
البروفسور أسعد قطّان
٣ تشرين الاول ٢٠٢٦
حذارِ من الدين الإيديولوجيّ..
ثمّة، في الآونة الأخيرة، كلام كثير على التضادّ بين الإيديولوجيا والتكنولوجيا. وهناك شعور متعاظم بأنّ المعارك العسكريّة لا تُربح عبر اللجوء إلى الإيديولوجيا، بل عبر الإمساك بناصية التكنولوجيا. من النافل القول إنّ هذه المعرفة ليست بجديدة. فالانتصارات التي كان البشر يحرزونها في حروبهم منذ فجر التاريخ ما كانت تستند إلى «استراتيجيّات» ذكيّة فحسب (معنى اللفظ اليونانيّ الأصليّ يشير إلى قيادة الجيش)، بل إلى الأسلحة الجديدة التي كانوا يستنبطونها. لكنّ هذه المعرفة آخذة في التجدّد اليوم على قدر تكثّف التوتّر بين التكنولوجيا والإيديولوجيا، وذلك بفعل ظهور عقائد قتاليّة ذات طابع دينيّ ترتكز، كلّيّاً أو جزئيّاً، على إيديولوجيّات غيبيّة.
هذا كلّه يحيلنا على العلاقة بين الدين والإيديولوجيا، وعلى مدى قدرة الدين على الانفكاك من رباطها. لا شكّ في أنّ الدين يقوم على تصديق رواية يستحيل تقديم برهان على صحّتها أو عدم صحّتها. هذا، مثلاً، حال القول بوجود الله، إذ منذ الفيلسوف العظيم إيمانويل كانط (١٧٢٤-١٨٠٤)، هناك اقتناع بأنّه لا يمكن الإتيان ببرهان على وجود الله بالأدوات العقليّة المتاحة للإنسان؛ كذلك يستحيل الإتيان ببرهان مضادّ على عدم وجوده. هذا التصديق يطلق عليه أهل الدين اسم الإيمان. لكن ينبغي عدم الخلط بين الإيمان والإيديولوجيا. فالفعل الإيمانيّ منفتح لكونه يقبل الحوار ولا ينكمش حيال مغامرة النقد. أمّا الفعل الإيديولوجيّ، فلا يعترف بالنقد ولا يقيم له وزناً. ومن ثمّ، قوام الإيديولوجيا المكوث خارج العمليّة النقديّة والاعتصام ببعض الغيبيّات حتّى عندما يتبيّن حجم هشاشتها.
معضلة الدين الإيديولوجيّ أنّه يسخّر الإنسان في سبيل تعزيز مقاربته الإيديولوجيّة وترسيخها. عوضاً عن أن يكون الدين في خدمة إنسانيّة الإنسان، تتقهقر المركّبة الإنسانيّة أمام صلف السعي إلى المحافظة على الرواية الإيديولوجيّة كائناً ما كان الثمن. نهاية هذا الدين الإيديولوجيّ أعلنها الاحتفال بافتتاح الألعاب الأولمبيّة الصيفيّة في باريس العام ٢٠٢٤. لا ريب في أنّ منظّمي الاحتفاليّة أرادوا التشديد على القيم الفرنسيّة وتوكيد مكانة العاصمة باريس في الوجدان العالميّ. لكنّ الاحتفال يمكن تأويله أيضاً بوصفه احتفاءً بالتعدّد الفكريّ والإثنيّ والعرقيّ واللغويّ والجنسيّ من حيث كونه القاعدة لا الاستثناء، وذلك بخلاف المنظومات السياسيّة والدينيّة ذات الطابع الإيديولوجيّ، التي كثيراً ما تستنجد بآليّات الرصّ والتجييش والتنميط والتهميش وصولاً إلى الإقصاء والتكفير.
الأديان، إذاً، على اختلافها، مطالبة بأن تتعلّم أبجديّة التعدّد، وذلك من طريق إعادة اكتشاف ما يتناسب في تراثاتها، وخصوصاً كتبها المقدّسة، مع هذه الفكرة. غنيّ عن القول أنّ أمّات الكتب الدينيّة تغصّ بعناصر ترصد التعدّد وتثمّنه وتعلي شأنه، ولا سيّما فكرة الضيافة، التي حوّلتها الأديان من معطًى اجتماعيّ صرف إلى قيمة أخلاقيّة ودينيّة رفيعة. غير أنّ المنظومات الدينيّة الإيديولوجيّة تنزع إلى طمس التعدّد بحجّة حماية جماعة لا يمكنها صون وجودها وتراصّها إلّا في حمى منظومة فكريّة جامدة.
إذا أرادت الأديان المحافظة على علّة وجودها، أي بالدرجة الأولى إضفاء المعنى على الخبرات الإنسانيّة الكبرى، لا بدّ للدين الإيديولوجيّ من أن ينحسر موسّعاً المكان لدين يبارك التعدّد ولا يخشى حرّيّة النقد.
