
زياد الصَّائغ
٢٤ ايلول ٢٠٢٦
سيرورة لبنان في فعلٍ كيانيّ دولتيّ
من منظور هايدغر…!
يطرح لبنان، بعد أكثر من قرنٍ على إعلان دولة لبنان الكبير ودستورها الأوَّل، سؤالًا يتجاوز البقاء إلى معنى الوجود نفسه. كيف يتحوّل الكيان الذي ثبت تاريخيًّا إلى دولةٍ تتحقّق سياسيًّا؟ المعضلة اللبنانيّة لم تعد في إثبات وجود لبنان، بقدر ما أصبحت في تحويل هذا الوجود إلى فعلٍ دولتيّ مكتمل، سيادةً، ومواطنةً، ومؤسّساتٍ، وانتظامًا دستوريًّا، وقدرةً على إنتاج المصلحة العامّة. من هذا السؤال يمكن استحضار مارتن هايدغر، لا باعتباره منظّرًا للدولة أو مرجعًا لنظامٍ سياسي، بل لأنّه أعاد الفلسفة إلى سؤال الكينونة. ماذا يعني أن يكون الشيء، لا أن يوجد فحسب؟ فالوجود لا يختصره الحضور المادّي، كما أنّ الإنسان عنده لا يعيش منفصلًا عن العالم، بل يوجد فيه ويصنع علاقته به عبر الزمن والمكان والتَّجربة. بالاستعارة الفلسفيّة، يمكن قراءة لبنان من داخل هذه المسافة بين أن يوجد وأن يتحقّق.
تحقّق وجود لبنان الكياني تاريخيًّا. نشأت دولة لبنان الكبير سنة 1920، وأعلن دستورها عام 1926، ثم جاء الاستقلال، وتكوّنت المؤسّسات، وتراكمت تجربة سياسيّة وثقافيّة واجتماعيّة، وصمد الكيان أمام حروبٍ واحتلالاتٍ ووصاياتٍ وانقساماتٍ ومحاولات إلحاق. لم يعد السؤال الجدي بعد كلّ ذلك ما إذا كان لبنان قادرًا على البقاء كيانًا، بل لماذا بقي هذا الكيان عاجزًا عن استكمال تحوّله إلى دولة؟ تلك هي الأطروحة المركزيّة. أزمة لبنان هي المسافة الفاصلة بين اكتمال الكيان وتعطّل الفعل الدولتي. الكيان يحدّد المجال الذي يجتمع فيه اللبنانيّون/ات، أمّا الدولة فتحدّد القواعد التي تجعل اجتماعهم ممكنًا ومستدامًا. الكيان يعطي الوجود إطارًا، والدولة تمنحه انتظامًا. الكيان يؤكّد لبنان كوطن، والدولة تحوّل هذا الوطن إلى حقوقٍ وواجباتٍ ومؤسّساتٍ وسيادة. حين تنفصل المعادلتان، يظهر الخلل اللبناني بأوضح صوره. يبقى لبنان فيما تتراجع الدولة.
يمنحنا مفهوم “السكن” عند هايدغر مدخلًا إضافيًّا لفهم هذا الاختلال. السَّكن يتجاوز الإقامة في مكان إلى بناء علاقةٍ وجوديّة معه. بالمعنى السياسي، لا يكفي أن يعيش اللبنانيّون/ات ضمن حدودٍ واحدة لكي يكونوا قد بنوا فضاءً وطنيًّا مشتركًا. إنّهم يحتاجون إلى أن يسكنوا سياسيًّا في دولةٍ واحدة. الفارق حاسم. يمكن للجماعات أن تتجاور عقودًا داخل الجغرافيا نفسها من دون أن تنتج مجالًا سياسيًّا مشتركًا. ويمكنها أن تتقاسم المؤسّسات من دون أن تبني دولة. ويمكنها أن تعقد التسويات تباعًا من دون أن تنتج عقدًا وطنيًّا قابلًا للحياة خارج موازين القوى. عانى لبنان طويلًا من هذا الالتباس بين المشاركة في الدولة وتقاسم الدولة. المشاركة تعني أن يكون الجميع داخل الدولة. أمّا التّقاسم فيعني أن تصبح الدولة موجودة داخل الجماعات. في الحالة الأولى، تكون المؤسّسات مرجعيّةً للمكوّنات؛ وفي الثانية، تتحوّل المؤسّسات إلى ساحات تفاوضٍ بينها. عندما يستقرّ منطق التقاسم، تفقد الدولة تدريجيًّا قدرتها على أن تكون كيانًا سياسيًّا مستقلًّا عن القوى التي تتنازعها. عند هذه النقطة تصبح الأزمة أعمق من فسادٍ أو سوء إدارةٍ أو اختلالٍ اقتصادي. إنّها أزمة تحقّق الدولة نفسها. قد تكون للدولة حدودٌ وحكومةٌ وبرلمانٌ وإدارةٌ وأجهزةٌ أمنيّة، بينما تبقى عاجزةً عن احتكار القرار السيادي وإنفاذ القانون بالتساوي. قد يكون لها دستور، فيما تتحكّم بممارسته موازين القوى. وقد تمتلك مؤسّسات، فيما يحتاج المواطن/ة إلى الوسيط الطائفي أو الحزبي للحصول على حقوقٍ يفترض أن تكفلها المؤسّسة. عندئذٍ يصبح الشكل الدولتي قائمًا، فيما يتراجع المضمون الدولتي.
يتيح مفهوم “الانكشاف” لدى هايدغر قراءةً أخرى للأزمة. الحقيقة ترتبط، في أحد أبعادها لديه، بخروج ما كان محجوبًا إلى الظهور. الإنهيارات اللبنانيّة المتعاقبة أدّت وظيفةً مشابهة. نزعت الغطاء عن اختلالاتٍ كان يمكن للتسويات أن تؤجّل مواجهتها، لكنّها لم تستطع إلغاءها. إنكشفت ازدواجيّة القرار السِّياديّ، إنكشف ضعف المؤسّسات، وانكشفت هشاشة الاقتصاد، وانكشفت الزبائنيّة، وانكشف اختلال العلاقة بين الجماعة والمواطن، كما انكشفت خطورة وجود مرجعيّاتٍ موازية لمرجعيّة الدولة. لكنّ الانكشاف لا تكون له قيمةٌ تاريخيّة إذا انتهى إلى توصيف الكارثة. قيمته في أن يفتح إمكانًا مختلفًا.
من هذه الزاوية يصبح مفهوم الأصالة مهمًّا. عند هايدغر ترتبط الأصالة بقدرة الإنسان على تحمّل إمكان وجوده بدل الذوبان في المألوف والموروث. وإذا نُقل المفهوم، بحذر، إلى المجال الوطني، أمكن القول إنّ لبنان يحتاج إلى استعادة أصالته السياسيّة. أن يحدّد معنى وجوده من داخله، بدل أن يبقى ساحةً تتقاطع فوقها مشاريع الآخرين. لقد عاش لبنان مراحل طويلةً على إيقاع الخارج. صراعات المنطقة، والمحاور، والوصايات، والتوازنات الدوليّة، والتحوّلات الجيو-سياسيّة. كان كلّ تبدّلٍ في الإقليم يعيد ترتيب جزءٍ من الداخل. غير أنّ الدولة لا تتكوّن حين تسأل باستمرار أين نقف بين الآخرين؟ بل حين تستطيع أن تجيب أولًا أين نقف نحن من ذاتنا؟ لا يعني هذا الانعزال عن المحيط أو العالم. لبنان، بطبيعته وتاريخه، بلد انفتاحٍ وتفاعل. لكنّ الفارق كبير بين الانفتاح من موقع الدولة والانفتاح على حسابها. الأول ينتج سياسةً خارجيّة، والثاني ينتج سياساتٍ خارجيّة متعدّدة داخل البلد الواحد. الأول يحوّل التنوّع إلى قدرة، والثاني يسمح بتحويله إلى منافذ نفوذ. هكذا يصبح الفعل الكياني الدولتي انتقالًا من لبنان الساحة إلى لبنان الدولة. يفترض هذا الانتقال إعادة ترتيب العلاقة بين الجماعة والمواطنة. فلا بناء الدولة يستدعي إلغاء الجماعات، ولا حماية التعدّديّة تستدعي إضعاف الدولة. المعادلة الأكثر استدامة هي العكس تمامًا. دولةٌ قويّة بدستورها تحمي مجتمعًا متعدّدًا، ومواطنةٌ متساوية تتيح للجماعات الحفاظ على خصوصيّاتها من دون تحويلها إلى سياداتٍ سياسيّة. بهذا المعنى، تصبح وثيقة الوفاق الوطني، اتّفاق الطائف والدستور جزءًا من سيرورة بناء الدولة، لا مجرّد تسويةٍ أنهت الحرب. هذه الوثيقة وضعت إطارًا للانتقال من توازنات الحرب إلى انتظام المؤسّسات، وربطت وحدة لبنان بمشروع إصلاحي لم يُستكمل. والمشكلة الأساسية بقيت في الفجوة بين النصّ والممارسة، وبين ما أُقرّ وما نُفّذ، وبين الدولة كما ينبغي أن تعمل، والدولة كما أعادت موازين القوى تشكيلها. لذلك، لا تبدأ المرحلة الجديدة من اختراع لبنان من جديد، بل من تحرير إمكان الدولة الكامن في الكيان نفسه. لبنان يحتاج إلى الانتقال من الاعتراف بوجوده إلى تحمّل مسؤوليّة هذا الوجود؛ من وطنٍ نحتمي به رمزيًّا إلى دولةٍ نحتكم إليها فعليًّا؛ من جماعاتٍ تبحث عن ضماناتها بعضها في مواجهة بعض إلى مواطنين/ات يجدون ضمانتهم المشتركة في الدستور؛ ومن سيادةٍ تُعلن في الخطاب إلى سيادةٍ تُمارس في القرار.
تلك هي “السيرورة” بمعناها الأعمق. ألا يبقى لبنان حدثًا تأسيسيًّا وقع سنة 1920، بل أن يصبح تأسيس الدولة فعلًا مستمرًّا. الأوطان لا تكتمل يوم تُرسم حدودها. تكتمل حين يستطيع الذين يعيشون داخل هذه الحدود أن يحوّلوا المكان إلى مجالٍ مشترك، والانتماء إلى مواطنة، والتعدّد إلى قيمة، والدستور إلى مرجعيّة، والسيادة إلى ممارسة، والميزات التَّفاضليّة إلى مُعطًى حضاريّ. بعد أكثر من قرن، تجاوز لبنان امتحان إثبات الكيان، ودخل امتحانًا أشدّ صعوبة. تحويل الكيان إلى دولة قادرة على حمل معنى وجوده. من منظور هايدغر، يصبح السؤال اللبناني سؤال انتقالٍ من الوجود إلى التحقّق، ومن الإقامة إلى السكن، ومن الارتهان إلى إمكان الأصالة التاريخيّة. إنّها ليست دعوةً إلى لبنان آخر، بل إلى أن يصبح لبنان ما لم يستطع أن يكونه كاملًا بعد. كيانٌ اكتمل وجوده التاريخي، ويبحث عن اكتماله في فعلٍ دولتيّ.
