
زياد الصَّائغ
١٠ ايلول ٢٠٢٦
من هيمنة اللّادولة إلى سيادة الدولة في قراءة غرامشيّة!
السّيادة في لبنان أبعدُ من مجرّد أزمة سلاح خارج الدولة، ولا تقتصر على الاحتلال الإسرائيلي والاستباحة الإيرانيّة والسّلاح غير الشرعيّ، ولا تختزل بعلاقات لبنان بمحاور إقليمية ودولية. هذه كلها تعبيرات أساسية عن أزمة أعمق. من يملك القدرة الشرعية على إنتاج القرار الوطني، ومن يحدد المصلحة العامة، وكيف تصبح الدولة المرجعية الوحيدة التي يخضع لها الجميع؟ من هنا تكتسب قراءة أنطونيو غرامشي أهمية استثنائية في اللحظة اللبنانية الراهنة. فغرامشي لم ينظر إلى السلطة باعتبارها قسرًا فقط. الهيمنة، في فكره، تقوم أيضًا على إنتاج القبول، وعلى قدرة القوى المسيطرة على جعل رؤيتها للعالم جزءًا من “الحسّ المشترك” للمجتمع. والدولة نفسها لا تنحصر عنده في مؤسسات الحكم، بل تمتد إلى العلاقة المركبة بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني، وبين القوة والرضا والقيادة الثقافية. هذه العدسة تسمح بإعادة صياغة السؤال اللبناني. المعضلة ليست فقط أن السيادة انتُقصت على امتداد عقود. الأخطر أن انتقاص السيادة تحوّل تدريجيًا إلى نظام سياسي واجتماعي وثقافي قادر على تبرير نفسه وإعادة إنتاج شروط استمراره. من هنا، لا تكون استعادة السيادة عملية أمنية فقط، ولا تسوية سياسية جديدة، ولا نتيجة تلقائية لتحول موازين القوى الإقليمية. إنها عملية إعادة بناء شاملة للدولة والمجتمع معًا. السيادة لا تستعاد عندما يتغير حامل القوة فقط، بل عندما يصبح وجود أي قوة خارج الدولة غير قابل للتبرير أصلًا.
- السيادة بوصفها تفكيكًا لمنظومة الهيمنة
أنتج تاريخ لبنان الحديث أشكالًا متعددة من السيادة المنقوصة. إحتلالات، وصايات، تدخلات خارجية، محاور إقليمية، قوى مسلحة خارج المؤسسات، وتوازنات داخلية جعلت تطبيق الدستور في محطات كثيرة خاضعًا لموازين القوى. لكن القراءة الغرامشية تضيف سؤالًا آخر. لماذا استطاعت هذه الاختلالات الاستمرار؟ الجواب لا يوجد في ميزان القوة وحده. لقد تشكلت، مع الوقت، منظومة مصالح وخوف وحماية وخدمات وخطابات وذاكرة جماعية جعلت قطاعات من المجتمع ترى في الدولة مرجعية غير كافية لضمان أمنها أو حقوقها. هنا نشأت دائرة مغلقة. ضعف الدولة ينتج الحاجة إلى قوة بديلة؛ القوة البديلة تعمّق ضعف الدولة؛ ضعف الدولة المتزايد يُستخدم لتبرير استمرار القوة البديلة. الأمر نفسه يحصل في الزبائنية. ضعف الإدارة يجعل الوسيط السياسي ضروريًا، ثم يجعل وجود الوسيط إصلاح الإدارة أقل احتمالًا. لهذا، فإن السلاح والزبائنية والمحاصصة والاقتصاد الموازي والاستباحة للسّيادة ليست ظواهر منفصلة بالكامل. إنها تلتقي في نقطة واحدة. انتقال أجزاء من الوظيفة العامة من الدولة إلى منظومات خاصة. هنا يصبح مفهوم السيادة أوسع. السيادة هي أن تحتكر الدولة القوة المشروعة، لكنها أيضًا أن يحتكر القضاء وظيفة العدالة، وأن تحتكر الإدارة تقديم الخدمة العامة وفق القانون، وأن تكون المؤسسات الدستورية وحدها مكان صناعة القرار الوطني. الدولة التي تستعيد حدودها ولا تستعيد قضاءها ليست مكتملة السيادة. الدولة التي تحتكر السلاح ولا تمنع الاستيلاء السياسي على إدارتها ليست مكتملة السيادة. الدولة التي ترفض التدخل الخارجي لكنها تسمح بتحويل مؤسساتها إلى حصص داخلية لا تزال تعاني أزمة في مفهوم السلطة العامة. من هنا، فإن السيادة والإصلاح ليسا مسارين متوازيين. هما مسار واحد لاستعادة الدولة من كل أشكال الاستحواذ عليها. هذا يفرض أيضًا اتساقًا كاملًا في مفهوم السيادة، إنهاء أي احتلال إسرائيلي للأراضي اللبنانية ووقف الانتهاكات والاعتداءات، ورفض تحويل لبنان إلى ساحة لصراعات الآخرين، بالتوازي مع حصر القرار العسكري والأمني والسياسي بالمؤسسات الدستورية اللبنانية. لا سيادة انتقائية. السيادة إمّا أن تكون مبدأً شاملًا، أو تتحول إلى أداة في صراع المحاور.
- من احتكار القوة إلى بناء “الحسّ المشترك” السيادي
أحد أكثر مفاهيم غرامشي أهمية هو “الحسّ المشترك”. الأفكار والافتراضات التي تتراكم داخل المجتمع إلى درجة تصبح معها بعض الخيارات وكأنها طبيعية ولا تحتاج إلى إثبات. كما منح المجتمع المدني والمثقفين والمؤسسات الثقافية دورًا أساسيًا في إنتاج الهيمنة وترسيخها. في لبنان، تكوّن عبر عقود “حسّ مشترك” مضاد للدولة. لا يستطيع لبنان أن يُحكَمَ القاعدة وحدها، بل يحتاج دائمًا إلى الاستثناء. أن تطبيق الدستور كاملًا قد يهدد التوازنات. أن الطائفة تحتاج إلى قوة خاصة لحمايتها. أن السلاح يمكن أن يكون فوق المؤسسات إذا امتلك قضية تبرره. أن الخارج ضرورة لضبط الداخل. أن السياسة الخارجية امتداد طبيعي لانقسامات اللبنانيين. وأن التسوية بين القوى أقوى من القاعدة القانونية. المشكلة ليست أن هذه الأفكار وُلدت من فراغ. لقد أنتجتها الحروب والاحتلالات والانقسامات وفشل المؤسسات. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول التجربة التاريخية إلى قدر سياسي دائم. هنا تصبح معركة السيادة معركة ثقافية أيضًا. المطلوب بناء “حسّ مشترك” جديد. الدولة ليست خصمًا للطوائف، بل ضمانتها المشتركة. إحتكار السلاح ليس انتصار جماعة على أخرى، بل إنهاء حاجة الجماعات جميعًا إلى القوة الخاصة. الدستور ليس أداة حكم الأكثرية، بل العقد الذي يمنع أي أكثرية أو أقلية من الاستيلاء على الدولة. السياسة الخارجية ليست ساحة لإسقاط صراعات المحاور على لبنان، بل أداة لحماية المصلحة الوطنية. الحياد الإيجابي، في هذا السياق، لا يعني الانعزال عن القضايا العربية والدولية أو التخلي عن الحقوق، بل بناء قدرة لبنان على التواصل والتعاون والانفتاح من دون أن يتحول إلى منصة عسكرية أو سياسية لمشاريع الآخرين. هذا التحول لا يُفرض بقرار. إنه يحتاج إلى مؤسسات تنتج الثقة. حين يصبح القضاء مستقلًا، يصبح القانون أكثر إقناعًا من النفوذ. حين تصبح الحماية الاجتماعية حقًا، يصبح الحزب أقل ضرورة لتأمينها. حين تصبح الإدارة كفوءة، تفقد الوساطة قيمتها. حين تصبح الدولة قادرة على حماية حدودها ومواطناتها ومواطنيها، تفقد الحماية المسلحة الخاصة جزءًا من مبرراتها. وحين يشعر المواطن/ة بأن الدولة تعامل الجميع وفق قاعدة واحدة، تصبح السيادة مصلحة شخصية له، لا مفهومًا دستوريًا مجردًا. هنا تحديدًا يصبح بناء الدولة سياسة لتحرير المواطن/ةمن الحاجة إلى اللادولة.
- “حرب مواقع” سيادية
من استعادة الدولة إلى إعادة تأسيسها
ميّز غرامشي بين التغيير القائم على الهجوم المباشر وبين ما سماه “حرب المواقع”. الصراع التراكمي الطويل داخل مؤسسات المجتمع والثقافة والعلاقات الاجتماعية لبناء قيادة ورضا جديدين. ففي المجتمعات ذات البنية المدنيّة المعقّدة، لا يكفي الاستيلاء على مركز السلطة لأن خلفه شبكة واسعة من “الخنادق” الاجتماعية والمؤسساتية التي تحمي النظام القائم. هذه الفكرة تصلح أساسًا لاستراتيجية سيادية لبنانية. لا يمكن انتظار لحظة واحدة تحل الأزمة. إنتخابات، رئيس، حكومة، إتفاق إقليمي، إنهيار محور، تسوية دولية أو تحول في ميزان القوة. قد تفتح هذه اللحظات الفرص، لكنها لا تبني الدولة. المطلوب حرب مواقع دستورية وسلمية من أجل السيادة. استعادة القرار العسكري والأمني إلى الدولة. تثبيت حصرية قرار الحرب والسلم في المؤسسات الدستورية. دعم الجيش اللبناني والأجهزة الشرعية لتكون قادرة فعليًا على ممارسة وظائفها. إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأي أرض لبنانية ووقف الانتهاكات للسيادة. إعادة السياسة الخارجية إلى منطق المصلحة الوطنية والحياد الإيجابي. تحرير القضاء من التدخل. تحرير الإدارة من المحاصصة. تحرير الوظيفة العامة من الزبائنية. تحرير الاقتصاد من شبكات الاحتكار والاقتصادات الموازية. وتحرير المواطن/ة نفسه من منظومات الخوف والحاجة التي تجعل اللادولة قابلة لإعادة الإنتاج. هذه ليست قائمة إصلاحات. إنها مواقع الدولة التي ينبغي استعادتها. هنا ينبغي الحذر من مفهوم غرامشي الآخر، “الثورة السلبية”، أي التحولات التي تمتص مطالب التغيير وتعيد ترتيب النظام من فوق من دون إحداث تحول جذري في علاقات القوة. استخدم غرامشي المفهوم في تحليله لعمليات تحديث تاريخية استطاعت إدخال تغييرات من دون انتقال سياسي فعليّ ومنهجيّ. هذا خطر فعلي في لبنان. أن يتغير ميزان القوة من دون أن تتغير الدولة. أن يتراجع نفوذ خارجي ليحل محله نفوذ آخر. أن يُعاد تنظيم السلاح من دون تثبيت مبدأ حصرية السلاح. أن تدخل وجوه جديدة إلى المؤسسات فيما تستمر المحاصصة نفسها. أن يُطلق خطاب إصلاحي فيما تبقى الزبائنية آلية الحكم. وأن ننتقل من تسوية إلى تسوية ثم نسمّي ذلك “بناء الدولة”. هذا ليس تحولًا سياديًا. إنه إعادة إنتاج للنظام تحت ميزان قوة جديد.
- فاعليَّة الكتلة التاريخية السياديّة
لهذا تحتاج السيادة إلى حامل اجتماعي. من هنا يمكن استلهام مفهوم غرامشي عن “الكتلة التاريخية”، العلاقة بين القوى الاجتماعية والمؤسسات والأفكار التي تسمح ببناء مشروع تاريخي قادر على القيادة، لا مجرد السيطرة. لبنان يحتاج اليوم إلى كتلة تاريخية سيادية لا تُبنى ضد طائفة، ولا تستهدف جماعة، ولا تستبدل محورًا بمحور. قاعدتها بسيطة، الدولة وحدها هي الإطار المشروع للقوة والقرار والحقوق. هذه الكتلة لا تتكون من القوى السياسية فقط. تضم الجيش والأجهزة الشرعية في وظيفتها الدستورية، والقضاء المستقل، والإدارة، والجامعات، والنقابات، والقطاع الخاص المنتج، والمجتمع المدني، والإعلام، والاغتراب اللبناني، والنخب الفكرية، وكل القوى السياسية والاجتماعية التي ترى أن مصالحها طويلة الأمد لا يمكن حمايتها إلا داخل دولة سيّدة. لكن بناء هذه الكتلة يحتاج إلى تغيير في الخطاب السيادي نفسه. السيادة لا يمكن أن تُطرح بوصفها مشروع انتصار على البيئة الشيعية أو أي بيئة لبنانية أخرى. هذه المقاربة ستعيد إنتاج الخوف، والخوف سيعيد إنتاج الحاجة إلى الحماية الخاصة. المطلوب أن تصبح استعادة الدولة مشروع أمان واندماج لجميع اللبنانيين/ات. إن انتقال أي جماعة من منظومة سياسية أو أمنية خاصة إلى الدولة يجب ألا يعني فقدان الحماية أو المكانة أو المشاركة، بل الانتقال من ضمانات غير متكافئة ومؤقتة إلى ضمانات دستورية دائمة. هذا هو الفارق بين هزيمة قوة وبناء دولة. الدول المستقرة لا تقوم على جماعة منتصرة وأخرى مهزومة. تقوم عندما يقتنع الجميع بأن خسارتهم لامتياز القوة الخاصة يقابلها ربح أكبر. دولة تحميهم بالتساوي. هنا يصبح الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي جزءًا من الاستراتيجية السيادية نفسها. فلا يمكن مطالبة المواطن/ة بالخروج من شبكات حزبية توفر له التعليم والصحة والمساعدة الاجتماعية ثم تركه أمام دولة غائبة. كل مؤسسة عامة تستعيد قدرتها هي موقع تستعيده السيادة. كل حق اجتماعي ينتقل من الحزب إلى الدولة هو جزء من بناء السيادة. كل وظيفة تُمنح بالكفاءة بدل الولاء تقلل قدرة منظومة الهيمنة على إعادة إنتاج نفسها. وكل مواطن/ة يستطيع الحصول على حقه من دون وسيط يصبح أكثر استقلالًا، وبالتالي أكثر سيادة.
السّيادة في مقاربة استِنتاجيّة ليست لحظة، بل مشروع دولة. إن التحولات الجيو-سياسية التي تعيد تشكيل الشرق الأوسط قد تمنح لبنان فرصة تاريخية للخروج من منطق الساحات والمحاور. لكنها تحمل أيضًا خطرًا معاكسًا. أن يعتقد اللبنانيون/ات أن تغير موازين القوى الخارجية سيبني دولتهم بالنيابة عنهم. لن يحدث ذلك. يمكن للخارج أن يساعد لبنان على حماية حدوده، ودعم جيشه، وإنهاء احتلال، وضمان اتفاق، وتمويل إعادة الإعمار، وتشجيع الإصلاح. لكنه لا يستطيع أن يبني الهيمنة الديموقراطية للدولة داخل المجتمع اللبناني. هذه مهمة لبنانية. هي تبدأ من إنهاء الفصل المصطنع بين السيادة والإصلاح والمواطنة. السيادة من دون إصلاح قد تعيد إنتاج دولة المحاصصة. الإصلاح من دون سيادة يصبح إدارة جيدة لدولة لا تملك قرارها. المواطنة من دونهما تتحول إلى وعد أخلاقي بلا ضمانة مؤسساتية. لذلك يحتاج لبنان إلى معادلة واحدة. السيادة، والدستور، والحوكمة السليمة، والمواطنة تعني الدولة. هذه ليست معادلة نظرية. إنها استراتيجية انتقال. من السلاح الموازي إلى احتكار الدولة للقوة. من المحاور إلى القرار الوطني المستقل. من الاحتلال والانتهاك إلى استكمال السيادة على الأرض والحدود. من الزبائنية إلى الحقوق. من المحاصصة إلى المؤسسات. من حماية الجماعة إلى حماية المواطن/ة. من “الحسّ المشترك” الذي يعتبر ضعف الدولة قدرًا إلى ثقافة سياسية تعتبر الدولة السيّدة الوضع الطبيعي الوحيد المقبول. عندها فقط تكون “حرب المواقع” قد حققت غايتها. ليس بأن تحتل الدولة مساحات كانت في يد الآخرين، بل بأن تصبح الدولة نفسها المساحة المشتركة التي لا يحتاج أحد إلى بناء دولة داخلها أو فوقها أو إلى جانبها. الاختبار الحقيقي للسيادة ليس فقط أن تسأل من يحمل السلاح؟ بل أيضًا من يصنع القرار؟ من يطبق القانون؟ من يوفر الحماية؟ من يضمن الحقوق؟ ومن يستطيع أن يطلب الولاء من المواطن/ة؟ في الدولة السيّدة، يجب أن تقود كل هذه الأسئلة إلى إجابة مؤسساتية واحدة. الجمهورية اللبنانية، بدستورها ومؤسساتها ومواطناتها ومواطنيها. هنا تصبح الخلاصة الغرامشية أكثر وضوحًا. لا تنتصر الدولة يوم تصبح أقوى من اللّادولة فقط؛ تنتصر يوم تفقد اللّادولة قدرتها على إقناع أي لبناني/ة بأنه يحتاج إليها.
