
بقلم : الدكتور جورج شبلي
٢٥ ايار ٢٠٢٦
السَّعي الى بناءِ مُواطِن
إنّ النّكباتِ التي توالَت على البلاد، وشكّلَتِ الكارثةَ التي هي عِقمُ التربيةِ الوطنيّةِ في موضوعِ الولاء، قد خلَّفَت شرورًا لا تُحصى، ما يدفعُ، بالضرورةِ القُصوى، الى تصويبِ المَرمى، بتبديدِ التّعامي عن الحقيقة، وبفَضحِ تَمويهِ مخطّطاتِ الخطرِ بالتّلفيقاتِ والأوهام. ويكون ذلك بإبرازِ عملٍ فِكريٍّ توجيهيٍّ تَنويريّ، يُلغي العقليّاتِ المُحَنَّطة، والمشاريعَ المُفلِسة، سَعيًا الى بناءِ الإنسانِ المُواطن، ليولَدَ لبنانٌ جديدٌ عنوانُهُ الحريّةُ والكرامةُ والحقّ.
إنّ اختبارَ نكبةِ البلدِ، لا يكفي بالتّعبيرِ عنها وحَسب، بل ينبغي طرحُ حلولٍ عمليّةٍ لها، ترتقي بالبلادِ الى الأفضل، أو، بكلامٍ آخر، ينبغي بِناءُ إنسانٍ مختلِفٍ واعٍ، وإِنْ تَطلَّبَ ذلك وقتًا وجُهدًا، وقد قالَ يحيى بن عَدِيّ، في هذا الصَّدَد : ” إنّ عِلمَ إدراكِ الحقِّ صَعب، يحتاجُ الى تَحمُّلِ مَشَقّة…”. لكنّنا لا نشكّ في قدرةِ النُّخبَوِيّين الوطنيّين، على بُلوغِ ما يستحقُّ لبنانُ من صَفاءٍ، وتَجاوزٍ للأساطيرِ التي لم تُنجِبْ سوى ” عَنقاءاتٍ ” استحضرَت دمارًا، وذلك بإطلاقِ سِفرٍ جديدٍ جدِيٍّ يكونُ وسيطًا بين قِيَمِ الوطنيّةِ والمُواطِن.
عندما قُلنا ” بالتربيةِ نَبني “، كنّا نقصدُ إطلاقَ شحنةٍ يَقظَوِيّةٍ نَهّاضَة، هي مفاتيحُ التحرّرِ من المتوارثاتِ الجامدة، ومن التزمُّتِ الانغلاقيّ، ومن التّصادماتِ المُغرِضة، والتي سَجَنَتِ مفهومَ الانتماءِ في إطارِ المذاهبِ والطّوائف، ومفهومَ الولاءِ بالخضوعِ للقياداتِ، أيًّا يَكُنِ اسمُها. وعلى أنقاضِها، يكونُ حضورُ الوطنِ هو الطّريقَ الإلزاميَّ التي تُورِقُ فيهِ سيرةُ الوطنيّةِ الصحيحة، وطُقوسُ الارتباطِ بالكيانِ، وبعراقةِ الهويّة.
إنّنا لا نَدعو الى أن تكونَ التربيةُ بُوقاً لعقيدة، أو أطروحةً للاتِّباع، بل بذارًا لقضيّةٍ هي إيمانُنا الحقيقي، وإلّا ستنتهي المسيرةُ قبلَ أن يكتملَ البِناء. كما أنّنا لا نقولُ بالعودةِ الى الماضي لإِحياءِ الزّمانِ بتَذَكُّرِهِ، فخالِقُ الماضي هو خالِقُ مأساتِهِ التي تنسحبُ على الحاضرِ والمستقبل، وكأنّنا نسوحُ في متحفٍ جامدٍ، محدود، لا رُؤىً فيهِ ولا تَجاوُز، بالرَّغمِ من بعضِ اقتحاماتٍ للخَيرِ والحقِّ، شَقَّت طريقَها الى التّقدير، ولا يمكنُ تَجاهلُها.
ويُطرَحُ السؤال : كيف يمكنني أن أغلبَ ما يُضنيني، لِأَصلَ الى نهاياتٍ تُشكّلُ خيراتِ حياتي، وإنقاذَ وطني ؟
لا نطرحُ، في هذا المجال، بطولةً عملاقةً تُقحِمُ الفردَ في عالَمِ المَلاحِم، فيُقدِمُ على التّقدماتِ والذّبائح، ليطغى العَدلُ ويغيبَ الاستبداد. إننا نبدأُ عملَ التربيةِ الوطنيّةِ بتَبَنّي صيغةِ ” بروميثوس “، مع بعضِ التّعديل، فهو قال :” ذَنْبي أنّني شديدُ الحبِّ للإنسان “، لتُصبحَ : ” ذَنبي أنّني شديدُ الحبِّ للبنان “. ونطالِبُ بتَكرارِها مرّاتٍ ومرّات، حتى تنسابَ على اللّسانِ تلقائيًّا، وكأنّ حُلولًا وُلِدَ بين العِبارةِ والعقل، والقلب، فلا يصيبُها امِّحاء.
تبدأُ مسيرةُ بناءِ المواطنِ بالتَزَيُّنِ بالوطنيّةِ محورِ العلاقةِ الإلتزاميّةِ بالوطن. ولمّا كانَ السّائدُ، عندَنا، تشويهَ مفهومِ الوطنيّةِ بشروحٍ منحولةٍ، وبخطابٍ مُغرِضٍ، وبتوجيهاتٍ إيديولوجيّةٍ غريبة، ما حوَّلَ المفهومَ مفاهيم، والتّماسُكَ تفرقة، والتآزرَ عداوة، كان لا بدَّ من العودةِ الى القاموسِ السياسيّ الدَّوليّ للاطّلاعِ على ما يتضمّنُه مفهومُ الوطنيّة، وبالتالي، تَبَنّيه. إنّ الوطنيّةَ تنحصرُ، في معناها، بكلمتَينِ اثنَتَين هما الانتماء والولاء، وينبغي، هنا، أن نَلحَظَ أنّ الانتماءَ للوطنِ والولاءَ له يشكّلانِ كُلًّا غيرَ مُنفَصِم، من هنا، فإنّ اقتناءَ بطاقةِ الهويّة لا يعني، على الإطلاق، أنّ حاملَها قد تولَّدَت عندَه ثقافةُ التّرابط، أو نشأَ بينه وبين الوطنِ عقدٌ ولائيٌّ مُطلَقٌ.
إنّ مِعيارَ الولاءِ يتمظهرُ في السّلوكِ الذي يترجمُ مشاعرَ الاعتزازِ بالانتماء، من هنا، ينبغي أن يُشحَنَ المواطنُ بهذه الأخلاقيّة بواسطةِ التربيةِ الآيِلةِ الى تنويرِه بالقِيَمِ. وليسَ ذلك ليَعلَمَ بها، فقط، بل ليمارسَها مؤمِنًا بأنّ الولاءَ هو السّلوكُ الحضاريُّ أو القيمةُ العليا السّائدةُ التي يجبُ أن تكون متحكِّمةً في وجدانِهِ، أو الإمكانيّةُ العظيمةُ التي تجعلُ المجتمعَ قادرًا على تحقيقِ غاياتِه، من خلالِ تحويلِ مؤهّلاتِ أهلِهِ الى طاقاتٍ إيجابيةٍ تبدو نتائجُها في الرقيّ، والتقدّمِ، والحصانةِ، والازدهار.
إنّ التربيةَ، في هذا الموضوع، تؤكِّدُ على أنّ الولاءَ يكون مُطلَقًا أو لا يكون. ذلك لأنّ السّائدَ، عندَنا، هو الخَلطُ بين الولاءِ للوطن، ونظامِهِ، ودستورِهِ، ومؤسّساتِهِ، وبين الولاءاتِ الرديفةِ البديلةِ التي قد تكون، في غالِبِ الأحيان، هي الأقوى والأَفعَلَ في النّفوس، كالولاءِ للطوائفِ والأحزابِ والأشخاصِ وبلدانِ ما وراء الحدود. إنّ واجبَ التربيةِ الإرشاديّةِ، في هذا المجالِ تحديدًا، أن تتعاملَ مع مُتَصَدِّعي الوَعيِ الوطني، بانتباهٍ، وذلك بمضامينَ تصحيحيةٍ لتعديلِ البوصلةِ نحوَ هدفِ الولاءِ الصحيح.
إنّ الثقافةَ الوطنيّةَ المُستنِدةَ الى فِكرِ الانتماءِ والولاء، هي الفِعلُ المُحَرِّرُ من كلِّ العِلَلِ التي تُرهِقُ الوطن. وعليه، ينبغي أن توضَعَ استراتيجيّةٌ وطنيّةٌ تَعتَبَرُ هذه الثقافةَ إيديولوجيّةً تُخضِعُ حَمَلَةَ الهويّةِ لتقييماتٍ جديدةٍ صارمة، حتى لا تضطرَّ البلادُ، كما في العُقودِ الفائتة، الى تقديمِ سَيلٍ من الأضاحي فوق مذبحِ الكرامةِ والبقاء.
