
زياد الصَّائغ
٢٧ آب ٢٠٢٦
التحوّلات الجيو-سياسيّة الإقليميّة والدوليّة
نحو توازن القِيَم بديلًا عن توازن القوى!
يعيش العالم اليوم مرحلةً يصعب توصيفها بوصفها مجرّد انتقالٍ من نظامٍ دولي إلى آخر، أو تحوّلًا في موازين القوى بين شرقٍ وغرب، أو بين شمالٍ وجنوب. إنّ ما نشهده هو تحوّل حضاري شامل يطال المفاهيم التي تأسّست عليها العلاقات الدوليّة منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية، ويطرح أسئلة تتجاوز مَن يمتلك القوّة، إلى مَن يمتلك الشرعيّة، ومَن يحدّد القواعد، ولأيّ غاية تُستخدم القوّة أصلًا.
النظام العالمي الذي قام طويلًا على توازنات القوى، ثمّ على الردع، وصولًا إلى أحاديّة الهيمنة في مرحلةٍ معيّنة، يواجه اليوم أزمةً بنيويّة. لقد نجح نسبيًّا في إدارة توازنات المصالح والقوّة، لكنّه أخفق في بناء توازنٍ مستدام للقِيَم. من أوكرانيا إلى غزّة، ومن إيران إلى إسرائيل ولبنان فالبحر الأحمر وشرق المتوسّط، لا تبدو الأزمات التي نعيشها أحداثًا منفصلة، بل تعبيرًا عن تصدّع أصاب البنية الفكريّة والسياسيّة للنظام العالمي نفسه. لقد تغيّرت أدوات الصراع، وتبدّلت التحالفات، وصعدت قوى وتراجعت أخرى، لكنّ الأزمة الحقيقيّة بقيت واحدة. غياب الإنسان عن مركز السياسة. هنا تحديدًا يكمن التحدّي.
لم يعد السؤال فقط كيف نعيد تنظيم موازين القوى؟ بل أيّ عالم نريد أن ينتج من هذه التحوّلات؟ هل نريد نظامًا أكثر قدرةً على إدارة الحروب، أم نظامًا أكثر قدرةً على منع إنتاجها؟ هل نكتفي بإعادة توزيع النفوذ بين القوى الكبرى، أم نجرؤ على إعادة النظر في الفلسفة التي تحكم ممارسة القوّة نفسها؟ إنّ التحوّلات الراهنة تكشف، سقوط ثلاثة نماذج كبرى شكّلت جانبًا مهمًّا من تاريخ القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين. نموذج حلف الأقليّات، ونموذج أسْلَحة الأديان، ونموذج الديكتاتوريّات. غير أنّ سقوط هذه النماذج لا يكفي بذاته لبناء مستقبلٍ أفضل، ما لم ترافقه رؤية جديدة تعيد الاعتبار للحرّيّة والعدالة والحوار والكرامة الإنسانيّة باعتبارها مرتكزات للعلاقات الدوليّة، لا مجرّد فضائل أخلاقيّة مضافة إلى السياسة.
- سقوط نموذج حلف الأقليّات
نشأ نموذج حلف الأقليّات في سياقات تاريخيّة ارتبطت بتفكّك الإمبراطوريات، وبالتدخّل الخارجي في إدارة التنوّع الديني والإثني، ولا سيّما في الشرق الأوسط. لقد قام هذا النموذج على فرضيّة بدت للوهلة الأولى منطقيّة، أنّ الجماعات الأقل عددًا لا تستطيع ضمان وجودها إلّا من خلال الارتهان إلى قوّة إقليميّة أو دوليّة تحميها من الأكثريّة. لكنّ هذه الفرضيّة حملت في داخلها تناقضًا بنيويًّا. فهي لم تنتج مفهوم المواطنة، بل أضعفته. ولم ترسّخ الدولة، بل همّشتها. كما أنّها لم تجعل الأقليّات أكثر أمنًا، بل أكثر ارتهانًا لتقلّبات المصالح الخارجيّة. أثبت التاريخ أنّ الحمايات الخارجيّة مؤقّتة بطبيعتها، لأنّها ترتبط بالمصلحة لا بالمبدأ. وعندما تتغيّر المصالح، تتبدّل الاصطفافات، وتكتشف الجماعات أنّها كانت جزءًا من لعبة نفوذ، لا طرفًا في عقدٍ سياسي وأخلاقي دائم. المشكلة الأعمق أنّ هذا النموذج حوّل الجماعات إلى هويّات سياسيّة مغلقة، بدل أن تكون مكوّنات وطنيّة متساوية. أصبح الانتماء إلى الجماعة يسبق الانتماء إلى الدولة، وأصبح الخوف هو الأساس الذي تُبنى عليه العلاقات السياسيّة المتبادلة بدل الثقة. ما نشهده اليوم، رغم كلّ التعثّر والتناقضات، يفتح الباب أمام إعادة الاعتبار للدولة الوطنيّة الدستوريّة، ولمبدأ المواطنة المتساوية، وللمؤسّسات وسيادة القانون. لا يمكن أن تُدار المجتمعات إلى ما لا نهاية بمنطق الحمايات. ولا يمكن بناء مستقبل التعدّديّة على حِلف الأقليّات في مواجهة الأكثريّات، أو الأكثريّات في مواجهة الأقليّات. مستقبل التعدّديّة يقوم على دولةٍ عادلة تساوي بين جميع مواطنيها/تها، وتحمي حقوقهم بوصفهم مواطنين/ات، لا رعايا طوائف أو جماعات تبحث كلّ منها عن حامٍ خارجي. هذه المسألة شديدة الأهميّة بالنسبة إلى الشرق الأوسط تحديدًا. فالمنطقة التي دفعت أثمانًا باهظة نتيجة تحويل التنوّع إلى مصدر خوف، تحتاج اليوم إلى إعادة اكتشافه بوصفه مصدر غنى. وهذا الانتقال لا يتمّ بالشعارات، بل ببناء دولة القانون، وإنتاج مواطنة متساوية، وترسيخ ثقافة سياسيّة تجعل الدستور مرجعيّةً أعلى من موازين القوى الأهليّة والإقليميّة.
- سقوط نموذج أسْلَحة الأديان
إذا كان حلف الأقليّات قد حوّل الهويّة إلى أداة حماية سياسيّة، فإنّ نموذج أسْلَحة الأديان حوّل الإيمان إلى أداة قوّة. هذا التحوّل يمثّل أحد أخطر الانحرافات التي عرفها الفكر السياسي المعاصر. الأديان التي حملت، في جوهرها، رسائل تتّصل بكرامة الإنسان والحرّيّة والمحبّة والعدالة والرحمة، جرى توظيفها، في سياقات عديدة، لإنتاج الخوف، والتعبئة، وتبرير العنف والهيمنة، وبناء الاصطفافات. المشكلة هنا ليست في الدين، بل في تسليح الدين؛ أي في تحويل المقدّس إلى مورد سياسي، وفي إضفاء شرعيّة دينيّة على مشاريع تتناقض، في كثير من الأحيان، مع جوهر الأديان نفسها. لقد رأينا كيف تحوّلت بعض المرجعيّات والخطابات الدينيّة، في أكثر من مكان، إلى جزء من استراتيجيّات الصراع الإقليمي والدولي، وكيف غدا الإيمان أحيانًا وسيلةً لتحديد الاصطفافات السياسيّة والعسكريّة بدل أن يكون مساحةً لبناء الإنسان. حين يصبح الدين سلاحًا، يخسر الدين قبل أن يخسر الإنسان. لأنّ رسالة الدين لا يمكن اختزالها في إنتاج الانتصار على الآخر، بل في إنتاج إنسان قادر على الاعتراف بالآخر. الأديان لا تحتاج إلى سلاح لكي تحمي رسالتها، لأنّها تكون أقوى حين تبقى أمينةً لرسالتها. وما تحتاج إليه اليوم هو التحرّر من الاستخدام السياسي الذي يشوّه صورتها ويدخلها في صراعات المصالح والمشاريع الجيو-سياسيّة. التحدّي أمام الأديان في القرن الحادي والعشرين هو أن تستعيد دورها كحاضنة للقِيَم الكونيّة المشتركة. كرامة الإنسان، والعدالة، والمحبّة، والرحمة، والحوار، والمصالحة، والمسؤوليّة تجاه الإنسان والخليقة. عندها فقط تتحوّل الأديان من أدوات اصطفاف إلى قوّة سلام، ومن مبرّر للصراع إلى محرّك للمصالحة، ومن جزءٍ من المشكلة إلى شريكٍ حقيقي في بناء الحلول.
- سقوط نموذج الديكتاتوريّات
بالتوازي مع هذين النموذجين، يتهاوى أيضًا نموذج الديكتاتوريّات؛ لا باعتباره مجرّد شكلٍ من أشكال الحكم، بل بوصفه فلسفةً كاملة في إدارة المجتمع والدولة. الديكتاتوريّة، مهما اختلف عنوانها أو مرجعيّتها، تقوم على ثلاثيّة واضحة. إحتكار الحقيقة، واحتكار القرار، واحتكار القوّة. هي تفترض أنّ المجتمع لا يستطيع إدارة نفسه، وأنّ المؤسّسات ينبغي أن تخضع لإرادة الحاكم، بدل أن يخضع الحاكم للمؤسّسات والدستور والقانون. لقد أثبتت التجارب أنّ هذا النموذج يستطيع، في بعض الأحيان، فرض استقرارٍ أمني لفترة محدودة، لكنّه يفشل في إنتاج استقرار سياسي مستدام، أو تنمية حقيقيّة، أو مواطنة فاعلة. فالاستقرار القائم على الخوف هشّ بطبيعته، لأنّه يؤجّل الانفجار ولا يمنعه. الدولة الحقيقيّة لا تُقاس بقدرتها على إسكات المجتمع، بل بقدرتها على تنظيم اختلافاته. ولا تُقاس بقوّة الحاكم، بل بقوّة المؤسّسات. ولا تُقاس بقدرتها على احتكار المجال العام، بل بقدرتها على ضمان الحرّيّات ضمن سيادة القانون. إنّ المؤسّسات وسيادة القانون هما القادرتان على تحويل الاختلاف من مصدر تهديد إلى مصدر غنى. لذلك فإنّ سقوط الديكتاتوريّات، حين يحدث، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره انتصار تيّار سياسي على آخر، أو جماعة على أخرى، بل بوصفه فرصةً لانتصار فكرة الإنسان على فكرة السلطة المطلقة. لكنّ التاريخ يعلّمنا أيضًا أنّ سقوط الاستبداد لا ينتج تلقائيًّا ديموقراطيّة. قد يكون أخطر ما بعد الديكتاتوريّة هو الفراغ الذي يملؤه العنف أو الفوضى أو العصبيّات أو التدخّلات الخارجيّة. لذلك فإنّ الانتقال الحقيقي يقتضي بناء مؤسّسات، وإعادة تأسيس العقد الاجتماعي، وترسيخ المواطنة، وضمان استقلال القضاء، واحترام التعدّديّة، وربط السلطة بالمحاسبة.
- من إدارة الخوف إلى صناعة المعنى
قد تستطيع الجيو-سياسة تفسير حركة القوى والمصالح، لكنّها تبقى عاجزة وحدها عن تفسير المعنى. فهناك فارق بين أن نعرف لماذا تتحرّك دولة ما، وبين أن نسأل إلى أين تقود هذه الحركة الإنسان والمجتمع والنظام الدولي. من هنا تصبح القِيَم ضرورةً سياسيّة، لا زينةً أخلاقيّة. عندما تتحوّل الهويّة إلى أداة اصطفاف، والدين إلى غطاء لمشاريع الهيمنة، والقوّة إلى بديل من القانون، تفقد السياسة قدرتها على أن تكون أداةً لإدارة الصالح العام، وتتحوّل شيئًا فشيئًا إلى إدارة دائمة للخوف. السياسة التي تنتج الخوف تستطيع أن تنتج الطاعة، لكنّها لا تنتج الثقة. تستطيع أن تفرض صمتًا، لكنّها لا تبني استقرارًا. وتستطيع أن تؤجّل الصراع، لكنّها لا تصنع سلامًا. المطلوب، إذًا، ليس إخراج القِيَم من الواقعيّة السياسيّة، بل إعادة إدخالها في تعريف الواقعيّة نفسها. المحبّة، في معناها الإنساني والمدني، ليست قيمةً عاطفيّة مجرّدة، بل اعتراف بكرامة الآخر. والعدالة ليست مفهومًا قانونيًّا فقط، بل شرط السلام الحقيقي. والحوار ليس وسيلةً لتخفيف التوتّر فحسب، بل فلسفة لإدارة الاختلاف من دون إلغائه.
- من إدارة الأزمات إلى بناء السلام
إذا كانت النماذج الثلاثة تتراجع، فإنّ العالم لا يزال بعيدًا عن امتلاك البديل. لقد أُسّس النظام الدولي الحديث على توازنات القوى، ثمّ على إدارة المصالح، ثمّ على اقتصاد العولمة. لكنّ الوقائع أثبتت أنّ توازنات القوى لا تمنع الحروب، وأنّ المصالح وحدها لا تنتج العدالة، وأنّ الاقتصاد وحده لا يبني الاستقرار. التحدّي الحقيقي لم يعد بناء عالمٍ أكثر قوّة، بل بناء عالمٍ أكثر إنسانيّة. هذا يقتضي الانتقال من مفهوم إدارة الأزمات إلى مفهوم بناء السلام، ومن منطق الردع المتبادل إلى منطق الثقة المتبادلة، ومن توازن المصالح إلى توازن القِيَم. هذا ليس خطابًا مثاليًّا أو رومانسيًّا. بل هو، في جوهره، سؤال واقعي يتعلّق بكلفة النظام الدولي القائم. فحين تصبح الحروب مفتوحة، والحدود هشّة، والمجتمعات مهدّدة، والاقتصادات عرضةً للصدمات، والهجرة والنزوح أدوات ضغط، والمياه والغذاء والطاقة والتكنولوجيا عناصر في صراع النفوذ، يصبح إدخال البعد القِيَمي إلى السياسة جزءًا من مقتضيات الأمن والاستقرار، لا ترفًا أخلاقيًّا. هنا يمكن تحديد أربعة مرتكزات مترابطة لإعادة هندسة العلاقات الدوليّة.
أوّلًا- إعادة الاعتبار لكرامة الإنسان باعتبارها الغاية العليا للسياسات. الدولة موجودة لخدمة الإنسان، لا الإنسان لخدمة مشاريع القوّة. والسيادة نفسها تفقد معناها إذا لم تتحوّل إلى حماية لحقوق المواطنين وأمنهم وكرامتهم.
ثانيًا– جعل العدالة الدوليّة مرجعيّة فعليّة لا انتقائيّة. لا يمكن بناء نظام دولي مستقرّ حين تُطبّق المبادئ على دول وتُعطّل أمام دول أخرى. ازدواجيّة المعايير لا تضعف القانون الدولي فحسب، بل تدمّر الثقة به وتفتح المجال أمام شرعنة منطق القوّة.
ثالثًا– الانتقال من إدارة التنوّع بمنطق الخوف إلى إدارته بمنطق المواطنة والشراكة. المجتمعات المتعدّدة لا تحتاج إلى حماية مكوّناتها بعضها من بعض، بل إلى دولة تحمي الجميع، وإلى عقد مواطنة يحرّر الأفراد والجماعات من هواجس العدد والغلبة.
رابعًا– إعادة إدخال البعد الأخلاقي إلى العلاقات الدوليّة. المصلحة مشروعة، لكنّها لا تستطيع وحدها تأسيس نظام مستدام. والقوّة ضرورة في السياسة، لكنّ القوّة التي لا تضبطها العدالة تتحوّل إلى هيمنة.
هذه المرتكزات هي جوهر الانتقال من إدارة المصالح إلى بناء نظام أكثر قدرة على الجمع بين الواقعيّة والقِيَم. وهو الانتقال الذي طرحت الورقة الأصلية ضرورته بوضوح. من إدارة الأزمات إلى بناء السلام، ومن الردع المتبادل إلى الثقة المتبادلة، ومن توازن المصالح إلى توازن القِيَم.
- نحو توازن جيو-سياسي جديد
ما نعيشه اليوم ليس نهاية عصر سياسي فحسب، بل بداية بحثٍ عن نموذج حضاري جديد. لن يكون هذا النموذج قادرًا على الاستمرار إذا اكتفى بإعادة توزيع النفوذ بين القوى الكبرى، لأنّ الأزمة ليست فقط في مَن يقود العالم، بل في الكيفيّة التي يُقاد بها العالم. إنّ التوازن الجيو-سياسي الذي نحتاج إليه لا يمكن أن يقوم على منطق الهيمنة، بل على منطق المسؤوليّة. ولا على صراع الحضارات، بل على شراكة الحضارات. ولا على إدارة الخوف، بل على بناء الثقة. هذا التحوّل يحتاج إلى خمس قواعد تأسيسيّة:
- أن يسبق الإنسان الهويّة. فلا تُختزل قيمة الإنسان بانتمائه الديني أو الإثني أو السياسي.
- أن تسبق المواطنة الجماعة مع صَون حقوق الفرد. فلا تكون الحقوق مرتبطةً بالعدد أو بالقوّة، بل بالكرامة الإنسانيّة المتساوية.
- أن تسبق العدالة القوّة. لأنّ القوّة التي لا تضبطها العدالة تتحوّل، عاجلًا أم آجلًا، إلى هيمنة تنتج صراعات جديدة.
- أن يسبق الحوار الصراع. لأنّ إدارة الاختلاف بالحوار أقلّ كلفةً من إدارة النزاعات بالحروب، ولأنّ التسويات التي تنتج من الاعتراف المتبادل أكثر استدامةً من التوازنات التي تفرضها القوّة وحدها.
- وأن تسبق المحبّة الخوف. لأنّ معظم النزاعات الكبرى بُنيت على صناعة الخوف من الآخر، بينما يبدأ السلام الحقيقي عندما يتحوّل الآخر من تهديد إلى شريك في الإنسانيّة.
قد تبدو هذه المبادئ بعيدة عن اللغة التقليديّة للجيو-سياسة. لكنّ المشكلة تكمن تحديدًا في أنّ الجيو-سياسة حُصرت طويلًا في الجغرافيا والقوّة والمصالح والنفوذ، بينما أُبعد الإنسان والقِيَم عن صلب المعادلة. النتيجة أمامنا. قوّة أكبر، أسلحة أكثر تطوّرًا، اقتصادات أكثر ترابطًا، وتكنولوجيا أكثر قدرةً على السيطرة، وفي المقابل عالم أكثر خوفًا وهشاشةً وانقسامًا. لذلك، فإنّ إعادة الإنسان إلى مركز السياسة ليست خروجًا من الواقعيّة؛ إنّها محاولة لإعادة تعريف الواقعيّة نفسها.
- الشرق الأوسط
من ساحة توازنات إلى مساحة بناء نموذج جديد
تكتسب هذه المقاربة أهميّةً مضاعفة في الشرق الأوسط، لأنّ المنطقة كانت، طوال عقود، أحد أبرز المختبرات التي اختُبرت فيها النماذج الثلاثة. حلف الأقليّات، وأسْلَحة الدين، والديكتاتوريّات. لقد دُفعت المنطقة مرارًا إلى الاختيار بين الأمن والحرّيّة، وبين الدولة والجماعة، وبين الاستقرار والعدالة، وبين حماية الخصوصيّات وبناء المواطنة. وفي كلّ مرّة جرى فيها تقديم أحد هذه العناصر باعتباره نقيضًا للآخر، كانت النتيجة مزيدًا من الهشاشة. لا أمن مستدامًا من دون حرّيّة، ولا حرّيّة قابلة للحياة من دون دولة. ولا استقرار دائمًا من دون عدالة، ولا حماية حقيقيّة للتنوّع من دون مواطنة متساوية. والمشكلة في الشرق الأوسط لم تكن يومًا في تعدّده، بل في إدارة هذا التعدّد عبر الخوف والهيمنة والمحاور والحمايات. لقد تحوّلت دول عديدة إلى ساحات لمنافسات إقليميّة ودوليّة، وتحولت جماعات إلى أدوات في صراعات تتجاوز حدودها الوطنيّة، وغدت قضايا الهويّة والدين والمذهب مداخل لإعادة تشكيل توازنات النفوذ. لكنّ استمرار هذه المعادلة ليس قدرًا. الشرق الأوسط قادر على الانتقال من منطق ساحات النفوذ إلى منطق الدول؛ ومن منطق الجماعات الخائفة إلى منطق المواطنة؛ ومن إدارة الحروب إلى بناء السلام. لكنّ هذا التحوّل يتطلّب إعادة الاعتبار إلى مفهوم الدولة السيّدة، الدستوريّة، العادلة، القادرة على احتكار القوّة الشرعيّة وقرار الحرب والسلم، وفي الوقت نفسه على صون التعدّديّة والحرّيّات وضمان المشاركة السياسيّة. التحدّي هنا لا يقوم على إزالة الاختلاف، بل على بناء مؤسّسات قادرة على إدارته.
- لبنان…
قيمة تتجاوز الجغرافيا
في قلب هذا الشرق الأوسط يقف لبنان بوصفه حالةً شديدة الخصوصيّة. لبنان لم يكن يومًا مجرّد مساحة جغرافيّة صغيرة. قيمته الأساسيّة كانت، ولا تزال، في قدرته على إنتاج صيغة تجمع التعدّديّة والحرّيّة، والانتماء الوطني والانفتاح، والخصوصيّات الجماعيّة والمجال العام المشترك. لكنّ هذه الصيغة تعرّضت مرارًا للاهتزاز، لأنّ التعدّديّة لم تُدعّم بما يكفي بدولة دستوريّة قويّة، ولأنّ موازين القوى الداخليّة والخارجيّة تغلّبت في مراحل طويلة على منطق المؤسّسات. هنا يصبح لبنان نموذجًا مصغّرًا للمشكلة الأكبر. كلّما ضعفت الدولة، قويت الجماعات. وكلّما تراجعت المواطنة، صعدت الهويّات المغلقة. وكلّما غابت السيادة، تمدّدت التدخّلات الخارجيّة. وكلّما تراجع القانون، أعيد إنتاج ميزان القوى بدل بناء توازن الحقوق. لذلك، فإنّ مستقبل لبنان لا يُختصر بإدارة أزماته المتراكمة، بل بإعادة بناء الدولة على ثلاثيّة مترابطة: السيادة، الدستور، والحوكمة السليمة. السيادة تعني أن تكون الدولة المرجعيّة الحصريّة للقوّة الشرعيّة ولقرارَي الحرب والسلم. والدستور يعني أن يتحوّل العقد الوطني من نصّ معطّل أو انتقائي التطبيق إلى مرجعيّة فعلية لتنظيم السلطة والعلاقات بين المؤسسات والمواطنين. الحوكمة السليمة تعني إعادة الاعتبار إلى المساءلة والشفافيّة والكفاءة واستقلال القضاء وربط القرار العام بالصالح العام. هذه ليست قضايا تقنيّة. إنها جوهر الأمن القومي والأمان الإنساني معًا. الأمن القومي لا يكتمل بحماية الحدود وحدها، بل بحماية الدولة من التفكّك والاختراق والارتهان. والأمان الإنساني لا يقتصر على الأمن الجسدي، بل يشمل الحقوق والكرامة والتعليم والصحة والفرص والعدالة والثقة بالمؤسّسات. من هنا يصبح لبنان قادرًا، إذا نجح في إعادة بناء دولته، على تقديم مساهمة حضاريّة تتجاوز حجمه الجغرافي، أن يثبت أنّ التعدّديّة لا تحتاج إلى وصاية، وأنّ الحرّيّة لا تعني الفوضى، وأنّ الاختلاف لا يقود حتمًا إلى الصراع، وأنّ الدولة الدستوريّة قادرة على حماية التنوع بدل إلغائه.
- الاغتراب
من الحنين إلى القوّة الاستراتيجيّة
في هذا السياق تحديدًا، لا يمكن النظر إلى الاغتراب اللبناني بوصفه امتدادًا ديموغرافيًّا أو ماليًّا فقط. الاغتراب اللبناني يشكّل رأسمالًا بشريًّا ومعرفيًّا ودبلوماسيًّا هائلًا. وهو قادر على أن يتحوّل من شبكة ارتباط عاطفي بلبنان إلى شبكة تأثير استراتيجي من أجل الدولة اللبنانيّة. الفارق جوهري. المطلوب ليس أن تتحرّك الجاليات اللبنانيّة في العالم دفاعًا عن طوائف أو زعامات أو محاور، بل أن تدافع عن فكرة الدولة. السيادة، والمواطنة، والحرّيّة، والدستور، والعدالة، والحوكمة، والعيش المشترك. حينها تصبح الدبلوماسيّة العامّة جزءًا من مشروع إعادة بناء لبنان. اللبنانيون/ات المنتشرون/ات في العواصم العالميّة والجامعات ومراكز الأعمال والإعلام والفكر قادرون على بناء سرديّة جديدة عن لبنان. لا بلد أزمات دائمة، ولا ساحة حروب الآخرين، ولا تجمّع أقليّات تبحث عن حماية، بل دولة تحمل تجربة حضاريّة في الحرّيّة والتعدّديّة والمواطنة. هذه مهمّة تتطلّب الانتقال من اللوبيات المتفرقة إلى شبكات تأثير منسّقة، ومن ردود الفعل إلى التخطيط الاستراتيجي، ومن الدفاع عن مصالح فئويّة إلى الدفاع عن مصلحة وطنيّة واضحة. الديناميّة الوطنيّة، وديناميّة الاغتراب، وديناميّة الدبلوماسيّة العامّة، تستطيع أن تصبح ثلاث دوائر متكاملة في إعادة تعريف موقع لبنان ووظيفته في الشرق الأوسط والعالم.
- القِيَم ليست نقيض المصالح
قد يقول الواقعيّون إنّ العلاقات الدوليّة لا تُدار بالقِيَم، بل بالمصالح. هذا صحيح جزئيًّا. الدول ستظلّ تبحث عن أمنها ومصالحها ونفوذها. لكنّ السؤال ليس ما إذا كانت المصالح ستختفي، بل ما إذا كانت ستبقى بلا حدود ولا قواعد. التاريخ الحديث نفسه يبرهن أنّ المصالح عندما تُفصل عن المعايير تتحوّل إلى صراعات مفتوحة. والقوّة عندما تُفصل عن القانون تتحوّل إلى هيمنة. والأمن عندما يُفصل عن العدالة يتحوّل إلى خوف متبادل. لذلك، فإنّ توازن القِيَم لا يعني إلغاء توازن المصالح، بل ضبطه. ولا يعني إنهاء الواقعيّة السياسيّة، بل إخضاعها لمعايير تمنعها من التحوّل إلى شريعة الغاب. إنّه انتقال من سؤال من الأقوى؟ إلى سؤال أكثر عمقًا كيف تُستخدم القوّة، وبأيّ شرعيّة، ولأيّ غاية؟ هنا تحديدًا يصبح الإنسان معيار السياسة.
نحو توازن القِيَم
لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أنّ حلف الأقليّات لا يصنع أمانًا، لأنّ المواطنة أقوى من الارتهان. وأنّ أسْلَحة الأديان لا تحمي الإيمان، لأنّ الإيمان أقوى عندما يتحرّر من العنف. وأنّ الديكتاتوريّات لا تنتج استقرارًا مستدامًا، لأنّ الإنسان أقوى من الاستبداد. لكنّ سقوط هذه النماذج تباعًا لا ينتج تلقائيًّا عالمًا أفضل. الفراغ قد يكون فرصة، وقد يكون خطرًا. لهذا نحتاج إلى الجرأة على إعادة تأسيس العلاقات الدوليّة على قاعدة جديدة تجمع بين المصلحة المشروعة والقيمة الإنسانيّة، وبين العقل السياسي والضمير الأخلاقي. العالم لا يحتاج إلى إلغاء القوّة، بل إلى إعادة تعريف وظيفتها. لا يحتاج إلى إلغاء المصالح، بل إلى وضعها ضمن منظومة من العدالة والمسؤوليّة. لا يحتاج إلى إنهاء الهويّات، بل إلى تحريرها من الخوف. لا يحتاج إلى إقصاء الأديان عن المجال العام، بل إلى تحريرها من الأسْلَحة والتوظيف الجيو-سياسي. لا يحتاج إلى إلغاء الدولة، بل إلى استعادتها بوصفها دولة مواطنة وسيادة وقانون. هنا يكمن التحدّي الحقيقي للقرن الحادي والعشرين. أن ننتقل من توازن القوى إلى توازن القِيَم؛ من إدارة الخوف إلى بناء الثقة؛ من صناعة الاصطفافات إلى صناعة الإنسان؛ ومن السلام بوصفه هدنةً بين حربين إلى السلام بوصفه مشروعًا حضاريًّا قابلًا للحياة. حين تستعيد السياسة أخلاقها، وتستعيد الدولة وظيفتها، وتستعيد الأديان رسالتها، ويعود الإنسان إلى مركز القرار، يصبح السلام أكثر من تسوية مؤقّتة. يصبح خيارًا تاريخيًّا. ويصبح بناء عالم أكثر إنسانيّة ممكنًا. تلك، في النهاية، ليست فقط مهمّة الشرق الأوسط، ولا مهمّة لبنان وحده، بل التحدّي الأكبر أمام النظام الدولي برمّته. أن يعيد التوازن إلى العالم، لا بتوزيع القوّة وحدها، بل بإعادة الاعتبار للقِيَم التي تجعل لهذه القوّة معنى.
