
بقلم: الياس كساب
رئيس التحرير، باحث في الشؤون الاغترابية، واللبنانيّة، والعربيّة
٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦
(على هامش الانتخابات الأمريكيّة والإسرائيليّة)
الشرق الأوسط والديمقراطية المقارنة
بين ديمقراطية تستوعب الاختلاف ومشروع إقليمي يوظّف الدين والسلاح لإخضاع الدول
ليست أزمة الشرق الأوسط مجرد أزمة أنظمة سياسية متسلطة أو مؤسسات ديمقراطية ضعيفة، إنها، في جانب أساسي منها، أزمة سيادة وطنية، حيث تتداخل سلطة الأنظمة الاستبدادية مع مشاريع النفوذ الإقليمي، وتُستخدم العقيدة الدينية والطائفية والأيديولوجيا السياسية لتبرير السيطرة على المجتمعات والدول.
وطالما أنَّ الحديث والتحليلات تنصبّ حالياً على نتائج الانتخابات الأمريكيّة والإسرائيليّة، خاصةً في وسائل الإعلام العربيّة والشرق أوسطيّة، دعونا نقارن بين الديمقراطية الأمريكية والإسرائيلية من جهة، والنظام الإيراني والأنظمة العربية من جهة أخرى، علَّ المقارنة تكون مدخلاً لفهم معركة أوسع: معركة الدولة الوطنية في مواجهة مشاريع الهيمنة، ومعركة المواطنة في مواجهة الوصاية الدينية والطائفية.
عسى المقارنة تقودنا إلى السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس فقط: لماذا تأخر الشرق الأوسط عن الديمقراطية؟ بل أيضاً: من المستفيد من استمرار هذا التأخر، ومن يعمل على منع قيام دول مستقلة قادرة على اتخاذ قراراتها بعيداً عن النفوذ الخارجي؟
أمريكا وإسرائيل: التعددية السياسية رغم الاختلافات
تقدم الولايات المتحدة نموذجاً دستورياً يسمح للمواطن، بصرف النظر عن دينه أو معتقده أو هويته الاجتماعية، بالمشاركة في الحياة السياسية.
فالإسلاموي يستطيع ممارسة نشاطه السياسي، والمرأة المحجبة تستطيع الوصول إلى المؤسسات المنتخبة، والمثلي يستطيع الدفاع عن حقوقه والمشاركة في الحياة العامة. لا تشترط الدولة على مواطنيها تبني هوية واحدة، بل تضع الجميع تحت سقف الدستور والقانون.
هذه ليست ديمقراطية بلا عيوب، لكنها تقوم على مبدأ جوهري: الدولة لا تحتكر الحقيقة، ولا تفرض عقيدة على مواطنيها.
أما إسرائيل، نعم إسرائيل، فتقدم تجربة برلمانية تسمح للمواطنين العرب بالمشاركة في الانتخابات والوصول إلى الكنيست، بل والمساهمة في تشكيل الحكومات. وقد شكلت المشاركة العربية في الانتخابات الإسرائيليّة الأخيرة ظاهرة يجب التوقّف عندها.
وإذا كان التمثيل العربي قد بلغ 19 نائباً وفق النتائج، فإن ذلك يطرح سؤالاً سياسياً يستحق النقاش: لماذا تستطيع الأحزاب العربية المشاركة في الحياة البرلمانية الإسرائيلية، بينما لا تزال شعوب عربية كثيرة محرومة من التعددية السياسية الحقيقية؟
لا يعني ذلك تجاهل التمييز الذي يواجهه المواطنون العرب في إسرائيل، أو اعتبار النظام الإسرائيلي نموذجاً مثالياً للمساواة. فالتناقض بين المشاركة البرلمانية والمساواة الفعلية لا يزال قائماً.
لكن المقارنة تكشف أهمية وجود مؤسسات تسمح بالتنافس السياسي، حتى في مجتمعات تعيش صراعات قومية ودينية عميقة.
إيران: من تصدير الثورة إلى تصدير النفوذ
هنا تكمن العقدة الأساسية في أزمة الشرق الأوسط.
فالنظام الإيراني لا يمثل مجرد نموذج سياسي يقوم على ولاية الفقيه، بل يمثل مشروعاً إقليمياً جعل من توسيع النفوذ خارج الحدود جزءاً من عقيدته السياسية والأمنية.
داخل إيران، تخضع الانتخابات لرقابة مؤسسات غير منتخبة، ويملك المرشد الأعلى صلاحيات واسعة تتجاوز المؤسسات الدستورية المنتخبة. ويستطيع مجلس صيانة الدستور استبعاد المرشحين، بما يحد من حرية الاختيار الشعبي.
أما خارج إيران، فقد اعتمدت طهران سياسة بناء شبكات نفوذ سياسية وعسكرية وأمنية في عدد من الدول العربية، مستفيدة من الانقسامات الداخلية وضعف مؤسسات الدولة والأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
وهكذا نشأت مفارقة خطيرة: نظام يقيّد حرية الاختيار السياسي داخل بلاده، بينما يسعى إلى التأثير في خيارات شعوب ودول أخرى من خلال حلفائه المسلحين وشبكاته السياسية.
لقد تحولت بعض الشعارات، مثل المقاومة والتحرير والدفاع عن المستضعفين، إلى أدوات لتبرير وجود قوى مسلحة خارج سلطة الدول، وإضعاف المؤسسات الوطنية، وربط القرارات السيادية بحسابات إقليمية لا تتطابق بالضرورة مع مصالح المجتمعات المحلية.
إن المشكلة ليست في حق إيران في ممارسة سياستها الخارجية أو الدفاع عن مصالحها، بل في تحويل أراضي الدول الأخرى إلى ساحات نفوذ وصراعات، وفي دعم قوى تتجاوز سلطات حكوماتها الشرعية.
والأخطر أن هذا النفوذ لا يقتصر على الجانب العسكري. فهو يمتد إلى السياسة والإعلام والاقتصاد وشبكات المصالح، بما يجعل مواجهته مشروعاً وطنياً ومؤسسياً طويل الأمد، لا مجرد مواجهة عسكرية أو أمنية.
العالم العربي: البيئة التي سمحت بتمدد النفوذ الإيراني
لا يمكن تحميل إيران وحدها مسؤولية الاختلالات التي تعاني منها الدول العربية.
فقد ساهمت الأنظمة العربية الاستبدادية، بسياساتها القائمة على احتكار السلطة وإضعاف المؤسسات وتهميش المواطنين، في خلق الفراغات التي استطاعت قوى إقليمية استغلالها.
عندما تُمنع المشاركة السياسية، ويُقمع المجتمع المدني، ويُضعف القضاء، وتُختزل الدولة في الحاكم أو العائلة أو الأجهزة الأمنية، تصبح المجتمعات أكثر عرضة للاختراق الخارجي.
وعندما تتحول الطوائف إلى أدوات سياسية، يصبح من السهل على القوى الإقليمية استثمار الهويات المذهبية لبناء قواعد نفوذ داخل الدول.
لقد أثبتت التجربة أن الاستبداد لا يحمي الدولة الوطنية بالضرورة؛ بل قد يكون أحد أهم أسباب انهيارها.
ومن هنا، فإن مواجهة النفوذ الإيراني لا يمكن أن تنجح من خلال التحالف مع أنظمة عربية ترفض الإصلاح السياسي وتستمر في إضعاف مجتمعاتها.
المواجهة الحقيقية تبدأ ببناء دول مواطنة، يكون فيها المواطن صاحب الحق في اختيار حكامه، وتكون فيها المؤسسات أقوى من الأحزاب والطوائف والعائلات السياسية.
لبنان: الساحة الأوضح لمعركة استعادة السيادة
إذا كانت بعض الدول العربية قد عانت من تمدد النفوذ الإيراني، فإن لبنان يقدم النموذج الأكثر وضوحاً لتعقيدات هذه المواجهة.
فلبنان لم يكن يوماً مجرد ساحة جغرافية للصراع الإقليمي، بل كان مجتمعاً تعددياً يمتلك تجربة برلمانية وثقافية وإعلامية مميزة في المنطقة.
لكن ضعف الدولة، والمحاصصة الطائفية، وفساد الطبقة السياسية، والتدخلات الخارجية، سمحت تدريجياً بتحويل لبنان إلى ساحة تتداخل فيها القرارات الوطنية مع حسابات إقليمية.
وقد بلغ هذا التناقض ذروته مع تحول حزب الله من حزب سياسي ومشارك في المؤسسات الدستورية إلى قوة عسكرية وأمنية تمتلك قراراً مستقلاً عن الدولة، وترتبط استراتيجياً بالنظام الإيراني.
وهنا يجب التمييز بوضوح بين المواطنين اللبنانيين الشيعة وبين المشروع السياسي والعسكري المرتبط بإيران. فالطائفة الشيعية جزء أصيل من تاريخ لبنان ومستقبله، وحق أبنائها في المواطنة والمشاركة السياسية كامل وغير قابل للنقاش.
المشكلة ليست في طائفة، بل في احتكار تمثيلها، وفي ربط قرارها السياسي والعسكري بمشروع خارجي.
إن استعادة الدولة اللبنانية لا تعني إقصاء أي مكوّن لبناني، بل تحرير جميع المواطنين من الوصاية السياسية والعسكرية، وإعادة القرار الوطني إلى المؤسسات الدستورية.
ومن هنا، فإن حصر السلاح بيد الدولة ليس مجرد مطلب أمني، بل شرط أساسي لقيام الديمقراطية والسيادة.
فلا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية حقيقية إذا كان قرار الحرب والسلم خارج سلطة الحكومة، ولا يمكن أن تكون هناك دولة مستقلة إذا كانت قوة مسلحة تستطيع تعطيل قرارات مؤسساتها أو جر البلاد إلى صراعات لا يقررها اللبنانيون مجتمعين.
إن تطبيق القرارات الدولية، ولا سيما القرارات 1559 و1701، وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، وضبط الحدود، وإنهاء أي وجود عسكري أو أمني أجنبي خارج إطار الدولة، كلها عناصر أساسية في استعادة السيادة.
ولا بد أن يكون أي مسار تفاوضي لبناني مستقلاً عن المفاوضات الأمريكية الإيرانية وعن صراعات المحاور. فلبنان ليس ورقة تفاوض إيرانية، ولا ينبغي أن يكون ملفاً تابعاً لأي تسوية إقليمية.
المواجهة مع إيران ليست مواجهة مع اللبنانيين أو مع الشيعة
من الضروري أن تكون المواجهة مع النفوذ الإيراني واضحة في أهدافها وخطابها.
إنها مواجهة مع سياسة تصدير الثورة، ومع التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ومع إنشاء قوى مسلحة خارج مؤسساتها الشرعية.
وليست مواجهة مع الشعب الإيراني، الذي يمتلك حقه في الحرية وتقرير مستقبله، ولا مع المسلمين الشيعة الذين يشكلون مكوّناً أساسياً من المجتمعات العربية.
بل إن تحرير المجتمعات الشيعية من احتكار التمثيل السياسي والمذهبي هو جزء من استعادة التعددية والديمقراطية.
فالمواطن الشيعي اللبناني، شأنه شأن المواطن السني والمسيحي والدرزي، يجب أن يكون حراً في اختيار ممثليه، وفي تحديد أولوياته الوطنية، من دون وصاية من حزب أو دولة أجنبية.
إن أخطر ما فعلته مشاريع النفوذ الإقليمي هو تحويل الاختلاف المذهبي إلى أداة ولاء سياسي، بدلاً من أن يكون التنوع الديني والثقافي جزءاً من غنى المجتمعات.
الاغتراب اللبناني: بناء جبهة دبلوماسية دفاعاً عن الدولة
في هذه المواجهة، يملك الاغتراب اللبناني دوراً يتجاوز بكثير المساعدات المالية والتحويلات العائلية.
فاللبنانيون المنتشرون في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا وأستراليا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية يعيشون في مجتمعات تقوم على المؤسسات الدستورية والتنافس السياسي وحرية التعبير والمساءلة.
وقد أثبتوا قدرتهم على الوصول إلى مواقع سياسية واقتصادية وأكاديمية وإدارية مؤثرة.
لكن هذه القدرات لا تزال بحاجة إلى تنظيم سياسي ودبلوماسي مستقل، يضع السيادة اللبنانية في صدارة أولوياته.
إن المطلوب هو الانتقال من الاغتراب العاطفي إلى الاغتراب المؤثر، ومن المبادرات الفردية إلى العمل المؤسسي المنظم.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال:
تأسيس لوبي لبناني مستقل وفاعل: يتواصل مع البرلمانات والحكومات ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام في الدول الديمقراطية، للدفاع عن استقلال لبنان وقراره السيادي.
مواجهة النفوذ الإيراني دبلوماسياً وفكرياً: من خلال كشف أثر التدخلات الخارجية والقوى المسلحة غير الخاضعة للدولة على الاستقرار اللبناني، وتقديم القضية اللبنانية باعتبارها قضية سيادة وحقوق دستورية.
دعم الجيش والمؤسسات الشرعية: والمطالبة بمساعدة دولية جدية تمكّن الدولة اللبنانية من بسط سلطتها على كامل أراضيها.
الدفاع عن تطبيق القرارات الدولية: بما فيها القرارات المتعلقة بسيادة لبنان وحصر السلاح بيد الدولة وترسيم الحدود.
دعم الإصلاح الديمقراطي: وعدم الاكتفاء بمواجهة النفوذ الإيراني، بل العمل أيضاً على تفكيك منظومة الفساد والمحاصصة التي ساعدت على إضعاف الدولة وفتح أبوابها أمام التدخلات الخارجية.
وهنا تبرز أهمية المنصات الفكرية والسياسية المستقلة التي تستطيع مخاطبة اللبنانيين في الداخل والاغتراب، وتطوير خطاب وطني يتجاوز الاصطفافات التقليدية.
فاللوبي الناجح لا يكون مجرد أداة ضغط ضد خصم سياسي، بل قوة تدافع عن مشروع دولة، وتقدم للمجتمع الدولي رؤية واضحة لمستقبل لبنان.
معركة لبنان هي معركة الشرق الأوسط
إن المقارنة بين الديمقراطية الأمريكية والإسرائيلية والنظام الإيراني والأنظمة العربية تكشف أن أزمة الشرق الأوسط ليست أزمة انتخابات، بل أزمة سيادة ومواطنة ومؤسسات.
لا يمكن بناء ديمقراطية حقيقية في ظل أنظمة تحتكر الحقيقة، أو قوى مسلحة تحتكر القرار، أو زعامات طائفية تحتكر تمثيل المجتمعات.
ولا يمكن مواجهة النفوذ الإيراني بجدية من دون معالجة الأسباب التي سمحت له بالتمدد: ضعف الدولة، وغياب الإصلاح، والفساد، والطائفية، وحرمان المواطنين من المشاركة الحرة.
إن لبنان يمثل اليوم اختباراً حقيقياً لمستقبل المنطقة.
فإما أن يستعيد قراره الوطني، ويحصر السلاح بيد مؤسساته الشرعية، ويعيد بناء علاقاته العربية والدولية على أساس المصالح الوطنية، أو يستمر في دفع ثمن تحويله إلى ساحة لصراعات الآخرين.
إن مواجهة المشروع الإيراني لا تكتمل بمجرد تراجع نفوذه العسكري، بل يجب أن تترافق مع استعادة المؤسسات، وتحرير الاقتصاد من شبكات المصالح، وتعزيز القضاء، وبناء نظام سياسي يحمي التعددية والمواطنة.
وهنا تقع مسؤولية تاريخية على الاغتراب اللبناني: أن يتحول إلى قوة دبلوماسية وفكرية وسياسية منظمة، تساند اللبنانيين في معركتهم لاستعادة وطنهم، وتستخدم أدوات الديمقراطية في الدول المضيفة للدفاع عن سيادة لبنان واستقلاله.
لبنان لا يحتاج إلى وصاية إيرانية ولا إلى وصاية عربية أو دولية. يحتاج إلى دولة سيدة، وجيش واحد، ودستور واحد، وقرار وطني واحد.
إن معركة لبنان ليست معركة طائفة ضد طائفة، ولا دين ضد دين، بل معركة دولة ضد الدويلة، ومواطنة ضد الوصاية، وديمقراطية ضد الاستبداد.
ومن يريد شرق أوسط مستقراً وديمقراطياً، عليه أن يبدأ بلبنان مستقل، لا يملك أحد قرار الحرب والسلم فيه سوى دولته وشعبه.