
زياد الصَّائغ
٢٦ ايار ٢٠٢٦
حول لُبنانُ والمفاوضاتُ
الحقوق السّياديّة…الحيادُ الإيجابيُّ ومعاهدة دفاع!
لا يُمكنُ مقاربةُ ملفِّ المفاوضاتِ بينَ لُبنانَ وإسرائيلَ باعتبارِهِ ملفًّا تقنيًّا محدودًا بترسيمِ الحدودِ أو بضبطِ وقفِ إطلاقِ النّارِ أو بمعالجةِ النِّقاطِ المتنازعِ عليها فحسب. فالحقيقةُ الأعمقُ تكمنُ في أنّ هذا الملفَّ باتَ يتّصلُ مباشرةً بموقعِ لُبنانَ في الإقليمِ، وبمفهومِ الدَّولةِ فيهِ، وبطبيعةِ علاقتِهِ معَ المجتمعِ الدُّوليِّ، وبكيفيةِ إعادةِ تعريفِ الأمنِ القوميِّ اللُّبنانيِّ في مرحلةٍ إقليميّةٍ تشهدُ تحوّلاتٍ بنيويّةً غيرَ مسبوقةٍ.
لقد دخلَ الشَّرقُ الأوسطُ في مرحلةِ إعادةِ تشكيلٍ استراتيجيٍّ واسعةٍ تتجاوزُ الحساباتِ العسكريّةَ المباشرةَ إلى إعادةِ رسمِ خرائطِ النُّفوذِ والتّوازناتِ الاقتصاديّةِ ومساراتِ الطّاقةِ والدّبلوماسيّةِ. في قلبِ هذهِ التّحوّلاتِ يقفُ لُبنانُ أمامَ لحظةٍ مفصليّةٍ تُحتِّمُ عليهِ الاختيارَ بينَ الاستمرارِ بوصفِهِ ساحةً مفتوحةً للصِّراعاتِ الإقليميّةِ والدُّوليّةِ، أو الانتقالِ نحوَ نموذجِ الدَّولةِ القادرةِ على إنتاجِ استقرارِها وسيادتِها ومصالحِها الوطنيّةِ.
من هنا، لا تبدو المفاوضاتُ مجرّدَ حدثٍ سياسيٍّ عابرٍ، بل اختبارًا حقيقيًّا لقدرةِ لُبنانَ على إعادةِ إنتاجِ ذاتِهِ كدولةٍ طبيعيّةٍ في الإقليمِ والعالمِ. فالدُّولُ لا تدخلُ المفاوضاتِ انطلاقًا من هشاشتِها، بل من قدرتِها على امتلاكِ رؤيةٍ وطنيّةٍ واضحةٍ، وعلى إدارةِ مصالحِها ضمنَ استراتيجيّةِ أمنٍ قوميٍّ متكاملةٍ.
في هذا السِّياقِ تحديدًا، يبرزُ مفهومُ الحيادِ الإيجابيِّ بوصفِهِ خيارًا بنيويًّا، لا ترفًا فكريًّا أو شعارًا سياسيًّا ظرفيًّا. فالحيادُ الإيجابيُّ، في الحالةِ اللُّبنانيّةِ، لا يعني الانعزالَ عن القضايا العربيّةِ أو التخلّي عن الالتزاماتِ الأخلاقيّةِ والسّياسيّةِ، بل يعني إعادةَ تموضعٍ استراتيجيٍّ يُخرجُ لُبنانَ من منطقِ ساحاتِ الاشتباكِ إلى منطقِ الدَّولةِ المنتجةِ للاستقرارِ والدّبلوماسيّةِ والمصالحِ المتوازنةِ.
- أزمةُ الدَّولةِ قبلَ أزمةِ التّفاوضِ
تكمنُ المشكلةُ البنيويّةُ في لُبنانَ في أنّهُ تعاملَ طويلًا معَ ملفاتِ الحربِ والسِّلمِ باعتبارِها ملفاتٍ أمنيّةً ظرفيّةً منفصلةً عن مشروعِ بناءِ الدَّولةِ. بينما تُظهرُ تجاربُ الدُّولِ أنّ أيَّ مسارٍ تفاوضيٍّ ناجحٍ يحتاجُ أوّلًا إلى دولةٍ قادرةٍ على إنتاجِ قرارٍ سياديٍّ موحّدٍ، وعلى إدارةِ توازناتِها الدّاخليّةِ والخارجيّةِ ضمنَ مؤسّساتٍ دستوريّةٍ فاعلةٍ.لقد أدّى تداخلُ السّلطاتِ الأمنيّةِ والسّياسيّةِ والعسكريّةِ في لُبنانَ إلى إضعافِ مفهومِ السّيادةِ نفسهِ، وإلى تحوّلِ البلادِ تدريجيًّا إلى مساحةِ اشتباكٍ إقليميٍّ-دوليٌ مفتوحٍ.، على وقع ازدواجيّة سلاح قاتلة. لم يعدْ الانهيارُ الماليُّ والاقتصاديُّ والاجتماعيُّ سوى نتيجةٍ مباشرةٍ لهذا الخللِ البنيويِّ العميقِ في مفهومِ الدَّولةِ ووظيفتِها.إنَّ أخطرَ ما يُواجهُهُ لُبنانُ اليومَ ليسَ فقط احتمالَ استمرار الحربِ أو الانهيارِ الاقتصاديِّ أو التقكّك الدّولتيّ، بل خطرَ تحوّلِ انهيارِ الدَّولةِ إلى واقعٍ دائمٍ. لذلكَ، فإنَّ أيَّ مقاربةٍ جديّةٍ للمفاوضاتِ يجبُ أن تنطلقَ من إعادةِ بناءِ مفهومِ السّيادةِ واستعادةِ احتكارِ الدَّولةِ لقرارِ الحربِ والسِّلمِ واستخدامِ القوّةِ، وفقًا للدُّستورِ والقوانينِ والقراراتِ الدُّوليّةِ ذاتِ الصّلةِ.
- المفاوضاتُ بينَ ضروراتِ وإعادةِ تَموضعِ
لا شكَّ في أنّ لُبنانَ يحتاجُ إلى مقاربةٍ براغماتيّةٍ تحمي مصالحَهُ الوطنيّةَ وتمنعُ انزلاقَهُ إلى حروبٍ مفتوحةٍ لا يملكُ القدرةَ على تحمّلِ نتائجِها. غيرَ أنّ البراغماتيّةَ لا تعني التخلّي عن الثّوابتِ الوطنيّةِ، كما أنّها لا تعني الاستسلامَ لمنطقِ موازينِ القوى فقط.إنَّ التّحدّيَ الحقيقيَّ يكمنُ في قدرةِ لُبنانَ على إدارةِ المفاوضاتِ ضمنَ رؤيةٍ استراتيجيّةٍ طويلةِ المدى، لا بوصفِها استجابةً ظرفيّةً لأزمةٍ أمنيّةٍ طارئةٍ. فالمفاوضاتُ الحديثةُ لم تعدْ مقتصرةً على العسكريّينَ أو السّياسيّينَ وحدَهم، بل أصبحتْ ترتبطُ بالطّاقةِ، والاقتصادِ، والدّبلوماسيّةِ، والقانونِ الدُّوليِّ، والتّواصلِ الاستراتيجيِّ، والصّورةِ الذّهنيّةِ للدُّولِ في المجتمعِ الدُّوليِّ. في هذا الإطارِ، يصبحُ من الضّروريِّ أن يمتلكَ لُبنانُ فريقًا تفاوضيًّا متعدِّدَ الاختصاصاتِ، قادرًا على الجمعِ بينَ البُعدِ السّياديِّ والبُعدِ التّقنيِّ، وعلى إدارةِ المصالحِ الوطنيّةِ بعيدًا عن الخطاباتِ الشُّعبويّةِ أو الاصطفافاتِ الإيديولوجيّةِ الحادّةِ. إنَّ تثبيتَ الاستقرارِ الحدوديِّ، وحمايةَ الحقوقِ اللُّبنانيّةِ في البرِّ والبحرِ والجوِّ، وإعادةَ فتحِ المجالِ أمامَ الاستثمارِ وإعادةِ النُّهوضِ الاقتصاديِّ، كلُّها أهدافٌ مشروعةٌ وأساسيّةٌ. لكنَّ تحقيقَها يبقى مرتبطًا أوّلًا بقدرةِ لُبنانَ على استعادةِ موقعِهِ كدولةٍ ذاتِ سيادةٍ لا كساحةِ نفوذٍ إقليميٍّ متعدِّدِ المرجعيّاتِ.
- الحيادُ الإيجابيُّ كعقدٍ وطنيٍّ جامع
في ظلِّ التّحوّلاتِ الكبرى التي يعيشُها الإقليمُ، يبدوُ أنّ لُبنانَ باتَ أمامَ فرصةٍ تاريخيّةٍ لإعادةِ تعريفِ دورِهِ ووظيفتِهِ. وهنا تحديدًا يبرزُ مفهومُ الحيادِ الإيجابيِّ بوصفِهِ مشروعَ دولةٍ متكاملًا، لا مجرّدَ طرحٍ نظريٍّ أو توازنٍ دبلوماسيٍّ هشٍّ. الحيادُ الإيجابيُّ لا يعني خروجَ لُبنانَ من محيطِهِ العربيِّ، ولا تجاهلَ القضايا الإنسانيّةِ والسياسيّةِ الكبرى، بل يعني إعادةَ بناءِ سياستِهِ الخارجيّةِ على قاعدةِ المصلحةِ الوطنيّةِ العليا، وعلى قاعدةِ حمايةِ الاستقرارِ الدّاخليِّ ومنعِ تحويلِ البلادِ إلى منصّةِ اشتباكٍ دائمٍ.إنَّ نجاحَ الحيادِ الإيجابيِّ يحتاجُ إلى إعادةِ تأسيسِ مفهومِ الأمنِ القوميِّ اللُّبنانيِّ بصورةٍ شاملةٍ. فالأمنُ القوميُّ لم يعدْ مفهومًا عسكريًّا صرفًا، بل أصبحَ يشملُ الاقتصادَ والطّاقةَ والدّبلوماسيّةَ والثّقافةَ والأمنَ الغذائيَّ والأمنَ السّيبرانيَّ والأمنَ الإنسانيَّ. كما أنّ الحيادَ الإيجابيَّ يحتاجُ إلى دولةٍ قويّةٍ بمؤسّساتِها، وإلى اقتصادٍ منتجٍ، وإلى شبكةِ علاقاتٍ عربيّةٍ ودوليّةٍ متوازنةٍ، وإلى خطابٍ وطنيٍّ جامعٍ يُعيدُ بناءَ الثّقةِ بينَ الدَّولةِ والمجتمعِ.إنَّ الدُّولَ التي نجحتْ في بناءِ نماذجِ حيادٍ مستقرّةٍ لم تصلْ إلى ذلكَ عبرَ الانعزالِ، بل عبرَ تحويلِ استقرارِها إلى مصلحةٍ إقليميّةٍ ودوليّةٍ مشتركةٍ. وهذا تحديدًا ما يحتاجُهُ لُبنانُ اليومَ، أي الانتقالُ من دولةٍ تُصدِّرُ الأزماتِ إلى دولةٍ تُنتجُ الاستقرارَ.
- الولاياتُ المتّحدةُ ودورُ الرّعايةِ الدُّوليّةِ
لا يُمكنُ تجاهلُ الدَّورِ الأميركيِّ المركزيِّ في المسارٍِ التفاوضيّ المرتبطٍ بلُبنانَ وإسرائيلَ. فالولاياتُ المتّحدةُ تُشكّلُ الجهةَ الدُّوليّةَ الأكثرَ قدرةً على توفيرِ الضّماناتِ السّياسيّةِ والأمنيّةِ والاقتصاديّةِ لأيِّ ترتيباتٍ مستقبليّةٍ.غيرَ أنّ نجاحَ أيِّ رعايةٍ دوليّةٍ يبقى مرتبطًا بقدرةِ لُبنانَ على إنتاجِ رؤيةٍ سياديّةٍ داخليّةٍ موحّدةٍ. المجتمعُ الدُّوليُّ لا يستطيعُ بناءَ دولةٍ بدلًا عن اللُّبنانيّينَ/ات أنفسِهِم، كما أنّ أيَّ دعمٍ خارجيٍّ يفقدُ فعاليتَهُ عندما يغيبُ المشروعُ الوطنيُّ الواضحُ. في هذا السِّياقِ، تُطرحُ أحيانًا فكرةُ توقيعِ معاهدةِ دفاعٍ معَ الولاياتِ المتّحدةِ الأميركيّةِ كجزءٍ من إعادةِ بناءِ منظومةِ الأمنِ القوميِّ اللُّبنانيِّ. غيرَ أنّ هذا الطّرحَ يحتاجُ إلى مقاربةٍ شديدةِ الدِّقّةِ، لأنَّ أيَّ تموضعٍ استراتيجيٍّ للبنانَ يجبُ أن يأخذَ بعينِ الاعتبارِ تعقيداتِ البيئةِ الإقليميّةِ وحساسيّاتِها.صحيحٌ أنّ أيَّ شراكةٍ استراتيجيّةٍ معَ واشنطنَ قد تُساهمُ في تعزيزِ قدراتِ الجيشِ اللُّبنانيِّ وفي توفيرِ مظلّةِ دعمٍ سياسيٍّ وأمنيٍّ، إلّا أنّ الخطرَ يكمنُ في تحويل البعض لها مجدّدًا إلى جزءٍ من محاورِ الاشتباكِ الكبرى إذا غابتِ الرُّؤيةُ الوطنيّةُ الواضحةُ.لذلكَ، فإنَّ جوهرَ المسألةِ لا يكمنُ في توقيعِ معاهدةٍ بحدِّ ذاتِها على ضرورتها الاستثنائيّة، بل في قدرةِ لُبنانَ على تحويلِ أيِّ علاقةٍ دوليّةٍ إلى عنصرِ دعمٍ لسيادتِهِ واستقرارِهِ وخياراته التاريخيّة.
في المحصّلة يقفُ لُبنانُ أمامَ لحظةٍ تأسيسيّةٍ تتجاوزُ حدودَ التّفاوضِ التّقنيِّ أو الأمنيِّ. فالسُّؤالُ الحقيقيُّ لم يعدْ فقط كيفَ يُفاوضُ لُبنانُ، بل أيُّ لُبنانَ يريدُ أن يكونَ بعدَ هذهِ المرحلةِ. إنَّ استمرارَ نموذجِ اللّادولةِ لم يعدْ قابلًا للحياةِ، كما أنّ منطقَ السّاحاتِ المفتوحةِ أثبتَ عجزَهُ عن إنتاجِ الاستقرارِ أو حمايةِ المجتمعِ أو الحفاظِ على الدَّولةِ. لذلكَ، يبدوُ الحيادُ الإيجابيُّ اليومَ أقربَ إلى ضرورةٍ بنيويّةٍ لإعادةِ بناءِ لُبنانَ كدولةِ مواطنةٍ وسيادةٍ واستقرارٍ، لا كمجرّدِ خيارٍ سياسيٍّ بينَ خياراتٍ متعدِّدةٍ.وإنَّ نجاحَ هذا المسارِ يحتاجُ إلى شجاعةٍ وطنيّةٍ وفكريّةٍ وسياسيّةٍ تُعيدُ إنتاجَ مفهومِ الدَّولةِ على قاعدةِ المصلحةِ الوطنيّةِ العليا، وتُنهي تدريجيًّا زمنَ استخدامِ لُبنانَ كساحةٍ لصراعاتِ الآخرينَ.حينَها فقط، تتحوّلُ المفاوضاتُ من ملفٍّ أمنيٍّ-تقنيّ هشٍّ إلى مدخلٍ تاريخيٍّ لإعادةِ تأسيسِ الدَّولةِ اللُّبنانيّةِ الحديثةِ، دولةِ السّيادةِ، والمواطنةِ، والدّبلوماسيّةِ، والحيادِ الإيجابيِّ المنتجِ للاستقرارِ.
