
بقلم : الدكتور جورج شبلي
٢٢ حزيران ٢٠٢٦
المُنتَشِرون حظوظُ بدائع لبنان
عندما يقودُ الحنينُ جولةً في كتابِ الغُربة، أكثرُ ما يعرقلُهُ زحامُ الذكريات، فيقعُ في أزمة، لأنه لا يستطيعُ أن يَقتَطِف، ولا أن يتوارى، ولا أن يُميتَ نفسَه شهيدًا. وقد قيل إنّ في يدِ الحنين، فقط، أن يعيشَ طريدًا، مغصوبَ الرّاحة، لأنّه، في الأساس، إِرثُ المِحنة، مِحنةِ الهجرة. لكنّ الهزيمةَ أمامَ المَشاعر، وإِن طالَت الكبرياء، فما هي سوى ثوابٍ للذين تتحرّقُ عواطفُهم السَّكرى الى الوطن، ويتطاولُ البكاءُ على وجدانهم فيرضى.
في المَهاجر، يناضلُ الشَّوقُ الى أمكنةٍ تُبايعُ وجعَ الزّمن، لكنّ المُشتاقين الذين ينتمون الى رزانةِ العزائم، والإحساس الحيّ، ما عادوا يبكون سِرًّا، وما عادَ ليلُ الشّوقِ الطويل يؤلِمُهم لينكسروا. وبالرَّغم من أنّ الحنينَ مُغرَمٌ بالخجل، لكنّه لم يُنضِبْ تَغَوُّرَ حُبِّ المنتشِرين للوطن، وهو حُبٌّ يشكّلُ، وحدَه، طريقًا مسلوكًا لا يشاركُهم فيه أحد.
لقد شكّلت الغربةُ اتّجاهًا فلسفيًّا معقودًا على البُعد الإنساني، وهو اتّجاهٌ مالَ المنتشِرون الى المحافظة عليه بشكلٍ حميميّ، وكأنّه بِكْرُ قطراتِ نَدًى فوق زهرةٍ ذابلة. وصدقَ مَنْ قالَ إنّ المُنتشِرين كالمَرج، كلّما تفتَّحَت زهرةٌ تَضَوَّعَ عَبَق.
لقد نذرَ المنتشِرون أنفسَهم للتّبشير بلبنان، فشرحوا ما استُغلِقَ على الكثيرين، في أمكنةِ العالَم، أزمانًا. وجاءَت إنجازاتُهم، بما فيها من إكبارٍ للأرض، وتمجيدٍ لصيتِها، رسائلَ وفيّةَ التّأثير في الثّقة بصورة الوطن، هذه التي تقتضي من مُنكِريها إفراطًا بالخشوع لِشَرَفِ المنزلةِ، وثَبْتِ المعجزة. فلبنان الذي كان المنتشِرون عَلِقين به، وما زالوا، لم توجَبْ عليهم الحجّة في النِّزاع حولَ ما إذا كان فكرةً في بال الله، وقد تعذَّرَ على بَني البشر أن يأتوا بمِثلِه. وفي هذا الشّأن قالَ أحدُهم : لِمَ العَجَبُ، واللهُ بذاتِهِ فَصَلَ في هذه المسألة حينَ ذكرَ لبنان، في العهد القديم، نَيِّفًا وسبعين مرّة ؟؟؟
لقد عملَ المنتشِرون، في كلّ أصقاع الدّنيا، ولبنانُ في وجدانِهم بمنزلةِ العَقد، فجعلوا كلَّ خرزةٍ منه الى ما يَليقُ بها، ليكونَ رائعًا في المرأى، وجهدوا حتى لا يختلَّ نَظمُهُ فيضعف وتفسد قيمتُه، فدقّةُ عَقدِ النّظمِ لا يُجيدُها إلّا المتفوِّقون، وهكذا المنتشِرونَ. كيف لا، والمنتشِرون مطبوعون بشخصيّةٍ صلبةٍ مستقيمة، لا تُهادِنُ في عناوينَ تُسري على وجودِ لبنانَ قيمتَه. من هنا، جاءَ نضالُ المنتشِرين الأصفياءِ الطَّبعِ والرّوح، والكَلِفين برتبة الكرامة الوطنيّة، غزيرَ الملاءمة لمناقبِ حقِّ الوطن بالسيادة والحريّة، والقِيَم الإنسانيّة الخالدة.
لم يكنْ يجدرُ بكتُبِ التَّراجم أن تُعَيِّنَ المكانَ والزمانَ لإصلِ المنتشِرين في الدّنيا، بل كان عليها، فقط، أن تحرصَ على الإشارةِ الى انخراطِهم في المسيرةِ الاجتماعيّة، بكلِّ مفاصلِها، حيثُما حَلّوا، لتخرجَ الأخبارُ من حفافي العاديّة الى التَّجاوزِ والإبداع والتفوّق. فالمنتشِرون محطّاتُ جهاد، وملمحٌ من ملامحِ وطنٍ حافظوا على تَرَفِ المُلوك في تعلّقِهم به، بالرَّغم من زمنِ المشقّاتِ، وأعاجيبِ الألم.
إنّ عِقَدَ شبكةِ المنتشِرين بالوطنِ متينة، لذلك، بقيَت قيدَ الاستخدام، محبوكةً بصَنانيرِ الانتصارِ للحقّ، وطيبِ الإلفةِ مع الولاء للانتماء، فلم يتركوا جهدًا يرتاح، وكانوا الأكثرَ اندفاعًا في تصريفِ أفعالِ خدمةِ لبنان، وقد أخرجوا من وجدانِهم وَتَرًا جديدًا أضافوه الى قيثارةِ تمجيدِ الوطن. وهكذا، لم يحشرِ المنتشِرون صورةَ بلادهم في عدسةِ آلةٍ جوفاء مسلوبةِ الانفعال بين لقطةٍ ولقطة، فأبرأوا ذِمَّتَهم عندَ المُقيمين الذين لا يريدون لبنانَ مع المنتشِرين جَيبًا مرقوعًا، بل صورةً ناطقةً، ودينارًا منقوشًا، ورَزقَةً في مجلسِها كأسٌ تُشرَبُ وكأسٌ تُصَبّ.
إنّ لبنانَ، مع المنتشِرين أُلّافِ الوطنيّةِ الصّافية، هو روحٌ صِرف، وأَنفَسُ الذّخائر، وله مقامٌ معلوم، وهو، كما يقولُ يوسف غصوب، خلاصةُ آمال الشّعوب، والحَجَرُ الأسْوَدُ بعدَ أن لَوَّنَ أهلُ الدّنيا، الأقربون والأبعدون، دُنياهُ بالأَسْوَد. إنّ غيرةَ المنتشِرين لا يهدرُ جَريُها بِخَفَر، وليس في غلَّتِها ظَمَأ، أعطَوها ما تستوجبُ من جهدٍ ووقت، فكانت ميزةً تَطبعُ، بعمقٍ، إحساسَهم المُتَّشِحَ بإِزار الوطن، وكأنّ ما أنشدَه الأَخَوان فليفل ” الفخرُ في بلادِنا “، تَهَيَّأَ في جُبلتِهم حُبًّا غيرَ شحيح، والحُبُّ إذا ما اعترى القلبَ فليس يَزول.
إنّ الحماسةَ الوطنيّةَ مشكولةٌ على خصرِ كلِّ منتشِر، ففي كلِّ قلبٍ للحماسةِ نَبْض، فهي تُؤَجِّجُ الوجدانَ ليَثبتَ عندَه مفهوم الانتماء، وليَنتمي الى ذريّةِ الولاء والوفاء. إنّ المنتشِرين تُحفاتٌ بهيّةٌ جابَت الدّنيا فجابَت إلينا الأمل، بعدَ ما اقترفَتِ الحروبُ من مَكاره شَلَّعَت عَصَبَ الأرض، وحرمَت بلادَنا حُلْوَ العَيش. إنّ المُنتشِرين هم نواةُ تأسيس لبنانَ الجديد، وهم حَظايا الوطن، فيكفي أن نوظَّفَ مآثرَهم لتُشرِقَ، عندَنا، نُسخةُ الغَد.
