
زياد الصَّائغ
١ تشرين الاول ٢٠٢٦
لبنان من حالة الصّراع إلى السّلام الحضاريّ
بحثٌ في فكر إدغار موران…!
يدخل لبنان مرحلةً تاريخيّةً يصبح فيها السؤال عن معنى وجوده أكثر إلحاحًا من السؤال عن قدرته على الاستمرار. فقد أثبت اللبنانيّون/ات، طوال عقودٍ متعاقبة من الحروب والأزمات والاحتلالات والوصايات والانهيارات، قدرةً استثنائيّة على البقاء، إلّا أنّ البقاء، مهما طال، لا يصنع وحده مشروعًا وطنيًّا. المسألة اليوم تتّصل بالانتقال من بلدٍ اعتاد إدارة الصّراع إلى دولةٍ تصنع السّلام، ومن مساحةٍ تتقاطع فوقها صراعات الآخرين إلى مساحةٍ قادرة على إنتاج نموذجٍ حضاريّ لإدارة الاختلاف. في هذه المسافة بين الصّراع والسّلام، يحضر فكر الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسيّ إدغار موران (Edgar Morin)، بما قدّمه من تفكيرٍ في التّعقيد، وفي الإنسان، وفي المصير المشترك، وفي ضرورة الخروج من الاختزال الذي يحوّل التنوّع إلى مواجهة والهويّة إلى انغلاق.
موران لا يقدّم نظريّةً جاهزةً للسّلام، ولا وصفةً سياسيّة قابلة للنقل من مجتمع إلى آخر. أهمّيّته تكمن في منهجٍ فكريّ يرفض تفكيك الواقع إلى عناصر معزولة ثمّ التعامل مع كلّ عنصرٍ كأنّه الحقيقة كاملة. الفكر المركّب (La Pensée Complexe) عنده ينطلق من أنّ الواقع شبكةٌ من العلاقات والتفاعلات والتناقضات، وأنّ الجزء لا يُفهم خارج الكلّ، كما أنّ الكلّ لا يلغي خصوصيّة أجزائه. هذه المقاربة تكاد تكون مدخلًا ضروريًّا لفهم لبنان، لأنّ أزمته نفسها عصيّة على التفسير الأحاديّ، هي دستوريّة وسياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة وهويّاتيّة وجيو-سياسيّة في آنٍ واحد، وكلّ محاولةٍ لاختزالها في أحد هذه الأبعاد تنتهي غالبًا إلى إعادة إنتاجها.
لقد عاش لبنان طويلًا تحت وطأة الاختزال. اختُزل المواطن/ة في طائفته، والطّائفة في قيادتها، والسياسة في موازين القوى، والسّيادة في صراع المحاور، والدّولة في مؤسّساتها الشكليّة، كما اختُزل الاختلاف في الخوف من الآخر. مع تراكم هذه الاختزالات، تحوّلت التعدّديّة، التي كان يمكن أن تكون مصدر قوّةٍ حضاريّة، إلى مادّة قابلة للاستثمار السياسيّ. حين يصبح الآخر مجرّد هويّةٍ مقابلة، يسهل الانتقال من الاختلاف معه إلى الخوف منه، ومن الخوف منه إلى الحاجة إلى التسلّح في مواجهته، ومن التسلّح إلى بناء منظومات أمانٍ موازية للدّولة، وصولًا إلى مجتمعٍ يعيش داخل دولة واحدة، لكنّه لا يمتلك بالضرورة مفهومًا واحدًا للأمان الوطنيّ.
هنا تبدأ أهمّيّة موران بالنسبة إلى لبنان. الفكر المركّب لا يطلب إزالة التناقضات، بل فهمها وإدارتها ضمن وحدةٍ أوسع. الوحدة، في هذا المنطق، لا تعني التماثل، كما أنّ التعدّديّة لا تعني التشظّي. يستطيع المجتمع أن يكون واحدًا ومتعدّدًا في الوقت نفسه، وأن يحافظ على ذاكراته المختلفة من دون أن تتحوّل هذه الذّاكرات إلى حدودٍ سياسيّة مغلقة. ومن هذا المنظور يمكن إعادة قراءة الصيغة اللبنانيّة نفسها. المعضلة ليست في وجود مسيحيّين ومسلمين ويهود ولادينييّن، ولا في تعدّد الطّوائف والثقافات والذاكرات، بل في عجز النظام السياسيّ عن تحويل هذا التعدّد من توازن خوفٍ بين الجماعات إلى شراكة حقوقٍ بين المواطنين/ات.
على مدى خمسين عامًا، منذ اندلاع حروب لبنان في العام 1975، تبدّلت أشكال الصّراع ولم ينتهِ منطقه بالكامل. كانت هناك حربٌ داخل لبنان، لكنّها لم تكن يومًا حربًا داخليّةً صافية، لأنّ الجغرافيا السياسيّة الإقليميّة والدوليّة دخلت في تكوينها ومساراتها ونتائجها. تداخل الداخليّ بالخارج، والطائفيّ بالجيو-سياسيّ، والاجتماعيّ بالأمنيّ، والفلسطينيّ والإسرائيليّ والسوريّ والإيراني والإقليميّ والدوليّ باللبنانيّ. إنتهت الحرب بمعناها العسكريّ الواسع مع وثيقة الوفاق الوطني، لكنّ بعض البنى المنتجة للصّراع استمرّت بأشكالٍ أخرى، فيما بقي لبنان شديد القابليّة لأن يصبح ساحةً لاستقبال ارتدادات الأزمات المحيطة به.
هنا تكمن إحدى أهمّ أفكار موران. لا يمكن فهم النتيجة من خلال سببٍ واحد، لأنّ الأحداث الكبرى تتكوّن من تفاعلاتٍ متشابكة، وقد تنتج الأفعال نتائج مختلفة عمّا أراده أصحابها. وهذا ما يعبّر عنه موران بمفهوم “إيكولوجيا الفعل” (Écologie de l’Action)؛ فالفعل، ما إن يدخل في بيئةٍ من التفاعلات، حتّى يصبح جزءًا من منظومةٍ قد تغيّر مساره ومعناه ونتائجه. ما أكثر ما ينطبق ذلك على لبنان، حيث بدأت خياراتٌ سياسيّة وسياديّة تحت عناوين الحماية أو الردع أو الدفاع عن الجماعة، ثمّ دخلت في تفاعلاتٍ محلّيّة وإقليميّة ودوليّة أنتجت نتائج تجاوزت أصحابها، ودفعت المجتمع والدّولة معًا إلى أكلافٍ لم تكن دائمًا محسوبة. لذلك فإنّ الخروج من حالة الصّراع لا يبدأ فقط بإسكات السلاح، بل بتغيير المنظومة التي تنتج الحاجة إليه. السَّلام ليس وقفًا لإطلاق النار، ولا مجرّد غيابٍ للحرب، ولا هدنةً بين قوى تنتظر تبدّل موازينها. السَّلام في مجتمعٍ تعدّديّ هو بناء شروطٍ تجعل العودة إلى العنف غير ضروريّة وغير مشروعة وغير مفيدة. هذا يقتضي دولةً تمتلك وحدها حقّ القرار في مسائل الحرب والسّلم، ومؤسّساتٍ قادرة على حماية الجميع، وقضاءً مستقلًّا، ومواطنةً متساوية، وسياساتٍ اجتماعيّة تخفّف التهميش، وذاكرةً وطنيّة قادرة على الاعتراف بالجراح من دون تحويلها إلى وقودٍ لحروبٍ مقبلة.
من هنا يتوجّب الانتقال في التفكير اللبنانيّ من مفهوم “السّلم الأهليّ” إلى مفهوم “السّلام الحضاريّ”. السّلم الأهليّ ضرورة، لكنّه يبقى في كثيرٍ من الأحيان مفهومًا دفاعيًّا. كيف نمنع اللبنانيّين/ات من الاقتتال مجدّدًا؟ أمّا السلام الحضاريّ فيطرح سؤالًا أكثر تقدّمًا. كيف نحوّل التعدّديّة اللبنانيّة إلى قيمةٍ سياسية وثقافيّة تتجاوز حدود لبنان نفسه؟ الفرق كبيرٌ بين مجتمعٍ لا يتحارب ومجتمعٍ يصنع من اختلافه نموذجًا للعيش المشترك.
السَّلام الحضاريّ بهذا المعنى لا يطلب من اللبنانيّين/ات أن يتخلّوا عن انتماءاتهم، بل أن يعيدوا ترتيبها داخل مفهومٍ جامع للمواطنة. فالمسيحيّ لا يحتاج إلى أن يكون أقلّ مسيحيّةً كي يكون مواطنًا كاملًا، والمسلم لا يحتاج إلى أن يكون أقلّ ارتباطًا بإيمانه كي ينتمي إلى دولة المواطنة واليهودي يقتضي الافتِحار بلبنانيّته، واللّاديني معني بجرأة تظهير خياره في فعل حريّة الضمير والمعتقد. المطلوب أن تتوقّف الهويّات الدينيّة والطائفيّة عن أداء وظيفة السّيادة السياسيّة، وأن تنتقل ضمانة الوجود من موازين القوى بين الجماعات إلى الدّستور والقانون والدّولة. عندها يصبح الاختلاف حقًّا تحميه الدّولة بدل أن يكون خوفًا تستخدمه الجماعات لتبرير حاجتها إلى الحماية الذاتيّة.
هذا تحديدًا ما يجعل لبنان، رغم أزماته، قادرًا على حمل وظيفةٍ حضاريّة في محيطه. فبلدٌ يجتمع فيه المسيحيّ والمسلم ضمن نظامٍ سياسيّ واحد، ويتمتّع بتقاليد جامعيّة وثقافيّة وإعلاميّة وحقوقيّة راسخة، ويملك امتدادًا اغترابيًّا عالميًّا، يمكن أن يتحوّل من مختبرٍ للصّراعات إلى مختبرٍ لإدارة التعدّديّة. غير أنّ هذه الوظيفة لا يمكن أن تقوم فوق دولةٍ ضعيفة. لبنان الرسالة يحتاج أوّلًا إلى لبنان الدّولة، لأنّ الحوار من دون سيادة قد يتحوّل إلى تعويضٍ أخلاقيّ عن غياب السياسة، والتعدّديّة من دون دولة قد تتحوّل إلى فيدراليّة أمر واقع، والانفتاح من دون قرارٍ وطنيّ مستقلّ يجعل البلاد أكثر عرضةً لاختراق صراعات الآخرين.
من هنا يلتقي السلام الحضاريّ مع مفهوم الحياد الإيجابيّ. الحياد المقصود ليس عزلةً عن العالم العربيّ أو انسحابًا من القضايا الإنسانيّة والسياسيّة في المنطقة، كما أنّه لا يعني اللامبالاة تجاه العدالة وحقوق الشعوب. إنّه إعادة تحديد لوظيفة لبنان الجيو-سياسيّة. ألّا يكون منصّةً عسكريّة لمحاور متصارعة، وأن يحافظ في الوقت نفسه على حضوره الدبلوماسيّ والثقافيّ والإنسانيّ، وأن يستخدم تعدّديّته وصلاته العربية والدوليّة من أجل الوساطة والحوار وصناعة مساحات التلاقي. إنّها حياديّةٌ إيجابيّة لأنّها تنقل لبنان من وظيفة الساحة إلى وظيفة المساحة. من ساحةٍ يتصارع عليها الآخرون إلى مساحةٍ يلتقي فيها المختلفون. وفي عالمٍ تتزايد فيه الاستقطابات الدينيّة والهويّاتيّة والجيو-سياسيّة، لا تكون هذه الوظيفة ترفًا لبنانيًّا، بل قيمةً مضافة يمكن أن يقدّمها بلدٌ صغير لا يستطيع منافسة القوى الكبرى في القوّة الصلبة، لكنّه يستطيع أن يبني لنفسه مكانةً من خلال قوّته الثقافيّة والجامعيّة والدبلوماسيّة والاغترابيّة والحضاريّة.
في فكر موران بعدٌ آخر شديد الأهمّيّة هنا، وهو مفهوم المصير المشترك. فالإنسان المعاصر، رغم اختلاف هويّاته وثقافاته، بات يعيش ضمن ترابطٍ يجعل مصائر الشعوب والتعدُّديات متداخلة بصورة غير مسبوقة. والأزمات البيئيّة والحروب والهجرة والتكنولوجيا والاقتصاد تكشف أنّ الانغلاق داخل الهويّات لم يعد قادرًا على توفير الأمان. وإذا كان هذا صحيحًا على المستوى الإنسانيّ، فهو أكثر وضوحًا في لبنان. لا يمكن لأيّ جماعة لبنانيّة أن تنجو وحدها من انهيار الدّولة، ولا تستطيع طائفة أن تبني اقتصادها المنفصل، أو أمنها المستدام، أو علاقاتها الخارجيّة الخاصّة، ثمّ تتوقّع استمرار وطنٍ قابل للحياة.
إنّ مصير اللبنانيّين/ات، مهما اختلفت سرديّاتهم، مترابط. انهيار الليرة لم يسأل عن الطائفة، وانفجار المرفأ لم يميّز بين الهويّات، والهجرة تستنزف الجميع، وتعطّل المؤسّسات يصيب الجميع، والحرب عندما تقع لا تبقى داخل الحدود التي يرسمها لها أصحابها. ومن هنا يصبح إدراك المصير المشترك أساسًا لوعيٍ سياسيّ جديد. إمّا أن ينجو اللبنانيّون بالدّولة معًا، أو يستنزفوا خارجها معًا. لكنّ السَّلام الحضاريّ يحتاج أيضًا إلى مصالحةٍ مع الذاكرة. لقد خرج لبنان من حربه من دون أن ينتج سرديّةً وطنيّةً مشتركة حولها، وبقيت الذّاكرات موزّعةً بين الجماعات، يحمل كلّ منها جراحه وشهداءه ومخاوفه وروايته. لا يعني بناء ذاكرة مشتركة فرض روايةٍ واحدة أو محو الاختلاف حول الماضي، بل الاعتراف بأنّ الألم لا يملك هويّةً واحدة، وأنّ الاعتراف بذاكرة الآخر لا ينتقص من ذاكرتي. هنا أيضًا يساعدنا الفكر المركّب، الحقيقة التاريخيّة لا تُبنى بالاختزال، بل بالقدرة على جمع زوايا متعدّدة داخل فهمٍ أوسع يمنع الذاكرة من التحوّل إلى قدر. لذلك فإنّ الانتقال من الصّراع إلى السَّلام الحضاريّ يحتاج إلى تحوّلٍ متكامل في مفهوم الدّولة والمواطنة والتربية والذاكرة والسياسة الخارجيّة. يحتاج لبنان إلى دولةٍ تستعيد قرارها السياديّ، وإلى مواطنةٍ متساوية تتجاوز ثنائيّة الأقليّات والأكثريّات، وإلى تربيةٍ تعلّم الأجيال كيف تفكّر في الاختلاف بدل أن تخاف منه، وإلى إصلاحٍ سياسيّ يحرّر المؤسّسات تدريجيًّا من المحاصصة، وإلى عدالةٍ مستقلة تعيد بناء الثقة بالقانون، وإلى سياسةٍ خارجيّة تعيد تثبيت لبنان في موقعه العربيّ والدوليّ بعيدًا من منطق المحاور، وإلى حوارٍ إسلاميّ–مسيحيّ ينتقل من الاحتفال بالتعايش إلى إنتاج رؤيةٍ مشتركة للإنسان والدّولة والمواطنة.
السلام الحضاريّ لا يولد من النوايا الطيّبة، بل يحتاج إلى هندسة دولة. ولا يمكن بناء ثقافة سلامٍ مستدامة فوق تعدّد السلاح والقرار والسّيادة. كما لا يمكن مطالبة المواطن/ة بالتخلّي عن خوفه فيما الدّولة عاجزة عن حمايته، ولا مطالبة الجماعات بالانفتاح فيما النظام يعيد إنتاج هواجسها في كلّ استحقاق. لذلك يبقى بناء الدولة شرطًا سابقًا لتحرير المجتمع من الخوف، كما تبقى المواطنة الطريق الأكثر ثباتًا لحماية التعدّديّة نفسها. في هذا المعنى، لا يدعونا موران إلى إزالة التعقيد اللبنانيّ، بل إلى التفكير فيه بصورة مركّبة. لبنان لن يصبح مجتمعًا أحاديًّا، ولا ينبغي له أن يصبح كذلك. التحدّي هو بناء وحدةٍ لا تسحق التعدّد، وتعدّدٍ لا يفكّك الوحدة؛ دولةٍ قويّة لا تتحوّل إلى سلطةٍ قاهرة، وجماعاتٍ حرّة لا تتحوّل إلى دولٍ داخل الدّولة؛ انتماءٍ عربيّ لا يحوّل لبنان إلى ساحة، وانفتاحٍ دوليّ لا يقتلع لبنان من محيطه؛ وذاكرةٍ تعترف بالماضي من دون أن تسجن المستقبل داخله.
بعد أكثر من نصف قرنٍ من الصّراعات المتداخلة، تبدو الفرصة التاريخيّة أمام لبنان في إعادة تعريف وظيفته. المطلوب ليس العودة إلى ما قبل الحرب، لأنّ التاريخ لا يعود إلى الوراء، ولا ترميم صيغةٍ أنتجت اختلالاتها مرارًا، بل الانتقال إلى مستوى آخر من الاجتماع السياسيّ تكون فيه الدّولة إطارًا جامعًا، والمواطنة قاعدةً، والتعدّديّة قيمةً، والحياد الإيجابيّ وظيفةً، والحوار رسالةً، والسلام خيارًا استراتيجيًّا. لقد دفع لبنان ثمنًا باهظًا عندما جعلته الجغرافيا وتناقضاته الداخليّة جزءًا من صراعات المنطقة والعالم. قد يكون زمنه المقبل مرتبطًا بقدرته على قلب المعادلة. أن يستخدم موقعه وتعدّديّته لا لاستقبال الصّراعات، بل لإنتاج السلام؛ وألّا يبقى المكان الذي يلتقي فيه الآخرون لكي يتواجهوا، بل يصبح المكان الذي يستطيعون أن يلتقوا فيه لكي يتحاوروا.
هنا تكمن إمكانيّة الانتقال الحقيقيّ، من لبنان الساحة إلى لبنان المساحة، ومن إدارة التعايش إلى صناعة العيش معًا، ومن السّلم الأهليّ إلى السلام الحضاريّ. ذلك هو التحوّل الذي يمكن أن يعيد إلى لبنان معنى وجوده ودوره في آنٍ واحد. بعد خمسين عامًا من اختبار الحرب بأشكالها المختلفة، لم يعد التحدّي أن نتعلّم كيف ننجو من الصّراع، بل أن نمتلك الجرأة على بناء شروط عدم تكراره. وعندها فقط يصبح التنوّع اللبنانيّ أكثر من حقيقةٍ اجتماعيّة، ويصبح الحوار أكثر من خطاب، ويصبح الحياد أكثر من موقفٍ جيو-سياسيّ، وتصبح الدّولة أكثر من مؤسّسات. عندها يصبح لبنان، في المعنى المورانيّ العميق، قادرًا على تحويل تعقيده من لعنة الصّراع إلى إمكان الحضارة.
