
زياد الصَّائغ
١٧ ايلول ٢٠٢٦
من خواء السُّلطة إلى عقلانيّة الدَّولة
لبنان في رؤية كانط
تبدأ الدَّولة، في معناها العميق، عندما ينتقل الاجتماع السياسيّ من حكم الانفعال إلى حكم العقل، ومن تقلُّب الإرادات إلى ثبات القاعدة، ومن استخدام القوّة لإثبات السُّلطة إلى إخضاع القوّة نفسها لمعيار الحقّ. وفي هذا الانتقال تحديدًا تكتسب فلسفة إيمانويل كانط راهنيّتها بالنسبة إلى لبنان، لأنّها تضعنا أمام سؤال يتجاوز شكل النِّظام ومؤسّساته إلى جوهر وجوده، هل تتصرّف الدَّولة بوصفها عقلًا سياسيًّا منظِّمًا للمجتمع، أم تتحوّل إلى مساحة خاوية تتصارع داخلها الإرادات والمصالح والمخاوف؟
العقل عند كانط ليس ترفًا تأمُّليًّا. إنّه قدرة الإنسان على الخروج من حالة القصور التي تجعله عاجزًا عن استخدام عقله من دون وصاية. لذلك ارتبط مشروع التنوير لديه بذلك النداء الشهير. تجرّأ على استخدام عقلك. ويمكن لهذه الفكرة أن تفتح مدخلًا بالغ الأهمّيّة لفهم أزمة الدَّولة أيضًا. فالدَّولة التي لا تملك قرارها، أو لا تحتكم إلى قانونها، أو تجعل مؤسّساتها رهينة توازنات القوى، تعيش شكلًا من أشكال القصور السياسيّ. قد تمتلك دستورًا وحكومةً وبرلمانًا وإدارات وأجهزةً أمنيّة، لكنّ وجود هذه العناصر لا يكفي لصناعة دولة عاقلة ما دامت الإرادة العامّة عاجزة عن التحوّل إلى قرار ملزم.
هنا يظهر الفرق بين خواء السُّلطة وعقلانيّة الدَّولة. خواء السُّلطة لا يعني بالضرورة غياب الحاكم أو الحكومة أو المؤسّسات، بل غياب المعنى الذي يبرّر وجودها وغياب القدرة التي تجعل منها سلطةً عامّة. تصبح السُّلطة خاوية عندما تحتفظ بأشكالها وتفقد قدرتها على إنتاج النِّظام العام، وعندما تتكلّم أكثر ممّا تقرّر، وتفاوض أكثر ممّا تحكم، وتبرّر أكثر ممّا تفعل. إنّها سلطة حاضرة في الصورة وغائبة في الوظيفة، قائمة قانونًا ومعلّقة سياسيًّا، تمارس إدارة الأزمة بدل صناعة السياسة.
العقلانيّة الكانطيّة تذهب في الاتّجاه المعاكس. فالدَّولة ليست تجميعًا لإرادات متعارضة، ولا تسويةً دائمةً بين قوى قادرة على تعطيل بعضها بعضًا، بل نظامًا قانونيًّا يجعل الحرّيّة ممكنةً للجميع. الحرّيّة هنا لا تعني أن يفعل كلّ طرف ما يشاء، بل أن تكون حرّيّة كلّ فرد قابلةً للتوافق مع حرّيّة الآخرين وفق قانون عام. ومن هنا تتأسّس الحاجة إلى الدَّولة، مهمّتها تنظيم التعدُّد ومنع أيّ إرادة خاصّة من تحويل نفسها إلى قانون فوق القانون، أو إلى سلطة تنازع السُّلطة العامّة حقّها في القرار. بهذا المعنى، تصبح عقلانيّة الدَّولة شرطًا للحرّيّة لا نقيضًا لها. فحين يغيب القانون الفعليّ لا تنتصر الحرّيّة، بل ينتصر الأقوى. وحين تتراجع المؤسّسات لا يتحرّر المجتمع، بل يصبح أكثر خضوعًا للعصبيّات وشبكات المصالح وموازين القوى. الدَّولة العاقلة تحرّر المواطن من الاعتباط لأنّها تحرّر السُّلطة نفسها من الاعتباط، وتجعل القرار نتيجةً لقاعدة مؤسّسيّة لا امتدادًا لموازين القوى.
وتكمن خطورة الخواء السياسيّ في أنّه يولّد الانفعال بديلًا من القرار. فالدَّولة التي لا تمتلك رؤيةً عقلانيّةً تصبح أسيرة الحدث. تتحرّك بعد وقوعه، وتبني مواقفها تحت ضغط اللحظة، وتتصرّف بردود الفعل بدل الاستراتيجيّات، وبالخوف بدل التقدير، وبالتسويات المؤقّتة بدل القواعد المستقرّة. وعندها يتحوّل الزمن السياسيّ إلى سلسلة من الأزمات، لكلّ واحدة منها تسوية، من دون أن تنتظم هذه التسويات داخل مشروع دولة.
كانط، في تصوّره للقانون والسياسة والسَّلام، يقدّم منطقًا مختلفًا جذريًّا. العقل السياسيّ لا ينتظر الكارثة كي يكتشف ضرورة القاعدة، بل يبني القاعدة لكي يمنع تحوّل الاختلاف إلى كارثة. القانون، في هذا المعنى، ليس مجرّد أداة للعقاب بعد وقوع الفعل، بل بنية تجعل العلاقات بين الأفراد والجماعات قابلةً للتنظيم والتوقُّع. وهنا تظهر إحدى أهمّ خصائص الدَّولة العاقلة، أن تكون قراراتها قابلةً للتوقُّع لأنّها تصدر عن دستور وقانون ومؤسّسات، لا عن مزاج الأشخاص ولا عن تبدُّل موازين القوى.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة المعضلة اللبنانيّة. فالأزمة تتجاوز ضعف الإدارة أو سوء الأداء الحكوميّ إلى خلل في إنتاج العقلانيّة السياسيّة نفسها. حين يصبح الدُّستور قابلًا للتطبيق الانتقائيّ، والمؤسّسات قابلةً للتعطيل، والاستحقاقات خاضعةً للمساومة، والسيادة موزّعةً بين مرجعيّات متعدّدة، وقرارا الحرب والسِّلم قابلين للانفصال عن القرار الدستوريّ للدَّولة، نكون أمام مسار معاكس تمامًا للمسار الكانطيّ. من حكم القاعدة إلى حكم الاستثناء، ومن المؤسّسة إلى موازين القوى، ومن العقل السياسيّ إلى الانفعال السياسيّ.
ولا تُستعاد الدَّولة برفع منسوب الخطاب عنها، بل بإعادة عقلنتها. عقلنة الدَّولة تعني أن تعرف ماذا تريد، وأن تحدّد مصالحها الوطنيّة، وأن ترتّب أولويّاتها، وأن تحتكر القرار العام، وأن تُخضع الجميع للقاعدة نفسها. تعني أن تصبح السياسة الخارجيّة تعبيرًا عن مصلحة وطنيّة محدّدة، وأن يصبح الأمن وظيفةً حصريّةً للدَّولة، وأن تتحوّل الإدارة إلى أداة للمصلحة العامّة، وأن يصبح الدُّستور مرجعيّةً حاكمةً لا نصًّا يُستدعى عند الحاجة ويُهمَل عندما يتعارض مع موازين القوى.
والعقلانيّة هنا ليست برودةً سياسيّةً ولا إدارةً تقنيّةً للمجتمع، بل القدرة على إخضاع القرار لمعيار يتجاوز المصلحة الآنيّة. وهذا في صميم الأخلاق الكانطيّة. أن يتصرّف الإنسان وفق قاعدة يمكن أن يريد لها أن تصبح قاعدةً عامّة. وإذا نقلنا هذا المبدأ بحذر إلى المجال السياسيّ اللبنانيّ، يظهر سؤال شديد البساطة والخطورة، هل تستطيع الدَّولة أن تجعل السلوك الذي تقبله من طرف واحد قاعدةً مقبولةً لجميع الأطراف؟ فإذا قبلت لفئة باستثناء سياديّ، فهل يمكن تعميم هذا الاستثناء؟ وإذا قبلت لقوّة بأن تتجاوز القانون باسم الضرورة، فماذا يبقى من القانون عندما تدّعي القوى الأخرى الضرورة نفسها؟
من هنا يصبح الاستثناء الدائم نقيضًا لعقلانيّة الدَّولة. فالدَّولة لا تستطيع أن تُبنى على استثناءات متراكمة، لأنّ الاستثناء الذي يستمرّ يتحوّل تدريجًا إلى نظام موازٍ. وعندما تتكاثر الأنظمة الموازية يفرغ مركز السُّلطة من مضمونه. يبقى المركز قائمًا، لكنّ القرار يتوزّع على أطرافه، وتبقى المؤسّسات موجودة، لكنّ الفاعليّة تنتقل إلى خارجها. وهذا هو الخواء بأدقّ معانيه، أن يبقى هيكل الدَّولة فيما تتسرّب منها القدرة على أن تكون دولة.
وتبلغ الرؤية الكانطيّة مداها السياسيّ الأوسع في التفكير بالسَّلام. فالسَّلام عند كانط لا يختزل باستراحة بين حربين، ولا بمجرّد توقُّف الأعمال العدائيّة. إنّه يحتاج إلى نظام قانونيّ وسياسيّ يجعل العودة إلى العنف أقلّ احتمالًا. لذلك لا تكفي إدارة النزاع، بل ينبغي بناء الشروط التي تمنع إعادة إنتاجه. وهذا التمييز جوهريّ للبنان الذي عاش طويلًا على منطق إدارة الأزمات، واعتبر أحيانًا أنّ النجاح يكمن في منع الانفجار بدل معالجة البُنى التي تعيد إنتاجه. الدَّولة العاقلة لا تنتظر الانهيار لتبحث عن التسوية، ولا تنتظر الحرب لتكتشف قيمة السَّلام، ولا تنتظر الإفلاس لتتحدّث عن الإصلاح، ولا تنتظر تعطُّل المؤسّسات لتطالب بانتظامها. إنّها تستبق وتخطّط وتحتكم إلى القانون، وتبني استمراريّةً تتجاوز الأشخاص والعهود والتحالفات. عندها تتحوّل السُّلطة من ردّ فعل إلى فعل، ومن إدارة يوميّة للفراغ إلى إنتاج واعٍ للمستقبل.
يحتاج لبنان، من هذا المنظور، إلى ثورة في مفهوم السُّلطة أكثر ممّا يحتاج إلى إعادة توزيعها. فالسؤال الجوهريّ لا يقتصر على مَن يحكم، بل كيف يُحكَم لبنان، وبأيّ قاعدة، وتحت أيّ مرجعيّة، ولأيّ غاية. والخروج من اللَّادولة لا يتحقّق بتغيير الأشخاص داخل البنية نفسها، بل بتحويل منطقها من المحاصصة إلى المواطنة، ومن الاستثناء إلى القاعدة، ومن تعدُّد مرجعيّات القرار إلى وحدة الدَّولة، ومن التسويات التي تؤجّل الأزمات إلى المؤسّسات التي تحلّها.
هنا يصبح كانط أكثر من فيلسوف أوروبيّ من القرن الثامن عشر. يصبح سؤالًا لبنانيًّا شديد الراهنِيّة. هل نملك الشجاعة للانتقال من دولة تتفاعل مع الأحداث إلى دولة تصنع خياراتها؟ من سلطة تخشى موازين القوى إلى مؤسّسات تحكمها القاعدة؟ من إدارة الخواء إلى عقلانيّة القرار؟ إنّ بناء الدَّولة يبدأ عندما يصبح العقل أقوى من الانفعال، والقانون أقوى من الاستثناء، والمؤسّسة أقوى من الشخص، والمصلحة العامّة أقوى من المصالح المتنازعة. عند تلك النقطة فقط يخرج لبنان من خواء السُّلطة إلى عقلانيّة الدَّولة، ومن إدارة بقائه يومًا بيوم إلى امتلاك القدرة على صناعة مستقبله.
