
زياد الصَّائغ
٢٠ آب ٢٠٢٦
الإتفاق الإطاري وضغط صناديق الاقتراع… التحدّي الجيو-سياسي!
ليس أصعب على الدُّول التّي تحاول الخروج من حروب مستمرّة من أن تبدأ صناعة السّلام فيما الآخرون يدخلون الانتخابات. فزمن بناء السّلام يحتاج إلى رؤيةٍ بعيدة المدى، واستقرارٍ في الالتزامات، وقدرةٍ على تحمُّل كلفة القرارات الصعبة؛ فيما زمن الانتخابات تحكمه الحسابات القصيرة، والمزايدات، والخوف من خسارة الرأي العام، ومحاولة تحويل الأمن والهويّة والخطر إلى أدوات تعبئة. هذه، في العمق، هي إحدى المعضلات الكبرى التي تواجه الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل في الأشهر المقبلة. فالاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي المرتقب، والانتخابات النصفيّة الأميركيّة في 3تشرين الثاني 2026، لا يقعان خارج المسار التفاوضي. إنّهما يدخلان مباشرةً في حسابات اللاعبين، وفي سرعة التنفيذ، وفي هوامش التسويات، وفي حجم الضغوط التي يمكن أن تمارسها واشنطن، كما في استعداد إسرائيل للانتقال من إدارة التهديد إلى بناء ترتيباتٍ مستدامة على حدودها الشماليّة. لكنَّ الخطأ اللبناني سيكون في تحويل هذين الاستحقاقَيْن إلى ذريعةٍ جديدة للانتظار.
لقد دفع لبنان، طوال عقود، أثمان سياسة الانتظار. إنتظار التسويات الإقليميّة-الدّوليّة، وانتظار نتائج الحروب، وانتظار الانتخابات الأميركيّة، وانتظار تغيُّر الحكومات الإسرائيليّة، وانتظار ما ستقرِّره طهران أو واشنطن أو عواصم أخرى. وفي كلِّ مرّة، كانت الوقائع تتقدَّم فيما الدَّولة اللبنانيّة تتأخَّر. لذلك، فإنَّ المسألة المطروحة اليوم ليست مَن سيربح الانتخابات في إسرائيل والولايات المتّحدة؟ بل أيُّ لبنانٍ يجب أن يكون موجودًا عندما تنتهي هذه الانتخابات؟ هنا تحديدًا يجب الانتقال من قراءة الاتفاق الإطاري كحدثٍ دبلوماسي إلى التعامل معه كـمسار سياسات عامّة، لإعادة تأسيس الدَّولة اللبنانيّة وموقعها الجيو-سياسي.
- الإتفاق الإطاري وامتحان الانتقال…
ليس كلُّ وقفٍ للحرب سلامًا، وليس كلُّ اتفاقٍ أمني تسويةً سياسيّة. هذه قاعدةٌ أساسيّة يجب أن تحكم المقاربة اللبنانيّة. الاتفاق الإطاري يفتح نافذةً لإعادة تنظيم بيئة الصراع على الحدود اللبنانيّة – الإسرائيليّة، لكنَّ قيمته الحقيقيّة لا تُقاس فقط بانخفاض عدد الضربات العسكريّة، ولا بحجم انتشار الجيش اللبناني، ولا بعدد النقاط التي تنسحب منها إسرائيل. هذه مؤشِّرات ضروريّة، لكنّها ليست كافية. المؤشِّر الأعمق هو، هل يقود الاتفاق إلى تغيير بنيوي في قواعد إدارة لبنان لأمنه القومي؟ أي هل تنتقل الدَّولة من إدارة ازدواجيّة السُّلطة إلى احتكار القرار؟ وهل ينتقل الجيش اللبناني من قوّة انتشار إلى مؤسَّسة تمتلك القدرة والموارد والتفويض السياسي لحماية كامل الأراضي اللبنانيّة؟ وهل يصبح قرار الحرب والسّلم نهائيًّا في المؤسَّسات الدستوريّة؟ وهل يُعاد بناء المناطق المتضرِّرة ضمن مشروعٍ وطني لا ضمن شبكات نفوذٍ موازية؟ إنَّ نجاح الاتفاق أو فشله يبدأ من هنا. المطلوب ليس إعادة إنتاج الاستقرار الهشّ الذي عرفه لبنان بعد العام 2006، حين انخفضت حدّة المواجهة على الحدود من دون معالجة أسباب هشاشتها. المطلوب هذه المرّة هو الانتقال من منع الحرب إلى إزالة شروط إعادة إنتاجها. هذا فرقٌ جوهري. إنَّه الفرق بين إدارة الأزمة وبناء السّلام.
- الانتخابات الإسرائيليّة: حين تصبح الجبهة الشماليّة…
لا يمكن للبنان أن يتجاهل طبيعة النقاش السياسي داخل إسرائيل. الأمن سيبقى أحد أبرز محدِّدات السلوك الانتخابي الإسرائيلي. وستكون نتائج الحروب، ومستقبل غزّة، وإيران، والحدود الشماليّة، وعودة السكّان إلى المناطق الحدوديّة، وقدرة المؤسَّسة العسكريّة على توفير الأمن، عناصر أساسيّة في تقييم الناخب الإسرائيلي للحكومة وللمعارضة. من هنا، يمكن توقُّع أن يرتفع سقف الخطاب الإسرائيلي تجاه لبنان كلّما اقترب موعد الانتخابات. الحكومة الإسرائيليّة، أيًّا تكن تركيبتها، ستجد صعوبةً في تقديم خطواتٍ يمكن أن يصفها خصومها بأنّها “تنازلات”. وقد يصبح الانسحاب من مواقع لبنانيّة محتلة، أو تخفيف بعض الترتيبات الأمنيّة، أو قبول آليّات دوليّة أكثر توازنًا، مواضيع انتخابيّة داخليّة. في المقابل، قد يدفع المنطق الانتخابي نحو التشديد على مفهوم الضمانات الأمنيّة المسبقة، أي أن تطالب إسرائيل بإنجاز خطوات لبنانيّة محدَّدة قبل تنفيذ التزاماتها المقابلة. هنا يكمن خطرٌ حقيقي. إذا تحوَّل الاتفاق من مسارٍ متبادل ومتدرِّج إلى معادلةٍ يقوم فيها طرفٌ بالتنفيذ فيما يحتفظ الطرف الآخر بحقّ تقدير اللحظة المناسبة لتنفيذ التزاماته، تصبح العملية برمَّتها هشّة. لذلك يحتاج لبنان إلى الإصرار على مبدأ التزامن المرحلي القابل للتحقُّق.ليس المطلوب تزامنًا حرفيًّا في كلِّ خطوة، فهذا غير واقعي في اتفاقات بناء الثقة. المطلوب أن تكون كلُّ مرحلة لبنانيّة مرتبطةً بمرحلة مقابلة واضحة، ومحدَّدة زمنيًّا، ويمكن التحقُّق منها. هذه ليست مسألة بروتوكوليّة. إنَّها ضمانةٌ لعدم تحويل لبنان إلى الطرف الذي يُطلب منه باستمرار إثبات حسن نيّته، فيما تتحوَّل الالتزامات الأخرى إلى أهدافٍ مؤجَّلة.
- ماذا يمكن أن يتغيَّر بعد الانتخابات الإسرائيليّة؟
ثمّة خطأ شائع في لبنان يقوم على الاعتقاد بأنَّ تغيُّر الحكومة الإسرائيليّة سيعني بالضرورة تغيُّرًا جذريًّا في المقاربة الأمنيّة تجاه لبنان. قد تتغيَّر الحكومة، وقد تتغيَّر التحالفات، وقد يصبح الخطاب السياسي أكثر اعتدالًا أو أكثر تشدُّدًا. لكنَّ هناك مصالح أمنيّة إسرائيليّة عميقة تتجاوز الحكومات. من هنا، يجب أن تُبنى الاستراتيجيّة اللبنانيّة على المصالح الدائمة لا على الأشخاص. أيّ حكومة إسرائيليّة مقبلة ستسعى، على الأرجح، إلى منع إعادة بناء بنية عسكريّة غير دولتيّة على الحدود، وضمان أمن شمال إسرائيل، والحفاظ على قدرة الردع، وربط أيّ انسحاب بترتيباتٍ أمنيّة تعتبرها موثوقة. لكنَّ الاختلاف قد يكون في الأدوات. حكومة أكثر يمينيّة قد تفضِّل الردع العسكري، والمناطق العازلة، وحرّيّة العمل الأمني الأحادي. حكومة أكثر وسطيّة قد تكون أكثر استعدادًا للاستثمار في ترتيباتٍ دوليّة، وضمانات أميركيّة، وتفاهمات أمنيّة وسياسيّة طويلة الأمد. هذا يعني أنَّ لبنان لا يستطيع بناء سياسته على أمل أن تأتي حكومة إسرائيليّة “أفضل”. السياسة الرشيدة لا تنتظر حسن نوايا الخصم. إنّها تبني موازين مصالح وآليّات إلزام وضمانات تجعل احترام الاتفاق أكثر فائدةً لجميع الأطراف من خرقه.
- واشنطن والانتخابات النصفيّة: إستمراريّة الدولة أم تقلُّب السياسة؟
المعادلة الأميركيّة مختلفة. الإنتخابات النصفيّة لا تغيِّر الرئيس أو الإدارة مباشرةً، لكنَّها تستطيع تغيير البيئة السياسيّة التي تعمل فيها الإدارة بصورةٍ جوهريّة، وخصوصًا من خلال إعادة تشكيل مجلسَيْ النوّاب والشيوخ، ولجانهما، وأولويّاتهما التشريعيّة والماليّة. هذا مهمٌّ للبنان لأنَّ أيَّ مسارٍ طويل الأمد يحتاج إلى أكثر من الدبلوماسيّة.يحتاج إلى تمويل الجيش اللبناني، وبرامج المساعدة الأمنيّة، ودعم إعادة الإعمار، وضماناتٍ سياسيّة، وربّما ترتيباتٍ أمنيّة أعمق بين لبنان والولايات المتّحدة. هذه مسائل يملك الكونغرس تأثيرًا كبيرًا فيها. لذلك، فإنَّ الانتخابات النصفيّة الأميركيّة يجب ألّا تُقرأ لبنانيًّا فقط من زاوية أيّ حزبٍ سيسيطر على الكونغرس، بل من زاويةٍ أكثر دقّة، هل يستطيع لبنان تحويل الدعم الأميركي من سياسة إدارةٍ إلى مصلحةٍ أميركيّة مؤسَّساتيّة مستدامة؟ هنا يقع التحدّي. السياسات الأميركيّة في الشرق الأوسط تتغيَّر في أولويّاتها، لكنّها تستمرّ حين تتحوَّل إلى مصالح أمنيّة واضحة وعابرة للانقسام الحزبي. من مصلحة لبنان، إذًا، أن يثبت أنَّ قيام دولة لبنانيّة سيِّدة وقادرة ليس “مساعدةً للبنان”، بل مساهمة في الأمن الإقليمي، وأمن شرق المتوسّط، والحدِّ من تمدُّد القوى غير الدولتيّة، ومنع تجدُّد الحروب، وحماية المصالح الأميركيّة والأوروبيّة والعربيّة في المنطقة. هذه هي اللغة التي يجب أن تُبنى عليها الشراكة.
- من الوساطة الأميركيّة إلى ضمانة الاستدامة
ثمّة فرقٌ كبير بين أن تكون الولايات المتّحدة الأميركيّة وسيطًا في الاتفاق وبين أن تصبح شريكًا في ضمان استدامته. الوساطة تساعد على الوصول إلى التفاهم. أمّا الاستدامة فتحتاج إلى هندسةٍ سياسيّة وأمنيّة واقتصاديّة.هنا يجب أن يطرح لبنان بصورةٍ جدّيّة مستقبل العلاقة الاستراتيجيّة مع الولايات المتّحدة، بما يتجاوز المساعدات التقليديّة للقوى العسكريّة والأمنيّة. إذا كان المطلوب من الدَّولة اللبنانيّة أن تحتكر السّلاح، فعليها أن تمتلك القدرة الفعليّة على حماية لبنان. وإذا كان المطلوب إنهاء وظيفة التنظيمات المسلَّحة خارج الدَّولة، فلا يجوز ترك فراغٍ أمني أو ردعي يشعر اللبنانيّون/ات بأنَّه يهدِّدهم. وإذا كانت السّيادة مسؤوليّة، فإنَّ بناء قدرات الدَّولة يصبح جزءًا من أيِّ تسوية جديّة. لذلك، يجب التفكير في شراكة دفاعيّة وأمنيّة لبنانيّة – أميركيّة طويلة الأمد، ترتبط بإصلاح المؤسَّسات العسكريّة والأمنيّة، وتطوير قدراتها، وضمان استدامة تمويلها وتجهيزها وتدريبها. ليس الهدف إنشاء محورٍ جديد.الهدف هو أن يصبح لبنان قادرًا على تطبيق قراره السيادي. معاهدة دفاع مع الولايات المتحدة الأميركيّة هدف نبيل واستراتيجي للبنان.
- العامل الإيراني: نهاية وظيفة أم إعادة إنتاجها؟
في خلفيّة المشهد يبقى السؤال الإيراني حاضرًا. مستقبل الاتفاق الإطاري لن يتحدَّد فقط في بيروت وتل أبيب وواشنطن، لأنَّ إعادة تعريف وظيفة “حزب الله” تمسُّ بنية النفوذ الإيراني التي تكوَّنت في لبنان على مدى عقود. لهذا يجب الحذر من سيناريو قد يكون أكثر تعقيدًا من رفض الاتفاق مباشرةً. التكيُّف معه بهدف إعادة إنتاج النفوذ بأدواتٍ مختلفة. قد يتراجع السّلاح الظاهر فيما تبقى البنية الأمنيّة. قد تتقلَّص الوظيفة العسكريّة فيما يستمرُّ الاقتصاد الموازي. قد يتراجع الوجود المسلَّح فيما تُحافَظ على شبكات النفوذ داخل المؤسَّسات. وقد يتحوَّل مشروع اللّادولة من منظومةٍ عسكريّة مباشرة إلى منظومة نفوذٍ سياسي واقتصادي واجتماعي وديني. لذلك لا يكفي قياس نجاح الاتفاق بعدد الصواريخ أو المخازن التي جرى تفكيكها. يجب قياسه بالسؤال التالي، هل استردَّت الدَّولة اللبنانيّة الوظائف السياديّة التي فقدتها؟ السّلاح جزءٌ من المسألة. لكنَّ القرار، والاقتصاد، والحدود، والمؤسَّسات، والتمويل، والتعبئة، والعلاقات الخارجيّة أجزاءٌ أخرى منها.
- البيئة الشيعيّة والدَّولة: معركة الثقة لا معركة الغلبة
من أخطر الأخطاء التي يمكن ارتكابها في المرحلة المقبلة تحويل استعادة الدَّولة إلى مواجهة. هذا سيكون خطأً وطنيًّا وأخلاقيًّا واستراتيجيًّا. المطلوب إنهاء ازدواجيّة السُّلطة، لا تصديع الشراكة. المطلوب تفكيك وظيفة السّلاح غير الشرعي. المواطن/ة اللبناني/ة الشيعي/ة في الجنوب أو البقاع أو الضاحية يحتاج إلى دولةٍ تحميه، وتعيد بناء منزله، وتضمن حقَّه في العمل والتعليم والصحّة، وتحفظ كرامته، وتؤمِّن مشاركته الكاملة في صناعة القرار الوطني. إنَّ بناء بديلٍ عن اللّادولة يبدأ حين تصبح الدَّولة أكثر قدرةً على خدمة المواطن من التنظيم الموازي. هذه مهمّة سياسات عامّة بامتياز. من هنا، فإنَّ إعادة الإعمار، والحماية الاجتماعيّة، واللامركزيّة الإنمائيّة، وفرص العمل، وإعادة تنشيط الاقتصاد المحلّي، ليست ملفاتٍ موازية للاتفاق. إنَّها جزءٌ من البنية الأمنيّة للسلام.
- إعادة الإعمار: من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلام
لا يمكن بناء سلامٍ مستدام في أرضٍ مدمَّرة. لكن لا يجوز أيضًا إعادة بناء المناطق المتضرِّرة بالطريقة نفسها التي أُعيد بناؤها فيها بعد الحروب السابقة، أي عبر منظوماتٍ حزبيّة وزبائنيّة تجعل المساعدات أداةً لإعادة إنتاج الولاءات. هذه المرّة، يجب أن تكون إعادة الإعمار مشروع دولة. صندوقٌ أو آليّةٌ وطنيّة شفّافة، رقابة مستقلّة، مشاركة البلديّات، تمويل دولي وعربي، معايير واضحة للتعويض، قاعدة بيانات موحَّدة، وربط إعادة البناء بالتنمية المستدامة.الأهمّ أن يتحوَّل الجنوب من مساحة مواجهة إلى مساحة نمو. البنية التحتيّة، والزراعة الحديثة، والصناعات الغذائيّة، والطاقة، والسياحة الريفيّة، والاقتصاد الرقمي، والمؤسَّسات الجامعيّة، وفرص العمل للشباب؛ كلّها يجب أن تدخل في رؤية ما بعد الحرب. السلام الذي لا ينتج فرصًا اقتصاديّة يبقى سلامًا هشًّا.
- الاتفاق الإطاري والقضيّة الفلسطينيّة
قضيّة أُخرى لا يجوز أن تغيب. مستقبل اللاجئين الفلسطينيّين في لبنان. أيُّ مسارٍ لإعادة بناء النظام الإقليمي ولتنظيم العلاقات اللبنانيّة–الإسرائيليّة سيعيد، عاجلًا أم آجلًا، طرح هذا الملف. موقف لبنان يجب أن يكون واضحًا منذ البداية. لا توطين، ولا إسقاط لحقّ العودة، ولا استخدام للاجئين الفلسطينيّين كورقة تفاوضيّة، ولا إبقاء لهم في ظروفٍ تمسُّ الكرامة الإنسانيّة. الدستور اللبناني والقانون الدَّولي والمصلحة الوطنيّة تلتقي هنا. لذلك يجب إدخال مستقبل اللاجئين الفلسطينيّين ضمن الرؤية الاستراتيجيّة اللبنانيّة للمفاوضات، لا تركه إلى المرحلة الأخيرة عندما تصبح الخيارات أضيق.
10-ما بعد الاتفاق: أيُّ موقعٍ للبنان؟
السؤال الأكبر يتجاوز الحدود. إذا نجح الاتفاق، ماذا يريد لبنان أن يكون في النظام الإقليمي الجديد؟ هل يبقى دولةً حدوديّةً بين محاور متصارعة؟ أم ينتقل إلى صياغة موقعٍ جديد يقوم على الحياد الإيجابي، والسيادة، والانفتاح العربي، والشراكة الدَّوليّة؟ إنَّ الحياد الإيجابي ليس انسحابًا من قضايا المنطقة، ولا تخلّيًا عن العدالة أو الحقوق. هو قرارٌ بأنَّ لبنان لن يكون بعد اليوم منصّةً عسكريّة لأيِّ محور، وأنَّ علاقاته الخارجيّة تحدِّدها مؤسَّساته الدستوريّة ومصالحه الوطنيّة. هنا يصبح الاتفاق الإطاري جزءًا من تحوُّلٍ أكبر. إعادة تعريف وظيفة لبنان في المنطقة.
11-المطلوب قبل الانتخابات لا بعدها
لهذا كلِّه، يجب أن لا تكون استراتيجيّة لبنان “انتظار نتائج الانتخابات”. المطلوب، قبل الانتخابات الإسرائيليّة والأميركيّة، تثبيت مجموعة من المرتكزات التي يصعب التراجع عنها لاحقًا. أوّلًا، مرجعيّة الدَّولة الحصريّة في إدارة المفاوضات وفي القرارات الأمنيّة والعسكريّة. ثانيًا، وضع خطّةٍ تنفيذيّة واضحة لحصر السّلاح واحتكار الدَّولة للقوَّة الشرعيّة، ضمن مقاربةٍ وطنيّة شاملة. ثالثًا، تثبيت مبدأ الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانيّة المحتلّة، وعدم شرعنة أيّ منطقة احتلال أو منطقة عازلة دائمة. رابعًا، إنشاء آليّةٍ موثوقة للتحقُّق من التنفيذ المتبادل. خامسًا، إطلاق إطارٍ دولي لإعادة الإعمار مرتبط بالإصلاح والحوكمة. سادسًا، تطوير شراكةٍ استراتيجيّة مع الولايات المتّحدة والدُّول العربيّة والأوروبيّة لدعم القوى العسكريّة والأمنيّة، والقضاء، والاقتصاد. سابعًا، فتح نقاشٍ وطني حول مستقبل اتفاقيّة الهدنة للعام 1949، ليس بهدف القفز مباشرةً إلى سلامٍ منفصل، بل لتحديد الإطار القانوني والسياسي الذي يحمي مصالح لبنان في أيِّ مرحلةٍ لاحقة. وثامنًا، بناء موقفٍ لبناني موحَّد من ملف اللاجئين الفلسطينيّين، يرتكز إلى الدستور والقانون الدَّولي وحقّ العودة ورفض التوطين. هذه ليست سلّةً تفاوضيّة. إنَّها هندسة مرحلةٍ انتقاليّة.
12-ثلاثة أزمنة وقرارٌ لبناني واحد
في الأشهر المقبلة ستتقاطع ثلاثة أزمنة. زمنٌ إسرائيلي سريع تحكمه الانتخابات والأمن والمزايدات. زمنٌ أميركي تحكمه انتخابات الكونغرس وتوازنات الداخل وأولويّات الإدارة. وزمنٌ لبناني يفترض أن يكون مختلفًا. زمن بناء الدَّولة. المشكلة تبدأ إذا سمح لبنان للزمنَيْن الأوّل والثاني بأن يحدِّدا زمنه. لا تستطيع دولةٌ أن تبني استراتيجيّتها على نتائج انتخابات الآخرين. تستطيع أن تستعدَّ لها، وأن تحلِّل سيناريوهاتها، وأن تستثمر الفرص التي تخلقها، وأن تخفِّف المخاطر التي تنتج منها. لكنَّ بوصلتها يجب أن تبقى ثابتة. البوصلة اللبنانيّة واضحة.الدستور، واتفاق الطائف، والسيادة، واحتكار الدَّولة للقوَّة الشرعيّة، والقرارات الدَّوليّة، والمصلحة الوطنيّة، والسلام المستدام.
13-من الفرصة الجيو-سياسيّة إلى اللحظة التأسيسيّة
لبنان أمام فرصة نادرة، لكنَّ الفرص الجيو-سياسيّة لا تنتظر المتردِّدين. قد تكون المفارقة أنَّ التحدّي الأكبر للاتفاق الإطاري ليس إسرائيل، ولا إيران، ولا الانتخابات الأميركيّة. قد يكون التحدّي الأكبر هو قدرة لبنان نفسه على التحرُّر من ثقافة إدارة الوقت بدل صناعة القرار. الدَّولة التي تنتظر نتائج انتخابات الآخرين لتعرف ماذا تفعل ليست دولةً تصنع سياساتها؛ إنّها مساحة تتكيَّف مع سياسات الآخرين. أمّا الدَّولة التي تعرف مصالحها، وتضع أهدافها، وتحدِّد مؤشِّرات نجاحها، وتبني تحالفاتها، وتدير مخاطرها، فهي التي تستطيع تحويل التحوُّلات الخارجيّة إلى فرص. لذلك يجب ألّا يكون هدف لبنان إنقاذ الاتفاق الإطاري فقط. الهدف هو استخدام الاتفاق لإعادة تأسيس الدَّولة. من دولةٍ تتفاوض على حدود قدرتها إلى دولةٍ تفاوض انطلاقًا من قدرتها. من دولةٍ يعيش فيها الجيش إلى جانب السّلاح الموازي إلى دولةٍ لا شرعيّة فيها إلّا لقرارها. من اقتصاد حربٍ وتهريبٍ وزبائنيّة إلى اقتصاد سلامٍ وإنتاج. من جنوبٍ يُستدعى كلّما بدأت الحرب إلى جنوبٍ يصبح في قلب مشروع التنمية الوطنيّة. من سياسةٍ خارجيّة موزَّعة بين المحاور إلى سياسةٍ خارجيّة واحدة. من لبنان الذي يسأل دائمًا ماذا سيقرِّر الآخرون بشأنه، إلى لبنان الذي يعرف ماذا قرَّر لنفسه. قد تأتي الانتخابات الإسرائيليّة بحكومةٍ أكثر تشدُّدًا، وقد تنتج حكومةً أكثر براغماتيّة. وقد تمنح الانتخابات النصفيّة الأميركيّة الإدارة هامشًا أوسع، أو تجعل حركتها أكثر صعوبة. كلُّ ذلك مهمّ، ويجب أن يدخل في حسابات المخاطر والسيناريوهات. لكنّه لا يجب أن يغيِّر الوجهة.الانتخابات متغيِّر، أمّا السّيادة فثابت. الحكومات عابرة، أمّا مصالح الدُّول فتبقى. الاتفاقات قد تنهار إذا بقيت نصوصًا، لكنّها تصبح أكثر قدرةً على الصمود حين تتحوَّل إلى مؤسَّسات ومصالح متبادلة ووقائع دولة. لهذا، فإنَّ السؤال اللبناني في هذه اللحظة ليس، ماذا سيحدث بعد الانتخابات؟ السؤال هو ماذا يجب أن ننجز قبلها، وماذا يجب أن نحمي بعدها؟ إنَّ الإجابة عن هذين السؤالَيْن هي جوهر السياسات العامّة التي يحتاجها لبنان اليوم.اللحظة الراهنة ليست مجرَّد مرحلةٍ بين حربٍ انتهت وتسويةٍ لم تكتمل. إنّها لحظة الاختيار بين نموذجَيْن للبنان. لبنان إدارة الهشاشة، أو لبنان بناء الدَّولة. الاختيار، هذه المرّة، يجب ألّا يُترك لصناديق الاقتراع في إسرائيل أو الولايات المتّحدة. إنّه، أوّلًا وأخيرًا، قرارٌ لبنانيّ سياديّ.
