
بقلم: الياس كساب
رئيس التحرير، باحث في الشؤون الاغترابية، واللبنانيّة، والعربيّة
٢٦ ايلول ٢٠٢٦
لبنان تحت الفصل السابع، أو تسليم السلاح، ولا خيار آخر بينهما
الحكومات اللبنانية المتعاقبة الراضخة للاحتلالات أعطت الذريعة، فانتهت اليونيفيل… وفرنسا تتحمل الملامة الكبرى
ثمة لحظة في تاريخ الدول يصبح فيها السؤال أكبر من قدرة الحكومات على المناورة، وأقسى من لغة البيانات الدبلوماسية. ويبدو أن لبنان يقترب من هذه اللحظة: هل يبقى أسير معادلة دولية أثبتت محدوديتها، أم يطلب بنفسه انتقال الملف اللبناني إلى مرحلة جديدة، عنوانها تنفيذ قرارات مجلس الأمن بالقوة تحت الفصل السابع؟
المسألة ليست في وجود قوات الأمم المتحدة في لبنان بحد ذاته، ولا في تحميل اليونيفيل مسؤولية ما يتجاوز تفويضها. المسألة الأعمق هي أن لبنان، منذ صدور القرار 425 عام 1978 وصولاً إلى القرارين 1559 عام 2004 و1701 عام 2006، لم ينجح في تحويل القرارات الدولية إلى سلطة فعلية للدولة على كامل أراضيها.
فالقرار 425 لم يكن مجرد دعوة سياسية. لقد دعا إلى احترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه واستقلاله السياسي، وإلى انسحاب القوات الإسرائيلية، وإلى مساعدة الحكومة اللبنانية على استعادة سلطتها الفعلية في الجنوب. وعلى هذا الأساس أُنشئت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد عقود هو: ماذا بقي من الهدف الأصلي؟
من 425 إلى 1559: قرارات تتراكم وسلطة تتراجع
جاء القرار 1559 عام 2004 ليضع الإصبع على جرح أعمق: سيادة لبنان، انسحاب القوات الأجنبية، حلّ ونزع سلاح جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، وبسط سلطة الحكومة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية.
ثم جاء القرار 1701 عام 2006 ليعيد تأكيد هذه المبادئ في أعقاب حرب تموز، داعياً إلى وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني واليونيفيل في الجنوب، ومنع إدخال الأسلحة والمعدات العسكرية إلى لبنان من دون موافقة الحكومة اللبنانية، وتعزيز قوة اليونيفيل.
لكن بين نص القرار وواقع لبنان نشأت فجوة هائلة.
كان لبنان الرسمي، في مراحل مختلفة، واقعاً تحت تأثير الوصاية السورية، ثم تحت نفوذ إيراني متزايد عبر حزب الله. وهكذا لم تكن المشكلة في غياب القرارات الدولية، بل في غياب القدرة السياسية اللبنانية على تنفيذها، وغياب الإرادة الدولية الحاسمة لفرض تنفيذها عندما عجزت الدولة اللبنانية عن ذلك.
وهنا تكمن المأساة.
ففي الوقت الذي كانت فيه القرارات الدولية تطالب ببسط سلطة الدولة ونزع سلاح الميليشيات، كانت البنية العسكرية لحزب الله تتوسع سياسياً وعسكرياً. وما كان يُبنى فوق الأرض من نفوذ سياسي وأمني وعسكري، كان يُبنى تحته أيضاً من بنية تحتية وأنفاق ومواقع عسكرية.
وهذا لا يعني أن اليونيفيل كانت تملك تفويضاً مفتوحاً لتفكيك حزب الله أو شن عمليات عسكرية مستقلة، بل على العكس، فإن تقييم أداء القوة يجب أن ينطلق من التفويض الذي منحها إياه مجلس الأمن والقيود التي واجهتها على الأرض.
لكن النتيجة السياسية بقيت واحدة: السلاح غير الشرعي لم يُنزع، وسلطة الدولة لم تصبح كاملة، والقرار 1701 لم يُنفذ بصورة كاملة.
وتؤكد تقارير الأمين العام للأمم المتحدة الحديثة أن تنفيذ القرار 1701 ظل يشهد انتهاكات ومخاوف مستمرة. ففي تقرير آذار 2026، تحدثت الأمم المتحدة عن استمرار هشاشة الوضع، وعن الحاجة إلى استكمال بسط سيطرة الدولة اللبنانية على الجنوب ونزع السلاح غير المصرح به.
اليونيفيل: شاهد على الأزمة أم ضحية لتفويضها؟
من السهل القول إن اليونيفيل كانت «شاهدة زور». لكن التعبير الأدق هو أنها أصبحت، على مدى عقود، شاهدة على عجز النظام الدولي عن تحويل القرارات إلى واقع سياسي وأمني مستدام.
فاليونيفيل لم تُنشأ لتحل محل الدولة اللبنانية، ولم تكن جيشاً دولياً يحكم الجنوب. وظيفتها الأساسية كانت مرتبطة بقرارات مجلس الأمن وبالتعاون مع السلطات اللبنانية.
ومع ذلك، فإن الحروب المتكررة أثبتت أن وجود قوة حفظ سلام من دون قدرة سياسية وعسكرية كافية على فرض شروط السلام لا يكفي لمنع إعادة بناء أسباب الحرب.
والأخطر أن القرار 2790 الذي صدر في آب 2025 جعل التمديد الأخير لولاية اليونيفيل ينتهي في 31 كانون الأول 2026، على أن يبدأ بعدها انسحاب تدريجي ومنظم خلال عام.
وهنا يصبح السؤال اللبناني أكثر إلحاحاً:
ماذا بعد اليونيفيل؟
هل يمكن أن تبقى المعادلة القديمة؟
لبنان يريد جيشاً قوياً، ويريد مساعدة دولية للجيش، ويريد حماية الجنوب، ويريد تطبيق القرارات الدولية، ويريد في الوقت نفسه الحفاظ على صيغة لا تمنح المجتمع الدولي سلطة تنفيذية كافية عندما تعجز الدولة عن التنفيذ.
لكن هذه المعادلة تبدو متناقضة.
إذا كانت الدولة اللبنانية قادرة على تنفيذ القرار 1701، فلماذا بقيت المشكلة قائمة طوال هذه السنوات؟
وإذا كانت غير قادرة، فهل كان يكفي تمديد مهمة قوات دولية لم تنجح، أو استقدام قوات متعددة الجنسيات، كما يطرح الرئيس عون والحكومة، لتقوم بنفس الدور الذي قامت به اليونيفيل، في ظل القيود السياسية والميدانية لإنهاء أسباب النزاع؟
إن لبنان أمام خيارين واضحين: إما أن يمتلك هو القدرة والإرادة لتنفيذ قرارات مجلس الأمن، وإما أن يطلب من مجلس الأمن صيغة أكثر إلزاماً وفعالية.
وهنا يظهر الفصل السابع.
الفصل السابع ليس احتلالاً للبنان
يجب توضيح هذه النقطة بدقة.
اللجوء إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لا يعني، في حد ذاته، وضع لبنان تحت احتلال دولي أو إلغاء سيادته. الفصل السابع يمنح مجلس الأمن صلاحية تحديد وجود تهديد للسلم، أو إخلال به، أو تصنيف أي عمل كعدواني، ثم اتخاذ تدابير ملزمة، قد تشمل تدابير غير عسكرية أو، في ظروف معينة، إجراءات عسكرية لتنفيذ قراراته.
وبالتالي، فإن مطالبة لبنان بقرار ملزم لتنفيذ القرارات الدولية لا تعني التخلي عن السيادة، بل يمكن أن تُطرح باعتبارها محاولة لاستعادة السيادة بواسطة آلية دولية ملزمة، إذا عجزت الدولة عن تحقيق ذلك منفردة.
لكن مثل هذا الطلب سيكون قراراً لبنانياً بالغ الخطورة والحساسية، ويتطلب أولاً موقفاً وطنياً واضحاً من الدولة اللبنانية، ثم توافقاً داخل مجلس الأمن.
أين مسؤولية الحكومات اللبنانية؟
لا يمكن إلقاء المسؤولية كلها على الأمم المتحدة.
فالقرارات الدولية لم تمنع لبنان من بناء دولته.
القرار 1559 لم يمنع الحكومة اللبنانية من بسط سلطتها.
والقرار 1701 لم يمنع الدولة اللبنانية من تعزيز جيشها.
والدستور اللبناني لم يمنح أي قوة حزبية حق امتلاك دولة داخل الدولة.
المشكلة كانت، في جانب أساسي منها، سياسية لبنانية: حكومات متعاقبة قبلت، بدرجات مختلفة، بالتعايش مع واقع السلاح خارج الدولة، مرة تحت ضغط الوصاية السورية، ومرة أمام النفوذ الإيراني، ومرة تحت عنوان «المقاومة»، ومرة تحت عنوان الحفاظ على الاستقرار الداخلي.
وهكذا نشأ نظام مزدوج: دولة لها مؤسساتها، وقوة مسلحة لها مؤسساتها وقرارها وحساباتها الإقليمية.
ومع مرور الوقت، أصبحت الحدود بين الدولة والدويلة أكثر التباساً، حتى صار المجتمع الدولي نفسه يتعامل مع واقع مفروض بدلاً من واقع يفترض أن ينفذ قرارات مجلس الأمن.
وفرنسا؟ لماذا تتحمل الملامة الكبرى؟
إذا كان لا بد من توجيه نقد سياسي دولي، فإن فرنسا تستحق، في هذه القراءة، موقعاً متقدماً في النقاش.
ليس لأن فرنسا مسؤولة وحدها عن المأساة اللبنانية، ولا لأن لديها سلطة منفردة على لبنان، بل بسبب خصوصية العلاقة التاريخية والسياسية والثقافية بين فرنسا ولبنان، وبسبب حضورها المستمر في الملف اللبناني وفي مجلس الأمن، ودورها المتكرر في الوساطات والمبادرات المتعلقة بلبنان.
وهذا يمنحها، في نظر منتقدي السياسة الفرنسية، مسؤولية أخلاقية وسياسية أكبر من دول لا تملك هذا التاريخ من العلاقة مع لبنان.
لقد كان يمكن لفرنسا أن تجعل تنفيذ القرارات الدولية معياراً ثابتاً لأي تسوية لبنانية، لا مجرد بند في البيانات الدبلوماسية.
وكان يمكن أن يكون السؤال الفرنسي أكثر صراحة:
متى تصبح سيادة لبنان سيادة فعلية؟
متى يصبح السلاح حصراً بيد الدولة؟
ومتى يصبح القرار 1701 قراراً منفذاً لا نصاً يتكرر في بيانات مجلس الأمن؟
نتنياهو وترامب: هل أعطاهما لبنان الذريعة؟
يمكن النظر إلى المسألة من زاويتين.
من جهة، فإن إسرائيل والولايات المتحدة تملكان قراراتهما وحساباتهما السياسية والعسكرية، ولا يمكن اختزالها في فشل الحكومات اللبنانية.
ولكن، من جهة أخرى، فإن عدم تنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بلبنان أضعف الحجة اللبنانية أمام العالم.
فعندما يبقى السلاح خارج سلطة الدولة، وعندما تستمر انتهاكات القرار 1701، وعندما يبقى الجنوب ساحة لصراع عابر للحدود، يصبح من الأسهل على الأطراف المتحاربة أن تقدم أفعالها باعتبارها رداً على واقع قائم.
وهنا «أعطى لبنان الذريعة» بمعناها السياسي: إن العجز اللبناني عن تنفيذ قرارات مجلس الأمن ساهم في إنتاج بيئة يستطيع فيها الآخرون تبرير خطواتهم أمام المجتمع الدولي.
العودة إلى اتفاقية الهدنة: لماذا لا؟
وليد جنبلاط يكرر، وباستمرار، ضرورة التمسك باتفاقية الهدنة، ومؤخراً ربط موافقته على اتفاق الإطار إذا أدى للعودة إلى هذه الاتفاقية، وأنا أؤيده!
هناك وثيقة لبنانية ـ إسرائيلية عمرها أكثر من سبعة عقود: اتفاقية الهدنة العامة الموقعة في رأس الناقورة في 23 آذار 1949.
والاتفاقية مسجلة رسمياً لدى الأمم المتحدة، وتنص على إنشاء هدنة عامة بين القوات المسلحة للطرفين، وعلى خط هدنة، وعلى احترام المبادئ المتعلقة بمنع الأعمال العدائية.
ليست العودة إلى اتفاقية 1949 حلاً سحرياً لكل النزاعات السياسية والحدودية القائمة اليوم، ولا تلغي الحاجة إلى معالجة الملفات العالقة.
لكنها تطرح سؤالاً أساسياً:
لماذا لا يعود لبنان إلى إطار قانوني دولي واضح يضع العلاقة مع إسرائيل في إطار الهدنة والحدود والالتزامات الدولية، بدلاً من إبقائها رهينة لحروب متكررة ومواجهات غير محدودة؟
فالهدنة، في جوهرها، ليست إعلان سلام. لكنها آلية قانونية لوقف الحرب ومنع الأعمال العدائية، وقد كانت جزءاً من الإطار الذي أقرته الأمم المتحدة في مرحلة تأسيس النظام الإقليمي بعد حرب 1948، وعلى لبنان التمسك بهذا الاتفاق الذي يُرسّم الحدود، والذي، وللأسف، نقضه لبنان حين وقّع اتفاق القاهرة سنة ١٩٦٩!
لبنان أمام لحظة الحقيقة
مع اقتراب نهاية ولاية اليونيفيل في نهاية 2026، لا يعود السؤال:
هل نريد اليونيفيل؟
بل:
ماذا نريد أن تفعل الدولة اللبنانية بعد اليونيفيل؟
إذا كان المطلوب مجرد قوة دولية جديدة بالاسم، وبالقيود نفسها، فقد نكون أمام إعادة إنتاج المشكلة.
أما إذا كان المطلوب تنفيذ القرارات الدولية فعلياً، فعلى لبنان أن يقول بوضوح ماذا يريد من مجلس الأمن.
هل يطلب آلية تنفيذية ملزمة؟
هل يطلب تعزيز دور الجيش اللبناني؟
هل يطلب قوة دولية ذات تفويض أوضح؟
هل يطلب تطبيق القرارات السابقة بصورة إلزامية؟
وهل يطلب، في نهاية المطاف، وضع الملف تحت الفصل السابع إذا اعتبر أن الآليات الحالية لم تعد كافية؟
هذه ليست قرارات سهلة.
لكن الدولة التي تطلب حماية دولية يجب أن تكون مستعدة أيضاً لقبول شروط الحماية الدولية.
والدولة التي تطالب بتنفيذ القرارات الدولية يجب أن تكون مستعدة لتطبيقها على الجميع، لا على طرف واحد.
فهل يجرؤ لبنان؟
ربما يكون هذا هو السؤال الحقيقي.
هل تجرؤ الدولة اللبنانية على أن تقول لمجلس الأمن:
لقد فشلنا في تنفيذ قراراتكم طوال عقود، ولم يعد لبنان قادراً على تحمل استمرار هذه المعادلة. نريد تطبيق سيادة الدولة على كامل أراضينا، ونريد أن يكون السلاح حصراً بيد مؤسساتها الشرعية، ونريد تنفيذ القرارات الدولية، ونريد العودة إلى إطار الهدنة الذي وقّعناه عام 1949، ونريد آلية دولية تضمن التنفيذ؟
إذا قال لبنان ذلك، فإنه لا يتخلى بالضرورة عن سيادته.
قد يكون، على العكس، يعلن للمرة الأولى أنه يريد استعادة سيادته كاملة.
لكن هذا الخيار له ثمن سياسي كبير، ويحتاج إلى قرار لبناني رسمي شجاع، وإلى موافقة مجلس الأمن.
أما استمرار المعادلة الحالية، أي: دولة تطلب من العالم حماية حدودها بينما تبقى قرارات الحرب والسلم موزعة بينها وبين قوة مسلحة، فقد أثبت ذلك على مدى عقود أنه لا ينتج استقراراً دائماً.
إنّ استجداء قوّات متعددة الجنسيات تكون أضعف، من حيث الشكل والقرار، من اليونيفيل، سيرفع الضغط، بطريقة أو بأخرى، عن حزب الله وإيران، وبالتالي عن إسرائيل، وسيطيح بقرارات الحكومة باستعادة قراري الحرب والسلم، وسنكون، في عودٍ على بدء، عرضةً لحرب جديدة بعد سنوات، أو في أسوأ الحالات، (وهذا هو الأخطر)، لسقوط الدولة رسميّاً بيد نظامٍ تيولوجيٍّ هو الأسوأ في تاريخ البشريّة، فينتهي الصراع بين “الدولة” و”الدويلة”، لتصبح الدويلة هي الدولة! فلا تعطوا حزب الله المهزوم هذا الغطاء-الفرصة!
مع نهاية ولاية اليونيفيل في أفق 2026، لبنان أمام مفترق تاريخي:
إما أن يصبح تنفيذ قرارات مجلس الأمن مسؤولية الدولة اللبنانية فعلياً، وإما أن يطلب من مجلس الأمن أن يجعل تنفيذها إلزامياً.
لبنان بين خيارين حتميَّين: وضعه تحت الفصل السابع، أو تسليم السلاح للدولة، فلا تعطوا حزب الله خياراً آخر!
