
المحامي البروفيسور نبيه الشرتوني
٣٠ حزيران ٢٠٢٦
مادة التاريخ هي الركيزة الأساسية للهوية الوطنية
دمج مادة التاريخ مع مواد أخرى وجعلها إختيارية قرار سقطت فيه وزارة التربية ثقافيّاً، تربويّاً، ووطنيّاً، وكنا نربأ بوزيرة التربية، التي نجل ونحترم، أنت تقع في هذا المحظور، والذي يستدعي مراجعةً سريعةً، والعودة عنه، ونحن هنا نضم صوتنا إلى الأكادميين المعترضين على هذا القرار، والذين من المفترض بمعالي الوزيرة أن يكونوا ضمن اللجنة الاستشارية قبل السقوط في هذا الأمر الخطير.
ليس التاريخ مجرد سردٍ لأحداث الماضي، بل هو الذاكرة الحيّة للشعوب، والمرآة التي ترى فيها الأمة صورتها عبر الزمن؛ فتدرك من كانت، وتعي من هي، وتستلهم منها ما ينبغي أن تكون عليه. فالأمة التي تجهل تاريخها تشبه شجرةً تنكرت لجذورها؛ وما تلبث أن تضعف، حتى تعصف بها رياح الفرقة، ويبتلعها نسيان الزمن.
من هنا، ينبغي أن يكون تدريس التاريخ مادةً وطنيةً إلزاميةً وموحّدةً في جميع أنحاء الوطن. فعندما يروي كل فريق، أو كل طائفة، أو كل تيار سياسي الماضي وفق مصالحه ورؤيته الخاصة، نظرته للتاريخ، يفقد التاريخ رسالته التربوية، ويتحوّل من جسرٍ للوحدة إلى أداةٍ للانقسام. وهكذا تنشأ أجيالٌ تحمل رواياتٍ متباينة عن وطنٍ واحد، فتتكوّن لديها هوياتٌ مجتزأة ومتفرقة، بدلاً من أن تتجذر فيها هويةٌ وطنيةٌ جامعة.
إن التاريخ لا يجوز أن يكون ملكاً لطائفة، ولا أسيراً لحزب، ولا رهينةً لإيديولوجيا عابرة. فالتاريخ ملكٌ للأمة بأسرها، ورسالتُه أن يجمع ولا يفرّق، وأن يعمّق الإحساس بالانتماء، لا أن يزرع الشك بين أبناء الأرض الواحدة.
وفي لبنان، تزداد هذه المسؤولية عمقاً وأهمية. فهذا الوطن الصغير في مساحته، الكبير في حضارته، يختزن ثروةً تاريخيةً وثقافيةً وإنسانيةً تتجاوز كل الانقسامات الدينية والسياسية.
فمنذ الحضارة الفينيقية وحتى يومنا هذا، ترك اللبنانيون بصمتهم الواضحة في مسيرة الإنسانية. فقد حملوا المعرفة عبر البحار، ونشروا الأبجدية، وفتحوا طرق التجارة والتواصل بين الحضارات، وأسهموا في بناء جسور الحوار بين الشعوب. وهذا الإرث العظيم ليس ملكاً لفئةٍ دون أخرى، بل هو ميراثٌ وطنيٌ مشترك لجميع اللبنانيين.
إن توحيد تدريس التاريخ الوطني لا يعني طمس الاختلافات، ولا إخفاء المحطات المؤلمة، بل يعني مواجهتها بصدق، وفهمها بوعي، واستخلاص العبر منها، حتى تتحوّل الجراح إلى حكمة، والتجارب إلى دروسٍ تبني المستقبل. فالأمم التي لا تتعلم من أخطاء ماضيها، محكومٌ عليها أن تعيد إنتاجها.
إن الهوية الوطنية تولد من المعرفة المشتركة. فالطفل الذي يدرس التاريخ نفسه الذي يدرسه طفلٌ آخر، مهما اختلف انتماؤه الديني أو الاجتماعي، يبدأ باكتشاف أنهما ينتميان إلى وطنٍ واحد، وإلى مصيرٍ واحد. ويتعلم أن هناك رموزاً، وأبطالاً، وتضحياتٍ، وقِيماً، تشكل ذاكرةً جماعيةً لجميع أبناء الوطن، وأن الوطن أوسع من كل اختلاف، وأبقى من كل انقسام.
أما الوطنية الحقيقية، فلا تُفرض بالخطب والشعارات، بل تُغرس في النفوس منذ مقاعد الدراسة. إنها تنمو حين يتعلم الأبناء احترام علم بلادهم، وتقدير تراثهم، واستيعاب تضحيات من سبقوهم، والشعور بالمسؤولية في صون سيادة وطنهم، وكرامته، ووحدته.
وليس الهدف من تدريس التاريخ أن نصنع طلاباً يحفظون التواريخ والأحداث فحسب، بل أن نُنشئ مواطنين يدركون أن الوطن أمانةٌ ورثوها ممن سبقهم، ومسؤوليةٌ أخلاقيةٌ وتاريخيةٌ سيورثونها للأجيال القادمة.
فقد تستطيع الأوطان أن تعيد بناء مدنها بعد الحروب، وأن تستعيد اقتصادها بعد الأزمات، وأن تداوي جراح الزمن مهما طال بها الألم؛ لكنها تعجز، أو تكاد، عن استعادة هويةٍ وطنيةٍ ضاعت من وجدان أبنائها.
إن من يعرف تاريخ وطنه، يفهم حاضره، ويعرف كيف يبني للمستقبل، لا بل يتعلم كيف يحبه. ومن أحب وطنه حباً صادقاً، لن يجعله ساحةً للصراعات، ولن يحوله إلى وسيلةٍ للمصالح الضيقة، ولن يسمح بانقسامه على ذاته، بل صانه، وأكرمه، وعمل بإخلاصٍ لكي يورثه للأجيال القادمة أكثر قوةً، وأكثر وحدةً، وأكثر وفاءً لرسالته في التاريخ.
