p style=”font-weight: 400; text-align: right;”>
زياد الصَّائغ
٢٩ تشرين الاول ٢٠٢٦
العالم الحرّ… نحو توازن القِيم
الفاتيكان بوصلة…!
يدخل العالم الحرّ امتحانًا يمسّ جوهر وجوده. المعركة التي يخوضها تتّصل بقدرته على حماية المعنى الذي قام عليه، بقدر اتّصالها بحماية أمنه ومصالحه. الحرّيّة، والدّيموقراطيّة، والتّعدّديّة، وحقوق الإنسان، والعدالة، التزاماتٌ تُختبر حين ترتفع كلفة احترامها. أمّا حين تكون ممارستها سهلةً، وحين تنسجم مع المصالح المباشرة، فلا يحتاج إعلانها إلى شجاعةٍ استثنائيّةٍ. الشّجاعة تبدأ عندما تفرض هذه القيم مراجعة قرارٍ، أو محاسبة حليفٍ/ة، أو حماية إنسانٍ لا يملك ما يقدّمه في سوق المصالح. هنا تتكشّف أزمة العالم الحرّ. يمتلك قوّةً عسكريّةً واقتصاديّةً وتكنولوجيّةً هائلةً، فيما يتعثّر أحيانًا في صون الثّقة بأنّ هذه القوّة تخدم نظامًا أعدل. وتكبر المسافة بين ما يقوله عن الإنسان وما يسمح بأن يقع عليه. في هذه المسافة تحديدًا، يتقدّم الفاتيكان بوصلةً تستدعي الضّمير إلى طاولة القرار، وتطرح السّؤال الذي تؤجّله الحسابات الباردة ماذا يبقى من انتصارٍ يُهزم فيه الإنسان؟ تبدأ الإجابة باستعادة توازن القيم، وترجمته إلى سياساتٍ عامّةٍ ودبلوماسيّةٍ فاعلةٍ. فكرامة الإنسان تحتاج إلى من يحميها في المؤسّسات والمفاوضات والموازنات، وفي اللّحظة التي يُغري فيها النّفوذ أصحابه بتجاوز الحدود.
العالم الحرّ والامتِحان
يستحقّ العالم الحرّ إسمه بمقدار ما يسمح للإنسان بأن يكون حرًّا في مواجهته أيضًا. حرًّا في نقد حكومته، ومساءلة مؤسّساته، والاعتراض على حروبه، وكشف تناقضاته. وتكمن إحدى أهمّ نقاط قوّته في قدرته على تصحيح نفسه. فوجود الخطأ لا يُسقط الدّيموقراطيّة، بينما تتحوّل حماية الخطأ من المحاسبة إلى تهديدٍ مباشرٍ لها. لهذا، يحمل اختزال العالم الحرّ بتحالفٍ جغرافيٍّ أو عسكريٍّ خطرًا على رسالته. الحرّيّة أوسع من الغرب، والاستبداد قادرٌ على اختراق مجتمعاتٍ تملك برلماناتٍ وانتخاباتٍ ودساتير. يكفي أن تصبح المؤسّسات عاجزةً عن تقييد الحاكم، أو أن يُصنَّف المعارض عدوًّا، ليتقدّم التّسلّط تحت غطاء الشّرعيّة. والانتخابات التي تمنح تفويضًا للحكم لا تمنح تفويضًا بإلغاء شروط المحاسبة. تفرض هذه الحقيقة تواضعًا سياسيًّا وشجاعةً أخلاقيّةً. فالشّعوب لا تحتاج إلى من يمنحها شهادة انتماءٍ إلى الحرّيّة، بل إلى شراكاتٍ تحمي حقّها في تقرير مستقبلها. كلّ سياسةٍ خارجيّةٍ تتحدّث باسم الدّيموقراطيّة، ثمّ تتعامل مع المجتمعات كمساحات نفوذٍ، تُضعف القضيّة التي تدّعي خدمتها. المعركة، إذًا، على مصداقيّة الوعد. هل يستطيع الإنسان أن يثق بأنّ حقوقه ستبقى مصونةً عندما تتعارض مع مصلحة الأقوياء؟ هنا يُختبر العالم الحرّ، وهنا تبدأ مسؤوليّته. أمَّا التَّهليل ببروباغندا ديكتاتورّيات وأيديولوجيّات دينيّة مُعَسكَرَة بانَّ التَّداول السّلمي للسُلطَة الذي يعيشُه العالم الحُرّ، على غرار الولايات المتحدة الأميركيّة مثلًا، هو انتِصار لأجندتها المدمِّرة، فهو تهليلٌ موبوء مريض.
القِيَم – السِّياسة
تُصاب القيم بالعطب عندما تُستدعى منفصلةً عن بعضها. الحرّيّة من دون عدالةٍ قد تصبح امتيازًا للقادرين/ات. العدالة حين تُفصل عن الحرّيّة قد تُستخدم لتبرير القمع. التّعدّديّة حين تُعزل عن المواطنة قد تتحوّل إلى تقاسمٍ للخوف بين جماعاتٍ تبحث كلٌّ منها عن حامٍ. يقتضي توازن القيم وصل هذه العناصر داخل مؤسّساتٍ تحمي الإنسان. حرّيّة التّعبير تحتاج إلى قضاءٍ يصونها، والمشاركة السّياسيّة تحتاج إلى منافسةٍ عادلةٍ، والمساواة تحتاج إلى إدارةٍ تمنع التّمييز. أمّا إعلان الحقوق، مع إبقاء الوصول إليها رهن المال والواسطة والانتماء، فيحوّلها إلى وعودٍ موجعةٍ لمن يُحرمون منها. هنا تصبح منهجيّة السّياسات العامّة ضرورةً. ما المشكلة؟ من يتضرّر؟ ما البدائل؟ من ينفّذ؟ وبأيّ موارد؟ وكيف نعرف أنّ حياة النّاس تحسّنت؟ هذه الأسئلة تمنع هروب الخطاب إلى العموميّات، وتُلزم السّلطة بإظهار أثر قراراتها. الحديث عن العدالة يُمتحن في قدرة مواطنٍ/ة على تحصيل حقّه، والحديث عن الحرّيّة يُمتحن في أمان صحافيٍّ/ة يكشف فسادًا. لقد ربط البابا يوحنّا الثّالث والعشرون، في رسالة “السّلام في الأرض” عام 1963، السّلام بالحقيقة والعدالة والمحبّة والحرّيّة. يحمل هذا التّرابط أساسًا لفهم الاستقرار بوصفه ثمرة علاقاتٍ عادلةٍ، تتكامل فيها الحقوق والواجبات، ويُعترف فيها للإنسان بكرامةٍ سابقةٍ على منافع السّلطة وحساباتها. يضع المواطن/ة ثقته بالدّيموقراطيّة لأنّه ينتظر منها قدرةً على الإنصاف والتّغيير. حين يصوّت مرّةً بعد أخرى، ويبقى الفساد محميًّا، والقضاء مقيّدًا، والعمل بعيد المنال، تتآكل هذه الثّقة. يصبح الغضب مدخلًا لمن يعده بالخلاص السّريع، ويطلب في المقابل سلطةً بلا ضوابط. تبدأ مواجهة هذا الانحدار باستعادة فاعليّة المؤسّسات. يحتاج البرلمان إلى أدوات رقابةٍ فعليّةٍ، والقاضي إلى استقلالٍ يحمي حكمه، والإدارة إلى كفاءةٍ تحرّر الخدمة من الابتزاز. يحتاج المواطن/ة إلى معلوماتٍ واضحةٍ عن المال العامّ، وإلى وسيلةٍ للاعتراض تُنتج نتيجةً. المشاركة تفقد معناها عندما تصبح طقسًا دوريًّا، فيما يبقى القرار محصورًا بدائرةٍ مغلقةٍ. في “السّنة المئة“، ربط يوحنّا بولس الثّاني تقدير الدّيموقراطيّة بتمكين المواطنات والمواطنين من المشاركة، واختيار الحكّام ومحاسبتهم واستبدالهم سلميًّا، مؤكّدًا أهمّيّة دولة القانون وكرامة الشّخص. تسمح هذه المرجعيّة بفهم الدّيموقراطيّة مسؤوليّةً مستمرّةً تتجاوز صندوق الاقتراع إلى طريقة ممارسة الحكم. على العالم الحرّ أن يأخذ خيبة مواطناته ومواطنيه بجدّيّةٍ. الإستعلاء على مخاوفهم يتركهم فريسة المتاجرين/ات بها. والاستماع إليهم يفرض معالجة أسباب القلق، من السّكن والعمل إلى الأمان والهويّة، ضمن سياساتٍ قابلةٍ للمساءلة. هناك تُستعاد الثّقة، حين يرى الإنسان أنّ صوته قادرٌ على تغيير شيءٍ في حياته.
غائِيَّة القوّة
تحتاج الدّول إلى حماية شعوبها وردع الاعتداء عليها. يشكّل امتلاك القدرة الدّفاعيّة جزءًا من مسؤوليّة الحكم. لكنّ السّؤال الذي يجب أن يرافق كلّ استخدامٍ للقوّة يتّصل بالغاية السّياسيّة والإنسانيّة التي يخدمها. القوّة التي تتوسّع بلا أفقٍ واضحٍ قد تُنتج أخطارًا تفوق ما جاءت لمعالجته. تستطيع الحرب تدمير بنيةٍ عسكريّةٍ، فيما يبقى بناء السّلام محتاجًا إلى شرعيّةٍ ومؤسّساتٍ وضماناتٍ. يحتاج الطفل الذي فقد بيته إلى مأوى ومدرسةٍ وأمانٍ، ويحتاج المجتمع المنهك إلى إمكان العيش معًا بعد توقّف القتال. وكلّ قرارٍ يتجاهل اليوم التّالي يترك البشر داخل نتائج لا يعرف كيف يتحمّل مسؤوليّتها. لذلك، يجب إدماج حماية المدنيّين/ات في القرار الأمنيّ منذ بدايته، وتحديد أهداف العمليّات وحدودها، ومراجعة آثارها، والتحقيق في الانتهاكات. كما ينبغي أن تخضع الشّراكات والمساعدات الأمنيّة لمعايير معلنةٍ، تمنع تحوّل دعم الاستقرار إلى تمويلٍ لإساءة استخدام السّلطة. هنا تظهر قيمة القوّة المنضبطة. فهي تحمي المجتمع، وتقبل أن تُسأل عن وسائلها ونتائجها. أمّا التّعامل مع القانون بوصفه عائقًا أمام الحسم، فيفتح بابًا خطيرًا لتطبيع التّجاوز. ما يُسمح به اليوم ضدّ ضعيفٍ قد يعود غدًا قاعدةً يستخدمها الأقوى ضدّ الجميع. حين يُدين العالم الحرّ إستبداد خصومه، ويصمت عن استبداد حلفائه، يُصيب صدقيّته في الصّميم. الإدانَةُ واجِبَة بمعايير موحَّدة. الضّحيّة لا تتبدّل كرامتها بتبدّل هويّة جلّادها. والحقّ الذي يتراجع أمام صفقةٍ يفقد شيئًا من قوّته في وعي من طُلب منهم الإيمان به. تتكرّر هنا حجّة المصالح والضّرورات. للسّياسة بالفعل قيودها، وللدّبلوماسيّة حاجتها إلى التّدرّج والتّفاوض والتّواصل مع أطرافٍ متباينةٍ. لكنّ إدارة الضّرورة تفرض تحديد حدودها وكلفتها، وإبقاء المخالفة خاضعةً للمراجعة. أمّا منح الاستثناء إقامةً دائمةً، فيحوّل البراغماتيّة إلى تبريرٍ لكلّ شيءٍ. تستوجب معالجة الانتقائيّة قواعد لتقييم الشّراكات، وآليّاتٍ مستقلّةً للتّحقّق، وإجراءاتٍ متناسبةً مع الانتهاكات، وحمايةً للمتضرّرين/ات. كما تقتضي شفافيّةً تتيح للرّأي العامّ معرفة أسباب القرار. الإعتراف بالتّناقض وشرحه أفضل من إنكاره، وتصحيحه يعيد بناء الثّقة أكثر ممّا تفعل خطابات التّفوّق الأخلاقيّ. إنّ أخطر ما تمنحه الدّيموقراطيّات للاستبداد هو الدّليل على أنّ قيمها قابلةٌ للتّعليق متى ارتفع ثمن الالتزام بها. وتبدأ إستعادة المبادرة برفض هذا الاستسهال، وبإثبات أنّ العلاقات القويّة تسمح بالمحاسبة أيضًا. الحليف الذي يُعفى من كلّ قيدٍ قد يصبح مصدر تهديدٍ للقيم والمصالح معًا. يسهل الحديث عن حرّيّة الاختيار أمام إنسانٍ يملك بدائل. يصبح الحديث أكثر إلحاحًا أمام أمٍّ تختار بين الدّواء والطّعام، أو شابٍّ/ة لا يجد طريقًا إلى العمل، أو مريضٍ/ة ينتظر من يموّل علاجه. هؤلاء يحتاجون إلى سياساتٍ تعيد إليهم القدرة على الاختيار، وتحميهم من الارتهان. من هنا، تتّصل العدالة الاجتماعيّة بمناعة الدّيموقراطيّة. التّعليم الجيّد يوسّع الفرص، والحماية الصّحّيّة تقلّص الخوف، والعمل اللّائق يعزّز الاستقلال. حين تتحوّل الخدمات إلى مِنَحٍ سياسيّةٍ، يُستخدم الاحتياج لإخضاع المواطن/ة، ويصبح الولاء ثمنًا لحقٍّ كان يجب أن تضمنه المؤسّسات. تحتاج المعالجة إلى عدالةٍ ضريبيّةٍ، ومكافحة الاحتكار والفساد، وتوجيه الإنفاق نحو الخدمات الأساسيّة، وتقييم توزيع المنافع والأعباء. الأرقام الإجماليّة قد تخفي تفاوتًا قاسيًا، وتبقى جدوى النّموّ ناقصةً إن لم تصل ثماره إلى من يتحمّلون كلفته. وكذلك، يُضعف احتكار النّفوذ الاقتصاديّ المنافسة السّياسيّة، عندما يستطيع المال إغلاق أبواب المشاركة والمحاسبة. لقد شدّد البابا فرنسيس، في “كلّنا إخوة“، على الخير العامّ والصّداقة الاجتماعيّة، وعلى مسؤوليّة السّياسة في معالجة الاختلالات وتوجيه الاقتصاد. تذكّرنا هذه المقاربة بأنّ المجتمع يحتاج إلى روابط تحمي أفراده من العزلة والإقصاء، وتمنحهم سببًا للثّقة بمستقبلٍ مشتركٍ.
الفاتيكان وقوّة الضّمير
يكتسب الفاتيكان أهمّيّته حين يطرح على السّياسة ما تحاول أحيانًا إبعاده عنها. ماذا عن المفقودين/ات؟ ماذا عن المهجّرين/أت؟ ماذا عن المجتمعات التي تُوقَّع الاتّفاقات فوق جراحها؟ ومن يحاسب على الألم الذي لا يجد مكانًا في البيانات الختاميّة؟ يتولّى الكرسيّ الرّسوليّ هذا الحضور الدّبلوماسيّ انطلاقًا من مرجعيّةٍ روحيّةٍ وأخلاقيّةٍ، تتقاطع مع حضورٍ إنسانيٍّ وتربويٍّ واجتماعيٍّ واسعٍ. تتيح هذه الخصوصيّة الإصغاء إلى مجتمعاتٍ قد تصل أصواتها ضعيفةً إلى مراكز القرار. المعرفة بالإنسان في حياته اليوميّة تضيف إلى قراءة النّزاعات ما تعجز خرائط النّفوذ وحدها عن إظهاره. لكنّ تقدير هذا الدّور يقتضي وضعه في حجمه ومسؤوليّته. الكرسيّ الرّسوليّ صاحب مرجعيّةٍ كاثوليكيّةٍ، وقد يختلف مع حكوماتٍ ديموقراطيّةٍ في قضايا محدّدةٍ. كما أنّ صدقيّته تحتاج إلى اتّساقٍ بين التّعليم والممارسة، وإلى مواجهة الإخفاقات المؤسّساتيّة بشفافيّةٍ. تزداد قوّة الكلمة حين يحمل قائلها مقتضياتها على نفسه. إنّ تأصيل الفاتيكان بوصلةً يعني الإقرار بحاجتنا إلى صوتٍ يُبقي كرامة الإنسان حاضرةً عندما تُغري المصالح بتهميشها. تكتمل قيمة هذا الصّوت حين يحرّك مسؤوليّة أصحاب القرار، ويفتح سبيلًا لحماية حياةٍ أو استعادة حقٍّ أو منع مأساةٍ جديدةٍ. تُختبر الحرّيّة في قدرتنا على حماية من يختلف معنا. الدّفاع عن حقّ القريب سهلٌ نسبيًّا، بينما يتطلّب الدّفاع عن المختلف نضجًا أخلاقيًّا ومؤسّساتيًّا. تحتاج المجتمعات التّعدّديّة إلى هذا النّضج كي تتحرّر من معادلةٍ تجعل أمان جماعةٍ مرتبطًا بإضعاف أخرى. قد أصّل إعلان المجمع الفاتيكانيّ الثّاني “في الكرامة الإنسانيّة” الحرّيّة الدّينيّة باعتبارها حقًّا متجذّرًا في كرامة الشّخص، وحصانةً من الإكراه في الشّؤون الدّينيّة ضمن الحدود المشروعة. تحمل هذه المرجعيّة إمكانًا لبناء حوارٍ يحترم القناعة، ويمنع تحويل السّلطة إلى أداةٍ لفرضها. تتطلّب التّرجمة السّياساتيّة حماية المؤمنين/ات وغير المؤمنين/ات، ومنع التّمييز، وضمان المشاركة المتساوية. كما تفرض صون حقوق الفرد داخل جماعته، وإبقاء المواطنة مرجعيّةً مشتركةً للحقوق والواجبات. الانتماء يمنح الإنسان معنىً، ويجب أن يبقى قادرًا على عيشه بحرّيّةٍ، من دون خوفٍ أو ابتزازٍ. يمكن للفاتيكان أن يعمّق هذا المسار عبر شراكاتٍ تربويّةٍ ودينيّةٍ ومدنيّةٍ تواجه التّحريض، وتتيح النّقد، وتمنع توظيف المقدّس لتبرير العنف. الحوار الذي يكتفي بصورةٍ تذكاريّةٍ ينتهي بانتهاء المناسبة، بينما يبدأ أثره حين يغيّر طريقة التّعليم والكلام والتّعامل مع المختلف في الحياة اليوميّة. تحتاج البوصلة الأخلاقيّة إلى أدواتٍ تجعل اتّجاهها مؤثّرًا. الدّبلوماسيّة الفاعلة تشخّص المصالح والمخاوف، وتحدّد مساحة التّفاهم، وتصوغ التزاماتٍ يمكن تنفيذها والتّحقّق منها. وكلّ اتّفاقٍ يحتاج إلى إجاباتٍ واضحةٍ عن المسؤوليّات والمواعيد والضّمانات ومعالجة الإخلال. في هذا المجال، تستطيع الدّبلوماسيّة الفاتيكانيّة الإسهام في تهيئة الاتّصال، وتيسير الوساطة، ودفع المبادرات الإنسانيّة، متى توافرت الظّروف والتّفويض والثّقة. قد تفتح خطوةٌ محدّدةٌ، كإطلاق محتجزين/ات أو إيصال مساعداتٍ، مجالًا لتفاهمٍ أوسع. الثّقة تتراكم حين يرى الأطراف أنّ الالتزام يُنفَّذ، وأنّ التّواصل يحقّق نتيجةً. في خطابه أمام السّلك الدّبلوماسيّ في كانون الثّاني 2026، حذّر البابا لاوون الرّابع عشر من تقدّم دبلوماسيّة القوّة على الحوار، وشدّد على حماية الكرامة واحترام القانون الدّوليّ الإنسانيّ. تظهر أهمّيّة هذا الموقف حين يتحوّل إلى معيارٍ لمراجعة الوسائل والنّتائج، وإلى دفعٍ مستمرٍّ نحو منع اتّساع المأساة. الانتقال من فرنسيس إلى لاوون الرّابع عشر يفتح امتحان استمراريّةٍ تتجدّد أدواتها. تبقى المرجعيّة الإنسانيّة حاضرةً، فيما تتطلّب التّحوّلات معرفةً دقيقةً وصبرًا ومرونةً. المرونة الدّبلوماسيّة تكتسب معناها عندما تحافظ على وضوح الغاية، وتبحث بإصرارٍ عن الطّريق الممكنة إليها.
لبنان ومسؤوليّة الرّسالة
يحمل لبنان إمكانًا لتقديم مساهمةٍ في توازن القِيَم، متى ترجم حرّيّته وتعدّديّته إلى مواطنةٍ فاعلةٍ ودولةٍ سيّدةٍ. وتحتاج هذه المساهمة إلى مؤسّساتٍ تحمي الاختلاف، وتمنع تحويله إلى خوفٍ دائمٍ أو ذريعةٍ للاستقواء بالخارج. المواطن/ة الذي يُستدعى إلى الدّفاع عن التّعايش يحتاج إلى أن يرى عدالةً في التّوظيف والخدمات والقضاء. الشّابّ/ةالذي يُقال له إنّ لبنان رسالةٌ يحتاج إلى سببٍ للبقاء فيه. العائلة التي تحمل وجع الحرب والانهيار تحتاج إلى دولةٍ تتولّى الحماية والمحاسبة، وتستعيد القرار من الازدواجيّة والتّعطيل. هنا يتّصل اهتمام الفاتيكان بلبنان بمقتضياتٍ ملموسةٍ، تشمل صون الحرّيّة، ودعم المواطنة، وحماية التّعدّديّة، وتعزيز شروط السّلام. وتبقى على اللّبنانيّين/ات مسؤوليّة تحويل هذه القيم إلى إصلاحٍ دستوريٍّ ومؤسّساتيٍّ، وإلى حصريّة السّلاح والقوّة المشروعة بيد الدّولة، واستقلال القضاء، وعدالة الفرص. كما يتيح الحياد الإيجابيّ حماية القرار الوطنيّ من المحاور، وتفعيل الدّبلوماسيّة، والمشاركة في قضايا الحوار والسّلام من موقعٍ سياديٍّ. عندما يستعيد لبنان قدرته على حماية شعبه وإدارة تنوّعه، يصبح أقدر على مخاطبة العالم. فالرّسالة تُصدَّق حين يجد الإنسان أثرها في حياته، ويشعر أنّ انتماءه إلى وطنه يمنحه أمانًا ومستقبلًا. تُحسم معركة العالم الحرّ في القرارات التي يتّخذها حين تتعارض القيم مع الإغراءات. هناك تتحدّد حقيقة الانتماء إلى الحرّيّة، وقدرة الدّيموقراطيّة على محاسبة نفسها، واستعداد السّياسة لحماية من لا يملكون قوّة التّأثير فيها. يحتاج هذا المسار إلى برنامج عملٍ يربط حماية الحقوق بإصلاح المؤسّسات، ويدمج العدالة الاجتماعيّة بالأمن، ويوفّر للدّبلوماسيّة موارد الوقاية والوساطة. كما يحتاج إلى قياس النّتائج، والاعتراف بالإخفاق، وتعديل الخيارات. فالالتزام الذي يعجز عن التّعلّم يتحوّل إلى تكرارٍ، مهما سمت لغته. هنا تتقدّم قيمة الفاتيكان بوصلةً تُذكّر بأنّ الإنسان غاية السّياسة، وأنّ السّلام يحتاج إلى عدالةٍ، وأنّ القوّة تتحمّل مسؤوليّة ما تصنعه. تبقى على الدّول والمجتمعات مسؤوليّة السّير، وتحويل الاتّجاه إلى قراراتٍ ومؤسّساتٍ وضماناتٍ. العالم الحرّ أمام فرصةٍ لاستعادة روحه بالفعل. يبدأ ذلك حين يحمي كرامة إنسانٍ بعيدٍ كما يحمي كرامة مواطناته ومواطنيه، وحين يقبل إخضاع قوّته للمساءلة. عندها تصبح القيم قوّةً تصنع التّوازن، ويصبح السّلام مشروعًا يستطيع البشر أن يثقوا به.
