الحدود.”
كان ذلك منذ سنة ونصف من الآن. وإذا شئنا أن نجري جردة لما تم تحقيقه حتى الآن، في أي من هذه الأمور، فإننا سنجد كم هو القليل القليل الذي يمكن أن نراه من الإنجازات.
فخطاب القسم الذي أدلى به فخامة الرئيس جوزاف عون بعد انتخابه، والبيان الوزاري الذي على أساسه نالت حكومة الرئيس نواف سلام ثقة المجلس النيابي، وضعا سقفاً سياسياً عالٍ جداً عندما تم التأكيد على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وحدها والتي يحق لها اتخاذ قرار الحرب والسلم دون سواها.
وخيراً ما فعلت الحكومة بعدم السعي الى تطبيق هذا القرار بالقوة وعبر الجيش اللبناني لأن ذلك كان من شأنه ان يؤدي الى احتمال وقوع حرب أهلية لا يستطيع لبنان أن يتحملها، والشعب اللبناني بصورة عامة لا يريدها.
أما بالنسبة الى المشكلات الكبرى التي يعاني منها لبنان، فمن الصعب جداً إيجاد إنجازات تحققت حتى الآن. فبالنسبة الى موضوع محاربة الفساد، يصعب تسجيل أي أمر إيجابي تحقق في هذا المجال. لم نسمع عن أية محاكمة حصلت لأي من الفاسدين بل غالباً ما نسمع ونقرأ في وسائل الإعلام عن الصعوبات التي يلاقيها المواطنون عند محاولتهم إنجاز معاملاتهم في الدوائر الحكومية، وكيف يضطرون الى اللجوء الى رشوة الموظفين لحملهم على القيام بواجباتهم.
وفيما يتعلق بالأزمة المصرفية، حتى الآن، لم يتغير شيء بالنسبة الى تمكين المودعين من الوصول الى ودائعهم في المصارف، كما أننا لم نسمع عن أية ملاحقة لمسؤول مصرفي قام بتحويل مئات الملايين من الدولارات الى الخارج لعدد من كبار المسؤولين. أي انه لم يحصل أي تقدم في حل هذه المشكلة التي طالت معظم اللبنانيين وقسماً غير قليل من المغتربين الذين تم تشجيعهم على إيداع أموالهم في المصارف اللبنانية لقاء فوائد مرتفعة، بعد أن تم الإستيلاء، بطريقة من الطرق، على هذه الودائع.
وفيما يتعلق بموضوع التحقيق في تفجير المرفأ، فقد سمعنا أن القاضي طارق بيطار عاود نشاطه في هذا الملف بعد تعطيل التحقيقات في العهد السابق، وأن القرار الظني قد يصدر قريباً، علماً أن أياً من المسؤولين الذين تم استدعاؤهم للتحقيق معهم في هذه المسألة لم يقبل بالقدوم الى المحكمة للإدلاء بإفادته.
وبالنسبة الى الأوضاع الإقتصادية العامة، لا أعتقد أن أحداً يستطيع القول أن تحسناً وإن كان محدوداً قد تحقق حتى الآن في هذا المجال، فأسعار المواد الغذائية ما زالت مرتفعة بشكل كبير، وأقساط المدارس تزداد ارتفاعاً، والرواتب والأجور تكاد لا تكفي لسد الحاجات الضرورية للمواطنين.
فبناء على ما تقدم، لا يبدو أن تحسناً ملموساً قد حصل في أي من المشكلات الأساسية التي يعاني منها المواطنون اللبنانيون. فكيف يمكن لهذا العهد الجديد الذي علق عليه اللبنانيون آمالاً كبيرة، أن لا يحمل اللبنانيين على فقدان الأمل ليس بالعهد فحسب، بل بالوطن وبمستقبله؟والسؤال الهام الذي ينبغي طرحه هو التالي:
هل فات الأوان ولم يعد هنالك من إمكانية لتحقيق تقدم ملموس في طريق حل مشكلات الوطن والمواطن؟
أنا أعتقد أن الإرادة عند رئيس الدولة ورئيس الحكومة ما زالت موجودة بقوة من أجل إخراج البلد من المشكلات التي يتخبط فيها، وخير دليلل على ذلك هو المباشرة بالمفاوضات التي ترعاها الدولة مع إسرائيل من أجل إنهاء الحرب، وتحرير الأرض من الإحتلال وإعادة إعمار ما دمره الجيش الإسرائيلي. وهذا المسعى هو من الأولويات في الوقت الحاضر، وإن كان قسم من اللبنانيين، وفي طليعتهم حزب الله يعارضون هذا المسار.
ولكن المطلوب حالياً من أجل إقناع المواطن بأن الحكومة تقوم بكامل واجباتها ليس القرارات الكبرى التي يصعب تطبيقها مثل نزع سلاح حزب الله، بل الإهتمام بالمسائل الحياتية التي تعني المواطن في حياته اليومية. نسمع كل يوم شكاوى المواطنين من سوء الخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء وما يضطرون لدفعه من اشتراكات مرتفعة جدا لموتورات الكهرباء، وشراء الماء بالرغم من دفع الإشتراك المطلوب للدولة لدرجة أن البعض يرون أن التغذية بالكهرباء كانت الى حد ما أفضل قبل تسلم وزراء الحكومة الحالية مهماتهم!
لذلك أعتقد أن مجرد إظهار اهتمام الحكومة الحالية بهذه الأمور بغية تحسينها، وإن قليلاً، من شأنه أن يريح المواطن ويحمله على اتخاذ مواقف أكثر إيجابية من هذا العهد، إذ أن مسألة الخدمات الأساسية مثل تأمين الكهرباء والماء، ومراقبة اسعار السلع الأساسية، والبدء باتخاذ مواقف واضحة ضد الفساد، كلها أمور تُظهر اهتمام الحكومة بشؤون المواطنين، خاصة وأن هذه الأمور تطال حياتهم اليومية أكثر من أي موقف سياسي قد تتخذه الحكومة، وإن كان موقفاً هاماً جداً على صعيد السياسة الخارجية أوعلاقات لبنان الدولية.
إن فخامة الرئيس جوزاف عون ودولة الرئيس نواف سلام هما أفضل ما يمكن أن يراه اللبنانيون على رأس الهرم الحكومي، وإن عدم نجاحهما في قيادة الدولة نحو شاطئ الأمان سيؤدي دون أدنى شك الى فقدان الأمل بهذا الوطن الفريد من نوعه، إذ كيف للمواطن اللبناني ان يقتنع بأن أمامه مستقبل جيد وأفضل من الحاضر إن كان خيرة الحكام لم يتمكنوا من تحقيق تقدم ملموس في حياته وظروف معيشته.
الأمل ما زال معقوداً على القيادة الحالية لإخراج لبنان من الظروف القاسية التي يمر بها. وبعيداً عن سلاح حزب الله والإعتداءات الإسرائيلية الوحشية على المدن والقرى والمنشآت اللبنانية وضرورة قيام الدولة بكل ما يمكن القيام به من أجل إنهاء الحرب وتحرير الوطن، تبقى مسألة الخدمات الأساسية معياراً لجدية الحكومة بالإهتمام بالأمور الحياتية الأساسية التي تهم المواطن بصورة عامة، وهذا هو بالنتيجة المعيار الذي يُقاس به نجاح أي عهد أو فشله.
تمنياتنا القلبية لفخامة الرئيس عون ولدولة الرئيس سلام بالنجاح في عملهما الجاد لمصلحة الوطن والمواطن، وكلني ثقة بهما لقناعتي بأنهما أفضل من يمكن أن يحكم هذا البلد.
