
بقلم: الياس كساب
رئيس التحرير، باحث في الشؤون الاغترابية، واللبنانيّة، والعربيّة
٧ ايلول ٢٠٢٦
أسعد قطّان:
مشرقِيٌّ يُفكِّكُ الرُموز من نشيد الأناشيد إلى عاصي وفيروز
ويعود بنا إلى نوستالجيا بحر بيروت
عكفتُ على قراءةِ كُتُبِهِ مؤخّراً، وأعترف أنّني لم أكن عازماً على قراءتِها كلّها دفعةً واحدة، ولكن رأيتُني مشدوداً لأسلوبِه، تسرقُ لحظاتي سلاستُه الظريفة، وتُدغدِغُ صُورُهُ ذكرياتي، فتُعيدُني، نوستالجيّاً، إلى شبابٍ يستفيقُ على صوتِ فيروز، يتأبّط كُتبَهُ، وقضاياه، ويزرع حول طاولاتِ المقاهي في بيروت حكايا ورؤىً، يتصحّف مُلحقَ “النهار”، ويستهويه الجمال: وتراً، ولحناً، وريشةً، وكلمة..
قِصَصٌ صغيرة في كتابين: “قاسم شنايدر في بيروت” (٢٠١٣)، و”عندما ضجر التنين” (٢٠١٥)، وكتابان عن الرحابنة وفيروز: “عن جبال في الغيم” (٢٠١٨)، و”مئة سوسنة” (٢٠٢٥) والذي نشرته دار النهار، وقدّمَ له الصحافي سمير عطالله.
نحن أمام كاتبٍ مُثقَّفٍ مُرهَف، لم “يتصوّف” لصوت فيروز الفريد فقط، بل “نبشَ” في الكلمات والمعاني، يبحث عنِ الوطن، وما يحملهُ من المعاني، عند اللبنانيّين والعرب، فأظهرَ كيف حمّلَ الرحابنةُ اللحنَ تراثنا وواقِعنا، حُبَّنا وغضَبَنا، شوقَنا وبُعادنا، صباحاتِنا وأُمسياتِنا، نقمتَنا وصلاتَنا، هزيمَتنا وانتصارنا.. وقضايانا الجاثمةَ على صدورِنا، بل ضمائرِنا، من بيروت، إلى إلى …….. القدس.. وكأنّنا، مع تحليلِ أسعد قطّان، نهيم حُبّاً بصوتِ فيروز الجميل، حتى لو ظهّرتِ “القُبحَ” فينا، فكأنّنا أمام لوحةٍ من “جمالِ القُبح” في المعنى النقدي للفن.
ولم يكتفِ أسعد قطّان، في نقده الفنّي والفكري للرحابنة، بالوقوف على نتاجِهِم في كتابين، بل أسدلَ على المعاني من “لاهوتيّتِه”، وهو المشرقيُّ القادمُ من البلمند، ومن اليونان، إلى رحاب ألمانيا أستاذاً مُحاضراً في اللاهوت (حيث يشغل حاليّاً كرسيَّ اللاهوت الأرثوذكسي في جامعة مونستر)، لذا استطاع أن يأخذَنا إلى رابِطٍ بين صُوَرِ منصور، و”نشيد الأناشيد”، وهو سِفرٌ توراتِيٌّ مرتبطٌ بسليمان الحكيم، جريءٌ، في الوسط بين أسفار العهد القديم، وهي أناشيد غزلٍ بالله الخالق، بعلاقةٍ حميمةٍ بين العريس – الله، والعروس – الخليقة، وهيَ حميميّةٌ استمرت مع المسيح – العريس، والكنيسة – العروس، في مفاهيمِ العهد الجديد، فكأنّ الجمالَ خلقٌ جديدٌ ومُستمرٌّ كنِتاجٍ لهذا العشق الإلهيّ بين الله والإنسان..
كُثُرٌ هُمُ الذين كتبوا في فيروز والرحابنة، ولكنَّ قِلّةً منهم استطاعت أن تكتشف في الرموز الشعريّةِ، على بساطتها أحياناً، الفلسفةَ الفكريّة للكلمة الرحبانيّة، ومن بينهم أسعد قطان الذي سبرَ الأغوار أبعاداً وأعماقاً، فـ “عن جبالِ الغيم”، و”مئة سوسنة” قيمتان فكريّتان وأدبيّتان يجب ألا تُزيّنا رفوفَ مكتباتنا فقط، بل تراثنا، وأجيالنا المُتوالَدةَ التي، لمّا تزل، تنام وتصحو على صوت فيروز..
ولكنْ، ما بين أسعد قطّان الناقد، والقصة الصغيرة، شخصيّةٌ تُفاجِئُنا، إذا ما قارنّاها بروحانيّته المنثورة بين السطور في “غِنائيّتِهِ” النقديّة حول فيروز والرحابنة، فنحنُ أمامَ رِوائيٍّ يستطيع أن يُفلتَ خيالَه الذي يُعيدُكَ، عَبرَ استعاراتِه، إلى نوستالجيا المكان، واللحظةِ المُفتَقدَة، فتأتي الصور، على غرابتها، كاريكاتوريّةً تُحاكي واقعنا المتألّم، فلا عجبَ معه، مثلاً، أن تلتقي بامرئِ القيس ينزل من طائرة جامبو في مطار بيروت.. فهو يستعمل ذاكرتنا الدراسيَّة، أو التاريخيّة، أو الدينيّة، والوطنيّة، والنضاليّة..وحتى الأساطير، للإضاءة على المحسوس، في واقعيّةٍ ساخرةٍ، وفي وصفٍ جريءٍ، بل مُستفزٍّ أحياناً، نعوتاً، وإيماءاتٍ، وإيحاءاتٍ للشخصيّة – البطلة، فنحن أمام الإنسان اللبناني، والشرقي، في مشاغله، ومشاكله، وأحاسيسه، وصراعه مع المفاهيم، ونحن أيضاً مع مشرقيٍّ يحملُ، ويختزنُ في فكره روحَ الشرق إلى حيث يُدرّس في ألمانيا، ومع “متغرّبٍ” لم ينسَ جذوره، وتشدّه الأماكن، ويستعيده بحرُ بيروت (بحر الروم في “عندما ضجر التنين”)، إلى أحيائها، وناسها، بكلِّ ما يحملون من مشاكل حياتيّة، ويوميّة، ومن خياراتٍ، حتى لو كانت خاطئة، ويخطفك أسلوبُه إذا كنتَ “مُتغرِّباً” مثله، فيُعيدُكَ إلى ما لم يُغادرْكَ، والمجبولِ بالحنين، وإلى طرافةِ الحكايات التي ما زلتَ تحمل رغمَ البُعاد..
“إنطباعيّتُه” ترفع الوصفَ لديه من المُباشر المُبتذل، إلى إضفاء الطبيعة والمكان على الإحساس، فالغيم الرماديّ خلف النافذة، أو في سقف قطار ميونيخ مثلاً عميقٌ، يصف الحالة النفسيةَ لبطلةِ القصة، دونَما إسفافٍ في الشرح، فالمشهديّةُ لديه مُتكاملة، حيث ترفع الصور “سرديَّتَهُ” إلى مصافِ الروائيين الكبار..
إنّه أديبٌ لا نحتفي به فقط، بل نحن بحاجةٍ إلى أمثاله، في العالم الرقمي، وموجةِ الذكاءِ الاصطناعي، لِيُذكِّروننا أنَّ الإنسانَ المجبولَ فكراً، وخيالاً، وعواطفَ، وأحاسيس، هو أصلُ الإبداع، وأنّ التكنولوجيا هي صنيعتُه، وليس العكس..
أسعد قطّان ساخِرٌ هادِفٌ لوّحته الحداثة دون أن يُغادر العَراقة، أحياناً يسكن شخصيّاتِه، وأحياناً هيَ التي تسكنُه، فمن اللدِّ في فلسطين، إلى خليج مار جرجس في بيروت، من روما، وبيزنطية، إلى كنائس المشرق، ومن بلادِ فارس وشهرزادها، إلى “العمّة سعدى” في قرانا، ومن عازفِ العود في حمص، وكاتدرائيّتها، إلى الأمواج المُتكسرةِ على صخورِ المُتوسِّط، ومن السيدة الغامضة في القطار، إلى عثمان وقمقمِه المسحور، إلى “أبو أنطون” وزجاجة “البالانتاين”.. من كلِّ الصورِ والأساطير والمشاعر التي يحملها، يخطُفُكَ أسعد قطّان، ويُنزِلُكَ من بُرجِكَ العاجي، ويُعيدُكَ إلى حَيِّكَ العتيق!
