
البروفسور أسعد قطّان
٢١ ايلول ٢٠٢٦
المسلمون والاستشراق
لعلّنا لا نجانب الصواب إذا حسبنا أنّ كُثُراً من المفكّرين المسلمين ما زالوا يتعاملون مع ظاهرة الاستشراق بوصفها التحدّي الأبرز المطروح على العقل الإسلاميّ. هذا يرتبط، على الأرجح، بكون الاستشراق، في سعيه إلى دراسة الإسلام، لا يقيم وزناً لكيفيّة مقاربة المسلمين تراثهم، ولما يتحكّم بهذه المقاربة من قبليّات موروثة، بل يتوسّل منطلقاته في المنهج النقديّ التاريخيّ، الذي يسائل ويراجع ويفكّك. هذا لا يستتبع، طبعاً، أنّ الاستشراق حياديّ. فالحياديّة في العلم غير ممكنة. غير أنّ قوّة المنهجيّة التاريخيّة تكمن في قدرتها على تنقيح فرضيّاتها وتشذيبها. وهذا يجعلها تتقدّم على المقاربات ذات الطابع الغيبيّ، التي غالباً ما تحسب أنّ هناك أسئلةً لا يسوغ طرحها، وأنّ ثمّة منطلقات يُمنع النظر فيها بعين النقد.
مثل هذا الاختلاف في المقاربة المنهجيّة كثيراً ما يفضي إلى التشكيك في الرواية التقليديّة المتّصلة بنشوء الإسلام، ومحاولة الاستعاضة عنها بروايات أخرى يعدّها المستشرقون أكثر انسجاماً مع المعطيات التاريخيّة والأثريّة. نحن لسنا، هنا، أمام ظاهرة جديدة. فتطبيق المنهج النقديّ التاريخيّ على المصادر المسيحيّة ساق إلى نزع الهالة الأسطوريّة عن كثير من العناصر التي أضفى عليها المسيحيّون، طوال قرون، طابع التقديس. وثمّة دارسون غاية في الجدّيّة والباع العلميّ يسائلون الرواية التاريخيّة العبريّة، كما نعثر عليها في التوراة وسائر الكتب، وذلك خصوصاً بالارتكاز على المعطيات التي يمدّنا بها علم الآثار. بطبيعة الحال، لا نجد لدى المستشرقين روايةً موحّدةً عن نشأة الإسلام. فالتنوّع في السيناريوهات سمة من سمات العلم. هذا التنوّع يقتضي جوجلةً تقصي الغثّ وتبقي على الثمين. لكنّ عمليّة الجوجلة هذه فعل تراكميّ يقوم على الحوار ومقارعة الحجّة بالحجّة، لا على قرارات تُتّخذ من خارج اللعبة العلميّة، عبر إضفاء صفة الإطلاق على بعض المصادر التاريخيّة وكأنّها تنطوي على مسلّمات غير خاضعة للنقد.
من النافل القول إنّ المسعى الاستشراقيّ ليس في منأًى عن النقد. وقد لفت عدد لا يستهان به من المفكّرين المسلمين إلى هنات المحاولة الاستشراقيّة، علماً بأنّ نقد المقاربة الاستشراقيّة الأبعد غوراً أتى من مفكّر مسيحيّ اسمه إدوارد سعيد، إذ عدّ أنّ الاستشراق على وجه العموم كان في خدمة المشروع الكولونياليّ الغربيّ. من الضروريّ بمكان، أوّلاً، الإشارة إلى أنّ الاستشراق ليس ظاهرةً فريدةً في عالم الأكاديميا الغربيّة، إذ تنكبّ هذه، منذ زمان طويل، على دراسة الكثير من الظواهر الأنثروبولوجيّة والتاريخيّة والثقافيّة شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً. ولعلّ بعضاً من قوّتها المعرفيّة يكمن في هذه الشموليّة، في حين أنّ أهل الشرق كثيراً ما تجدهم منهمكين بدراسة تاريخهم وتراثهم حصراً. علاوةً على ذلك، ثمّة مَن يلفت اليوم إلى ضرورة تنقيح تأويل الاستشراق لدى إدوارد سعيد من زاويتين على الأقلّ: الأولى تتلخّص في أنّ عدداً لا يستهان به من المستشرقين أحبّ الشرق وأهله وتراثاته ولم يكن خاضعاً للفكرة الكولونياليّة المتعالية، حتّى إنّه أمعن في نقدها أحياناً. أمّا الزاوية الثانية، فقوامها أنّ الإفراط في تلقّف المقاربة السعيديّة لا يندر أن يحدونا على تغليب نقد الآخر على نقد الذات. والأكيد أنّ تقدّم المجتمعات أنّى له أن يستقيم من دون الأخير.
لئن كانت للمفكّرين المسلمين وغيرهم مآخذ عديدة على المسعى الاستشراقيّ، فالثابت أيضاً أنّ للمستشرقين أيادي بيضاء على دراسة الإسلام لا يسعنا إنكارها. ولعلّ أبرزها، إبّان العقود الأخيرة، بدء وضع مداميك طبعة نقديّة للقرآن الكريم بالاستناد إلى مقارنة المخطوطات القديمة. من المستغرب أن يأتي هذا الجهد العلميّ «غربيّاً» من حيث مصدره بالرغم من الإمكانات البشريّة والمادّيّة الهائلة التي تزخر بها ديار المسلمين. هذه الظاهرة تحيلنا على سؤال ذي شأن: هل نحن مقتنعون فعلاً بجدوى البحث العلميّ الرصين في نطاق الدين؟ وهل من بديل عن المغامرة البحثيّة التنويريّة حين يتّصل الأمر بتراثاتنا الدينيّة؟ وما بين الاستشراق والاستغراب مسافة شاسعة.
