
بقلم : الدكتور جورج شبلي
٤ تشرين الاول ٢٠٢٦
إعدام الوطن
إذا تَغابى المسؤولون، عندنا، ومَنْ لَفَّ لَفَّهُم، عن قصدٍ أو عن غير قصد، في موضوع تَفويت الفرصة اليتيمة المتاحة للبنان لكي ينبلج فيه اليوم الثالث، فهذا يعني، بالتحديد، إعدام الوطن، لِذا، لا يعود نافعًا البكاء على الأطلال.
إنَّنا نعيش، اليوم، تراجيديا الأمل، فمَنْ في السُّلطة متراخون، والمستقوون، في المقابل، لا يزالون ينشلون الدولة بالتَّرهيب، ويزجّون البلد في خطر يطال وجوده، وكيانه السياسي، وهويّته. وما كان الذين تبقّوا من المكابرين، لينجحوا بأدائهم الجرميّ، لولا ترهّل الذين يتربّعون في السُّدّة، وهو ترهّل يأذن بسحق النِّظام، وباستكمال سَبي القرار، وبتجيير البلاد إلى استعمارٍ معروفةٍ مرجعيّته، ولم تَعُد تخفى أهدافه.
يتابع المستقوون، حتّى الساعة، مشروعًا نَشلَويًّا، وبحنكة، لإعادة البلد إلى حالة اللادولة لتسيطر شريعة الغاب، حيث الحقّ للقوّة، والإرهاب، والسّلاح اللّاشرعي، وحيث تسود الأنارشية التي بلا ضوابط. أمام هذا الواقع، يحقّ لنا أن نطرح السُّؤال: إذا كانت الدولة هي الجهة المؤتمنة على السياسة التي يتمّ بها تنظيم حياة الأفراد، وتأمين الاستقرار لهم، كما يقول “روسّو”، وهي تحتكر وحدها “العنف الشّرعي” كما يقول “ماكس فيبر”، فأين أداء المسؤولين من حقيقة أنّ الدولة هي صاحبة القوّة العليا التي تمتلك، منفردةً، قدرة الإرغام على امتثال الجميع للقوانين، لحفظ النِّظام، وفرض السيادة على مساحة الوطن؟؟؟
إنَّ حالة تَسميم أمل النّاس، تتفاقم يومًا بعد يوم، يمارسها أمرٌ واقعٌ متسلّط، وأناسٌ مفخَّخون بخطّة تقويض الدولة، بالوعيد، والتّهديد، و”قطع الإيد”، ممّا يُجبر مرجعيّات السُّلطة على التملّق والانبطاح، فيحظى المستقوون بالهيمنة، وانتهاك الحُكم، وسلب القرار. لقد بحث الناس عن الفرح، منذ أن حصل التَّغيير المعروف، لكنّهم باتوا لا يعلمون متى سيُرفع الحصار عنه، فهم لا يرَوْن، في كلّ يوم، غير أصابع تُهدِّد، يرفعها وكلاء الخارج المأجورون، والذين تفوح منهم نكهة الدّمّ التي لم يَعُد لها طَعْم.
لقد راح النّاس يكرّرون ما كانوا يقولونه إبّان العهود المنصرمة المتآمرة، والتي باعَت البلاد أشلاءً في سوق السّكاكين، من أنّ لبنان قد نَفَخ فيه الشّيطان، ولمّا يزل من دون مُخلِّص. وسألوا: أين الفعل المُحرِّر من العلّة المعروفة التي نكبت الوطن؟ وهذا حقٌّ لا يُطلَب من أحد، ولا ذرائعَ تُبرّر التنكّر له، أو تمييعه، ليصبح فاقد القيمة. فالمطلوب أن يهدر إيقاعه في جنبات البلاد، حتّى لو اضطُررنا إلى كتابة فصل الخلاص بالحبر الأحمر!!!
واستنادًا إلى ذلك، ينبغي أن نسأل المستقوين الذين لا يريدون الإفراج عن الوطن من معتقلٍ هم صانعوه: أين هي الثوابت التي تربطكم بلبنان؟ هل مسَّكم خبرُ الولاء للوطن، والملازم لوجودكم فيه؟ إنّ كلامكم عن أنّ الدولة هي المرجعيّة الوحيدة الضامنة لحقوق أهلها، يبقى هباءً لا قيمة له، إن لم يقترن بتسليم سلاحكم لقواها الشرعيّة. فكلامكم، إذًا، هو كالسفينة على أرضٍ يابسة. إنّ لبنان في مهبّ الخطر، وهو شهيد نزواتكم الممجوجة، وترّهاتكم الممقوتة، ومغامراتكم العبثيّة التي أتت على أخضره واليابس، ولا بصيصَ في مسألة عبوره من عصر برابرة الضّجيج، إلى حيّز التّعافي، والأمان، والطمأنينة، وراحة البال، إلّا بهزّةٍ لأمخاخكم علّها تعيدكم إلى رشدكم الوطني، لترمّموا العلاقة بهذا اللبنان الذي هو بحاجةٍ ماسّة ليرتاح، ويعيش، علَّ وعسى…
