
زياد الصَّائغ
٢٩ تشرين الاول ٢٠٢٦
الشّرق الأوسط في مقتضياتِ اللَّاصِراع!
يدخل الشّرق الأوسط مرحلةً مفصليّةً في تاريخه السّياسيّ والحضاريّ، تتجاوز تداعياتها إعادة توزيع موازين القوّة لتطال فلسفة الانتظام الإقليميّ، ووظيفة الدّولة، ومعنى الأمن، ومستقبل العلاقة بين المجتمعات المتعدّدة في انتماءاتها وهويّاتها ومصالحها. فالحرب بين الولايات المتّحدة الأميركيّة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهةٍ أخرى، تطرح في مرحلة ما بعد المواجهة سؤالًا استراتيجيًّا يتجاوز تحديد المنتصر والمهزوم. هل يستطيع الشّرق الأوسط الانتقال من إدارة الصّراعات المستدامة إلى بناء مقتضيات اللّاصراع، أم أنّ التّحوّلات العسكريّة ستعيد إنتاج التّناقضات ذاتها بأدواتٍ وتحالفاتٍ مختلفة؟ تنبع أهمّيّة هذا السّؤال من أنّ الحروب، مهما بلغت قدرتها على تعديل الوقائع، تبقى عاجزةً بذاتها عن إنتاج انتظامٍ سياسيٍّ مستدام. فالتّفوّق العسكريّ قد يفرض توازناتٍ جديدة، لكنّه لا يصنع تلقائيًّا شرعيّةً سياسيّة، ولا يؤسّس لعدالةٍ اجتماعيّة، ولا يعالج الانقسامات الثّقافيّة والدّينيّة التي راكمتها عقودٌ من المواجهات. إنّ السّلام الذي يتأسّس على اختلال القوّة وحده يحمل في بنيته احتمالات انهياره، فيما يحتاج الاستقرار الحقيقيّ إلى منظومةٍ متكاملةٍ من السّياسات العامّة التي تجعل التّعاون أكثر جدوى من الصّراع، والانتظام المؤسّسيّ أكثر فاعليّةً من الغلبة. في هذا السّياق، تبرز الحاجة إلى بلورة مفهوم «اللّاصراع» بوصفه خيارًا استراتيجيًّا يتجاوز وقف الأعمال العدائيّة نحو معالجة الشّروط البنيويّة التي تجعل العنف قابلًا للتّجدّد. ويتقاطع هذا المفهوم مع التّمييز الذي قدّمه يوهان غالتونغ بين السّلام السّلبيّ القائم على غياب العنف المباشر، والسّلام الإيجابيّ المرتبط بإزالة أسباب العنف البنيويّ. غير أنّ اللّاصراع، في مقاربتنا، يضيف بُعدًا سياساتيًّا يتعلّق بإعادة هندسة العلاقات بين الدّول والمجتمعات، بحيث تصبح الوقاية من الصّراعات وظيفةً دائمةً للمؤسّسات، لا استجابةً ظرفيّةً لانفجار الأزمات. وتقوم الفرضيّة المركزيّة لهذه الورقة على أنّ خروج الشّرق الأوسط من دائرة الصّراع المستدام يتطلّب تضافر أربعة مستوياتٍ مترابطة: السّياسيّ، والثّقافيّ، والاقتصاديّ-الاجتماعيّ، والدّينيّ، ضمن إطارٍ مؤسّسيٍّ يحمي السّيادات الوطنيّة ويعزّز الأمن الجماعيّ. وفي قلب هذه المقاربة، تبرز الصّيغة اللّبنانيّة الميثاقيّة، بما تختزنه من حرّيّةٍ وتعدّديّةٍ ومواطنةٍ حاضنةٍ للتّنوّع، بوصفها إمكانيّةً لتقديم نموذجٍ رساليٍّ يجعل الحوار والسّلام خيارَين مستدامَين، شرط تحريرها من تشوّهات المحاصصة وازدواجيّة الشّرعيّات.
اللّاصراع والانتظام
إرتكزت العلاقات الإقليميّة في الشّرق الأوسط، طوال عقود، على معادلات الرّدع والتّوازن والاحتواء، حيث جرى تعريف الأمن انطلاقًا من القدرة على مواجهة التّهديدات، لا من القدرة على إزالة مسبّباتها. وقد أدّى هذا المنطق إلى نشوء منظوماتٍ متنافسةٍ من التّحالفات العسكريّة والسّياسيّة، وإلى تحويل بعض الدّول إلى ساحاتٍ لتصفية الحسابات، فيما تراجعت أولويّات التّنمية والحوكمة والعدالة الاجتماعيّة أمام مقتضيات التّعبئة المستدامة. إنّ مرحلة ما بعد الحرب مع إيران تستدعي مراجعةً لهذه الفلسفة. فإعادة تشكيل التّوازنات الإقليميّة لا يمكن أن تستقرّ على قاعدة إقصاء دولةٍ بحجم إيران الجغرافيّ والسّكّانيّ والحضاريّ، كما لا يمكن أن تستقيم مع استمرار سياسات التّدخّل في الشّؤون الدّاخليّة للدّول، أو دعم التّنظيمات المسلّحة الخارجة عن سلطاتها الشّرعيّة. المطلوب إدماج إيران في منظومةٍ إقليميّةٍ قائمةٍ على قواعد واضحةٍ وملزمة، تحترم السّيادة الوطنيّة، وتمنع تصدير الصّراعات، وتخضع الملفّات الأمنيّة والعسكريّة والنّوويّة لآليّاتٍ قابلةٍ للتّحقّق.في المقابل، فإنّ التّفوّق العسكريّ الإسرائيليّ لا يمكن أن يتحوّل إلى أساسٍ مشروعٍ لاستقرار المنطقة ما لم يقترن باحترام القانون الدّوليّ وحقوق الشّعوب، وفي مقدّمها الحقوق الوطنيّة للشّعب الفلسطينيّ. كما أنّ الولايات المتّحدة الأميركيّة مدعوّةٌ إلى الانتقال من إدارة التّوازنات العسكريّة إلى رعاية مساراتٍ سياسيّةٍ متعدّدة الأطراف، تضمن مشاركة الدّول الإقليميّة في صياغة مستقبلها. يبرز هنا الدّور المحوريّ للدّول العربيّة، ولا سيّما المملكة العربيّة السّعوديّة ودول مجلس التّعاون الخليجيّ مع مصر والأردن، في تطوير رؤيةٍ متكاملةٍ للأمن القوميّ العربيّ، تجمع بين القدرة الرّدعيّة المشروعة والدّبلوماسيّة الوقائيّة والتّكامل الاقتصاديّ. فاللّاصراع لا يعني إلغاء القوّة، بل إخضاع استخدامها للقانون، وجعلها ضمانةً لحماية السّلام بدلًا من تحويلها إلى وسيلةٍ لإدامة الحروب.
إستعادة الشّرعيّات
تبدأ مقتضيات اللّاصراع من إعادة الاعتبار إلى الدّولة الوطنيّة باعتبارها المرجعيّة الشّرعيّة لإدارة المصالح العامّة، وصناعة القرار السّياديّ، وحماية الحقوق. فالتّجارب التي شهدتها المنطقة أظهرت أنّ تعدّد مراكز القوّة داخل الدّولة، وتداخل السّلاح غير الشّرعيّ مع القرار السّياسيّ، وتحويل الانتماءات العابرة للحدود إلى مرجعيّاتٍ بديلة، تشكّل عوامل بنيويّةً لاستدامة الصّراعات. عليه، فإنّ الإصلاح السّياسيّ المطلوب لا يقتصر على إعادة ترتيب التّحالفات، بل يستلزم بناء مؤسّساتٍ دستوريّةٍ فاعلة، وتعزيز استقلال القضاء، وضمان تداول السّلطة، وتكريس المساءلة، وحماية الحرّيّات العامّة. فالدّولة التي تعجز عن إنتاج شرعيّتها داخليًّا تصبح أكثر عرضةً للتّدخّلات الخارجيّة، فيما تتيح الشّرعيّة المؤسّسيّة تحويل السّيادة من شعارٍ سياسيٍّ إلى قدرةٍ فعليّةٍ على اتّخاذ القرار وتنفيذه. على المستوى الإقليميّ، تبرز الحاجة إلى إطارٍ منظّمٍ للحوار السّياسيّ والأمنيّ، يضمّ الدّول العربيّة المعنيّة وتركيا (أيران متروكة لما بعد انتِظامِها الدّولتّي)، مع مساراتٍ موازيةٍ لمعالجة النّزاعات المرتبطة بإسرائيل. وينبغي أن يستند هذا الإطار إلى مبادئ عدم التّدخّل، واحترام الحدود المعترف بها دوليًّا، وتسوية النّزاعات بالوسائل السّلميّة، والامتناع عن استخدام الأراضي الوطنيّة منصّاتٍ لتهديد الآخرين. تبقى القضيّة الفلسطينيّة الاختبار المركزيّ لمصداقيّة أيّ مشروعٍ إقليميٍّ للسّلام. فحلّ الدّولتَين، المستند إلى قرارات الشّرعيّة الدّوليّة، وقيام دولةٍ فلسطينيّةٍ مستقلّةٍ وقابلةٍ للحياة، يشكّلان مدخلًا أساسيًّا لمعالجة أحد أعمق مصادر عدم الاستقرار. كما يقتضي ذلك إنهاء الاحتلال وفق القانون الدّوليّ، وحماية المدنيّين، وضمان الأمن المشروع للجميع. نّ الانتقال من إدارة الغلبة إلى إنتاج الشّرعيّة يفرض تحويل التّفاهمات السّياسيّة إلى التزاماتٍ قابلةٍ للتّنفيذ، ضمن جداول زمنيّةٍ واضحة، وآليّات متابعةٍ ومساءلة، بما يمنع اختزال السّلام بتسوياتٍ ظرفيّةٍ قابلةٍ للانهيار.
تفكيك الذّاكرة الصّراعيّة
تشكّل الثّقافة أحد أكثر مستويات الصّراع تعقيدًا، لأنّ الحروب لا تترك آثارها في الجغرافيا والمؤسّسات فحسب، بل تعيد تشكيل الوعي الجماعيّ، وتنتج سرديّاتٍ متناقضةً حول الهويّة والضّحيّة والعدوّ. وقد أسهمت التّنشئة القائمة على الخوف المتبادل في تحويل الاختلاف إلى تهديدٍ وجوديّ، فيما جرى توظيف الذّاكرة التّاريخيّة لتبرير الاستقطاب وإدامة العداء. إنّ بناء مقتضيات اللّاصراع يتطلّب سياساتٍ ثقافيّةً وتربويّةً تستهدف تحرير المجتمعات من أسر هذه السّرديّات، من دون إلغاء الذّاكرة أو التّنازل عن الحقيقة والعدالة. فالمصالحة الحقيقيّة لا تقوم على النّسيان القسريّ، بل على الاعتراف المتبادل بالمعاناة، وتوثيق الانتهاكات، وتطوير قدرة المجتمعات على التّمييز بين المسؤوليّة التّاريخيّة والتّعميم العدائيّ. تبرز هنا أولويّة مراجعة المناهج التّعليميّة، وإدماج مفاهيم المواطنة المتساوية وحقوق الإنسان والتّفكير النّقديّ والتّعدّديّة الثّقافيّة، إلى جانب تطوير برامج للتّبادل الأكاديميّ والشّبابيّ، وإنشاء شبكاتٍ بحثيّةٍ إقليميّةٍ تعالج تاريخ الصّراعات ومسبّباتها وآليّات الوقاية منها. كما تتحمّل المؤسّسات الإعلاميّة مسؤوليّةً محوريّةً في مواجهة خطاب الكراهية والتّضليل، وتعزيز إعلامٍ مهنيٍّ يحترم الاختلاف، ويمنع تحويل الانتماءات القوميّة والدّينيّة إلى أدواتٍ للتّحريض. ويقتضي ذلك حماية حرّيّة التّعبير، بالتّوازي مع تطوير معايير مهنيّةٍ للمساءلة ومحو الأمّيّة الإعلاميّة والرّقميّة. الثّقافة التي تتعلّم إدارة الاختلاف بالحوار تصبح أقلّ قابليّةً للاستثمار في مشاريع العنف، وتتحوّل من حاضنةٍ محتملةٍ للصّراع إلى ركيزةٍ وقائيّةٍ للأمن المجتمعيّ والإقليميّ.
إقتصاد الحرب/ السّلام
تكشف التّجارب الإقليميّة أنّ هشاشة الاقتصادات الوطنيّة، واتّساع الفجوات الاجتماعيّة، وتراجع الخدمات العامّة، تشكّل عوامل تزيد قابليّة المجتمعات للاستقطاب. فحين تفقد الدّولة قدرتها على توفير فرص العمل والحماية الاجتماعيّة، تتوسّع المساحات التي تستثمر فيها الشّبكات الزّبائنيّة والتّنظيمات المسلّحة لتقديم بدائل عن المؤسّسات الشّرعيّة. غير أنّ معالجة هذه الاختلالات تتطلّب تجاوز المقاربات الإغاثيّة نحو سياساتٍ تنمويّةٍ تعيد بناء العلاقة بين الاقتصاد والعدالة والاستقرار. فالنّموّ الاقتصاديّ، عندما ينفصل عن عدالة التّوزيع والمشاركة والمساءلة، قد يعيد إنتاج التّفاوتات التي تغذّي التّوتّرات الاجتماعيّة. من هنا، تبرز الحاجة إلى برنامجٍ إقليميٍّ للتّعافي والتّكامل الاقتصاديّ، يركّز على إعادة الإعمار، وتطوير البنى التّحتيّة، وربط شبكات الطّاقة والنّقل والتّجارة، وتعزيز الأمن الغذائيّ والمائيّ، والاستثمار في التّعليم والبحث العلميّ والتّحوّل الرّقميّ. كما ينبغي إعطاء أولويّةٍ للمجتمعات المتضرّرة من الحروب، ولا سيّما في فلسطين ولبنان وسوريا واليمن والعراق. تستدعي هذه المقاربة دورًا متقدّمًا للمؤسّسات الماليّة العربيّة والدّوليّة، ضمن شراكاتٍ تخضع لمعايير الشّفافيّة والحوكمة والمحاسبة، وتمنع تحويل إعادة الإعمار إلى وسيلةٍ لإعادة إنتاج الفساد والاحتكارات. كما ينبغي تمكين الشّباب والنّساء، وتعزيز المؤسّسات الصّغيرة والمتوسّطة، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعيّة. إنّ الانتقال إلى اقتصاد السّلام يعني جعل الاستقرار مصلحةً يوميّةً ملموسة، بحيث تصبح فرص العمل والخدمات والتّجارة والتّنمية المشتركة أكثر قدرةً على تحسين حياة المواطنين من اقتصاد الحرب. وعندها تتحوّل المصالح الاقتصاديّة المتبادلة إلى حوافز للوقاية من النّزاعات، من دون أن تتحوّل إلى أدواتٍ للتّبعيّة أو الإخضاع.
التّعبئة والأخوّة الإنسانيّة
يحتلّ الدّين موقعًا تأسيسيًّا في التّاريخ الحضاريّ للشّرق الأوسط، حيث تتداخل الانتماءات الرّوحيّة مع الهويّات الوطنيّة والثّقافيّة. وقد شكّل هذا الحضور مصدرًا للقيم الأخلاقيّة والتّضامن الإنسانيّ، لكنّه تعرّض في مراحل مختلفةٍ للتّوظيف السّياسيّ، فتحوّلت بعض الخطابات الدّينيّة إلى أدواتٍ لتبرير الإقصاء أو إضفاء المشروعيّة على صراعات النّفوذ.إنّ مقتضيات اللّاصراع تستدعي تحرير الدّين من الاستخدامات السّلطويّة، وإعادة الاعتبار إلى رسالته القائمة على كرامة الإنسان وحرّيّة الضّمير والعدالة والرّحمة. وهذه المقاربة لا تعني إقصاء الدّين عن المجال العامّ، بل منع تحويله إلى سلطةٍ قسريّةٍ فوق الدّولة والقانون، مع ضمان حرّيّة المعتقد والممارسة الدّينيّة والمساواة في الحقوق. يشكّل الحوار الإسلاميّ-المسيحيّ-اليهودي-اللّاديني، والحوار بين المذاهب والتّقاليد الدّينيّة المختلفة، ركيزةً أساسيّةً لبناء الثّقة. غير أنّ فعاليّته تستلزم انتقاله من المناسبات البروتوكوليّة إلى برامج مشتركةٍ في التّربية والمواطنة والخدمة الاجتماعيّة ومواجهة خطاب الكراهية. لقد قدّمت وثيقة الأخوّة الإنسانيّة، الموقّعة في أبوظبي عام 2019 بين البابا فرنسيس والإمام الأكبر أحمد الطّيّب، مرجعيّةً أخلاقيّةً مهمّةً في هذا الاتّجاه، بما أكّدته من قيم الأخوّة والحرّيّة والمواطنة المتساوية ورفض توظيف الدّين لتبرير العنف. يقتضي البناء على هذه المرجعيّة تطوير شراكاتٍ بين المؤسّسات الدّينيّة والجامعات والمجتمع المدنيّ، بما يجعل الحوار ممارسةً اجتماعيّةً مستدامة. فالتّحدّي لا يكمن في إلغاء الخصوصيّات الدّينيّة، بل في منع تحويلها إلى حدودٍ سياسيّةٍ مغلقة، وترسيخ المواطنة بوصفها الإطار الجامع للحقوق والواجبات.
الصّيغة اللّبنانيّة والنّموذج الرّساليّ
تكتسب التّجربة اللّبنانيّة أهمّيّةً خاصّةً في مقاربة مقتضيات اللّاصراع، لأنّها تختزن سؤالًا حضاريًّا يواجه المنطقة بأسرها: كيف يمكن تحويل التّنوّع الدّينيّ والثّقافيّ إلى مصدرٍ للوحدة الوطنيّة، بدلًا من أن يصبح مدخلًا للصّراع؟ لقد قامت الصّيغة اللّبنانيّة، في جوهرها الميثاقيّ، على الاعتراف المتبادل والحرّيّة والتّعدّديّة والعيش المشترك. غير أنّ هذه الصّيغة تعرّضت لاختلالاتٍ بنيويّةٍ عندما تحوّلت الميثاقيّة إلى محاصصةٍ، وتراجعت المواطنة أمام الولاءات الفئويّة، وفُرضت على الدّولة ازدواجيّاتٌ في القرار والسّلاح والشّرعيّة. من هنا، فإنّ استعادة الوظيفة الرّساليّة للبنان تستلزم تحرير الميثاقيّة من استخدامها السّلطويّ، وتحويلها إلى فلسفةٍ دستوريّةٍ للاعتراف المتبادل والمساواة. ويقتضي ذلك تطبيق الدّستور واتّفاق الطّائف، وتعزيز استقلال القضاء، واستكمال الإصلاحات المرتبطة بإلغاء الطّائفيّة السّياسيّة وفق المسار الدّستوريّ، وإنشاء مجلس الشّيوخ، وتوسيع اللّامركزيّة الإداريّة، وترسيخ المواطنة المتساوية. كما يتطلّب تكريس حصريّة السّلاح والقوّة المشروعة بمؤسّسات الدّولة، واستعادة وحدة القرار في السّلم والحرب والسّياسة الخارجيّة، واعتماد الحياد الإيجابيّ خيارًا استراتيجيًّا يحمي لبنان من صراعات المحاور، مع الحفاظ على التزاماته العربيّة والدّوليّة والقضايا العادلة. عندما تتوافر هذه الشّروط، يستطيع لبنان تقديم خبرةٍ نوعيّةٍ في إدارة التّنوّع، لا بوصفها نموذجًا جاهزًا للاستنساخ، بل باعتبارها دليلًا على إمكانيّة بناء وحدةٍ وطنيّةٍ تحترم الاختلاف. ويمكن لجامعاته ومؤسّساته الثّقافيّة والدّينيّة والمدنيّة، وعلاقاته الاغترابيّة الواسعة، أن تتحوّل إلى منصّاتٍ للحوار وصناعة السّياسات العامّة والتّربية على السّلام. إنّ الرّسالة اللّبنانيّة لا تستمدّ قيمتها من خصوصيّةٍ تاريخيّةٍ يُحتفى بها، بل من قدرتها على إثبات أنّ الحرّيّة والتّعدّديّة والمواطنة تستطيع أن تتكامل ضمن دولةٍ دستوريّةٍ واحدة. فلبنان الذي ينجح في تحويل ميثاقه إلى عقدٍ وطنيٍّ بين مواطنين أحرارٍ ومتساوين، يستطيع أن يقدّم للشّرق الأوسط مساهمةً حضاريّةً في بناء ثقافة اللّاصراع.
القيادة التّحويليّة وأخلاقيّاتها
يبقى نجاح مشروع اللّاصراع مرتبطًا بطبيعة القيادات التي ستتولّى إدارة المرحلة المقبلة. فالانتقال من نظامٍ إقليميٍّ تحكمه هواجس الهيمنة والخوف إلى نظامٍ يستند إلى المصالح المتبادلة يتطلّب قياداتٍ تمتلك شجاعة المراجعة، وقدرة التّفاوض، وحسّ المسؤوليّة التّاريخيّة، والاستعداد لتقديم المصلحة العامّة على الحسابات السّلطويّة الضّيّقة. إنّ القيادة التّحويليّة المطلوبة لا تُقاس بقدرتها على إعلان الانتصارات أو استثمار الهزائم، بل بمدى نجاحها في تحويل موازين القوّة إلى ضماناتٍ للاستقرار، وتحويل التّسويات إلى مؤسّسات، وتحويل التّنوّع إلى مصدرٍ للغنى الإنسانيّ. وهي قيادةٌ تدرك أنّ السّيادة الوطنيّة لا تتعارض مع التّعاون الإقليميّ، وأنّ حماية الأمن القوميّ لا تنفصل عن حماية الكرامة الإنسانيّة، وأنّ الشّرعيّة السّياسيّة تستمدّ استدامتها من ثقة المواطنين/ات وفاعليّة المؤسّسات، لا من القدرة على فرض الوقائع بالقوّة. يستدعي ذلك تحرير القرار السّياسيّ من أسر الذّاكرات الانتقاميّة، ومن توظيف المخاوف الجماعيّة في صناعة الشّرعيّات، ومن الاعتقاد بأنّ أمن دولةٍ ما لا يتحقّق إلّا بإضعاف الدّول الأخرى. فالأمن المستدام يقوم على توازنٍ دقيقٍ بين المصالح الوطنيّة المشروعة والمسؤوليّات الإقليميّة المشتركة، وعلى الاعتراف بأنّ الاستقرار الذي يُفرض بالإكراه، من دون عدالةٍ وضماناتٍ ومشاركة، يبقى معرّضًا للانهيار عند أوّل اختلالٍ في موازين القوّة. تكتسب هذه المسؤوليّة أهمّيّةً مضاعفةً في المجتمعات التي اختبرت الحروب الأهليّة والصّراعات المذهبيّة والتّدخّلات الخارجيّة. فالمصالحة الوطنيّة والإقليميّة تحتاج إلى قياداتٍ قادرةٍ على الاعتراف بالأخطاء، وإعادة الاعتبار إلى الضّحايا، وتفكيك منظومات الإفلات من العقاب، من دون تحويل العدالة إلى وسيلةٍ للانتقام أو المصالحة إلى ذريعةٍ لتعطيل المحاسبة. إنّ الشّرق الأوسط يحتاج إلى انتقالٍ عميقٍ في فلسفة القيادة، من إدارة الخوف إلى إنتاج الثّقة، ومن احتكار الحقيقة إلى تنظيم الاختلاف، ومن استثمار الانقسامات إلى بناء المصالح المشتركة. وتلك مسؤوليّةٌ تتجاوز الحكّام لتشمل النّخب الفكريّة والأكاديميّة والاقتصاديّة والدّينيّة والإعلاميّة، بوصفها شريكةً في إعادة تشكيل الوعي العامّ وصناعة الخيارات المستقبليّة.
اللّاصراع كعقدٍ حضاريٍّ
تفضي هذه المقاربة إلى ضرورة التّمييز بين انتهاء الحرب وانتهاء قابليّة المجتمعات والدّول لإعادة إنتاجها. فالحرب قد تنتهي باتّفاقٍ أو بتغييرٍ في موازين القوى، لكنّ الصّراع يستمرّ ما دامت أسبابه البنيويّة قائمة، وما دامت الهويّات تُستعمل أدواتٍ للتّعبئة، والاقتصادات تُدار بمنطق الرّيع والاحتكار، والمؤسّسات تُختزل بمصالح السّلطات، والحقوق تُخضع لاعتبارات القوّة. من هنا، فإنّ مقتضيات اللّاصراع تستدعي بلورة عقدٍ حضاريٍّ إقليميٍّ يقوم على خمسة التزاماتٍ متكاملة: احترام سيادة الدّول ووحدة قرارها الشّرعيّ، وحماية حقوق الإنسان وكرامته، وإدارة التّعدّديّة ضمن المواطنة المتساوية، وتحقيق تنميةٍ اقتصاديّةٍ واجتماعيّةٍ عادلة، واعتماد الحوار والتّفاوض والقانون الدّوليّ وسائل حصريّةً لتسوية النّزاعات بين الدّول. لا يفترض هذا العقد إلغاء التّناقضات السّياسيّة أو المصالح المتنافسة، لأنّ الاختلاف سيبقى جزءًا من طبيعة العلاقات الإنسانيّة والدّوليّة. إنّما تتمثّل غايته في منع تحوّل هذه التّناقضات إلى حروب، وإرساء قواعدٍ تسمح بإدارتها من خلال المؤسّسات والضّمانات المتبادلة. هكذا يبرز التّحدّي الأكثر عمقًا: كيف يمكن بناء شرق أوسطٍ لا يحتاج فيه الإنسان إلى الاحتماء بطائفته من دولته، ولا تحتاج فيه الدّولة إلى تهديد جيرانها لتأكيد سيادتها، ولا تتحوّل فيه القضايا العادلة إلى أدواتٍ لمشاريع النّفوذ، ولا تصبح فيه الحرّيّة امتيازًا تمنحه السّلطة بدلًا من أن تكون حقًّا أصيلًا؟ إنّ الإجابة تكمن في استعادة الإنسان باعتباره الغاية النّهائيّة للسّياسات العامّة، وفي إعادة تعريف الأمن القوميّ بوصفه حمايةً متكاملةً للدّولة والمجتمع والحقوق والمستقبل. فالدّولة القويّة بمؤسّساتها، والعادلة في قوانينها، والفاعلة في سياساتها، تصبح أكثر قدرةً على بناء علاقاتٍ إقليميّةٍ مستقرّة، فيما يشكّل ضعفها البنيويّ مدخلًا دائمًا للتّدخّلات والصّراعات .في هذا الأفق، يستطيع لبنان، متى استعاد انتظامه الدّستوريّ ووحدة قراره السّياديّ، أن يقدّم مساهمةً حضاريّةً تتجاوز حدود التّجربة الوطنيّة. فالميثاقيّة المتحرّرة من المحاصصة، والحرّيّة المحميّة بالقانون، والتّعدّديّة المؤسّسة على المواطنة، والحوار المرتبط بالعدالة، تشكّل عناصر رسالةٍ يمكن أن تساعد المنطقة على اكتشاف إمكانيّة العيش المشترك خارج معادلات الغلبة والخضوع.
إلى السّياسات العامّة
تتحدّد جدّيّة مشروع اللّاصراع بقدرته على الانتقال من الإطار المفاهيميّ إلى منظومةٍ عمليّةٍ ذات أهدافٍ ومؤشّراتٍ ومسؤوليّاتٍ محدّدة. فالتّحوّلات الكبرى لا تُدار بالنّوايا وحدها، بل تحتاج إلى مؤسّساتٍ قادرةٍ على التّخطيط والتّنسيق والتّنفيذ والتّقييم. في هذا الإطار، يمكن اقتراح مسارٍ إقليميٍّ متدرّجٍ يقوم على ثلاث مراحل مترابطة. تتمثّل المرحلة الأولى في تثبيت وقف الأعمال العدائيّة، وتعزيز آليّات المراقبة والتّحقّق، ومعالجة الاحتياجات الإنسانيّة العاجلة، وفتح قنوات الاتّصال السّياسيّ والأمنيّ، ومنع انتقال تداعيات المواجهة إلى ساحاتٍ جديدة. وتشكّل حماية المدنيّين، وعودة النّازحين، وإعادة الخدمات الأساسيّة، أولويّاتٍ لا تحتمل إخضاعها للمساومات السّياسيّة. أمّا المرحلة الثّانية، فتتمحور حول إطلاق حواراتٍ إقليميّةٍ – دوليّة منظّمة، تتناول ترتيبات الأمن الجماعيّ، وضمان سيادة الدّول، وتسوية النّزاعات، والتّعاون الاقتصاديّ، ومكافحة التّطرّف العنيف، وتطوير المبادرات الثّقافيّة والدّينيّة المشتركة. ويقتضي نجاحها تحديد الجهات المسؤولة، وتأمين التّمويل، ووضع مؤشّراتٍ لقياس التّقدّم، مع مراعاة اختلاف الظّروف السّياسيّة بين الدّول. تستهدف المرحلة الثّالثة مأسسة التّعاون الإقليميّ عبر اتّفاقاتٍ وآليّاتٍ مستدامةٍ للوقاية من النّزاعات، وإدارة الأزمات، والتّكامل الاقتصاديّ والاجتماعيّ، وتبادل الخبرات في الحوكمة والإصلاح. ويمكن أن تتطوّر هذه الآليّات تدريجيًّا وفق مستوى الثّقة والالتزام، من دون افتراض إمكانيّة الانتقال الفوريّ إلى منظومةٍ إقليميّةٍ موحّدة. يقتضي نجاح المراحل الثّلاث اعتماد مقاربةٍ متعدّدة المستويات، تشارك فيها الحكومات والمؤسّسات الإقليميّة والجامعات والقطاع الخاصّ والمجتمع المدنيّ والمرجعيّات الدّينيّة، ضمن توزيعٍ واضحٍ للأدوار يمنع تداخل الصّلاحيّات ويعزّز المساءلة. كما يستدعي تطوير منظومةٍ لقياس أثر اللّاصراع، لا تكتفي برصد انخفاض المواجهات العسكريّة، بل تشمل تحسّن سيادة القانون، وتراجع النّزوح القسريّ، وارتفاع الثّقة بالمؤسّسات، وتوسّع التّعاون الاقتصاديّ، وتراجع خطاب الكراهية، وتعزيز المشاركة المدنيّة والسّياسيّة. هنا تتجلّى القيمة الحقيقيّة لمنهجيّة السّياسات العامّة: تحويل السّلام من غايةٍ أخلاقيّةٍ مجرّدة إلى مسارٍ مؤسّسيٍّ قابلٍ للقياس والتّصحيح والمساءلة.
إنسانيّة السّلام
يقف الشّرق الأوسط أمام فرصةٍ تاريخيّةٍ مشروطةٍ بإرادة دوله ومجتمعاته، وبقدرتها على استخلاص الدّروس من عقودٍ من الصّراعات التي استنزفت الإنسان والموارد والمؤسّسات. فمرحلة ما بعد الحرب الأميركيّة-الإسرائيليّة مع إيران، أيًّا تكن التّرتيبات النّهائيّة التي ستنتج عنها، لن تحمل السّلام تلقائيًّا. إنّها قد تفتح نافذةً لإعادة بناء النّظام الإقليميّ، كما قد تؤسّس لصراعاتٍ جديدةٍ إذا جرى اختزالها بمنطق المنتصر والمهزوم. الخيار التّاريخيّ المطلوب هو تحويل هذه النّافذة إلى مسارٍ متكاملٍ للسّياسات العامّة، تتضافر فيه الإرادة السّياسيّة مع التّحوّل الثّقافيّ، والعدالة الاقتصاديّة والاجتماعيّة مع المسؤوليّة الدّينيّة والأخلاقيّة، والضّمانات الأمنيّة مع احترام السّيادة وحقوق الإنسان. اللّاصراع ليس حالةً من السّكون، ولا دعوةً إلى التّخلّي عن الحقوق أو إضعاف القدرة المشروعة على الدّفاع عن الأوطان. إنّه اختيارٌ واعٍ لتنظيم القوّة ضمن القانون، وتوجيه المصالح نحو التّعاون، وتحرير الاختلاف من احتمالات العنف. وهو، بهذا المعنى، فعلٌ حضاريٌّ يتطلّب شجاعةً في السّياسة، واستقامةً في الحوكمة، وعدالةً في الاقتصاد، وانفتاحًا في الثّقافة، وصدقًا في الرّسالة الدّينيّة. لعلّ الدّرس الأعمق الذي يمكن أن يقدّمه لبنان، إذا نجح في تجاوز تناقضاته البنيويّة، يتمثّل في أنّ الوحدة لا تستوجب إلغاء التّنوّع، وأنّ الحرّيّة لا تناقض الانتظام الدّستوريّ، وأنّ المواطنة لا تستدعي محو الخصوصيّات، وأنّ السّلام لا يُبنى بإخضاع الآخر، بل بالاعتراف المتبادل ضمن قواعد العدالة والمساواة. إنّ الانتقال من الشّرق الأوسط بوصفه جغرافيّةً للصّراعات إلى الشّرق الأوسط بوصفه فضاءً للتّعاون الإنسانيّ يحتاج إلى مشروعٍ سياسيٍّ وثقافيٍّ واقتصاديٍّ وأخلاقيٍّ طويل النّفس، تتكامل فيه السّياسات الوطنيّة مع المسؤوليّات الإقليميّة والدّوليّة. مشروعٍ يجعل من الدّولة الشّرعيّة مرجعيّةً للسّيادة، ومن الإنسان محورًا للتّنمية، ومن الحوار وسيلةً لإدارة الاختلاف، ومن العدالة ضمانةً للسّلام. مقتضيات اللّاصراع لا تبدأ عندما تصمت المدافع، بل عندما تفقد الحرب قدرتها على أن تكون لغةً للسّياسة، وتفقد الكراهية قدرتها على أن تكون مصدرًا للهويّة، وتفقد الهيمنة قدرتها على أن تكون معيارًا للأمن. عندها فقط، يستطيع الشّرق الأوسط أن ينتقل من تاريخٍ أثقلته الحروب إلى مستقبلٍ تصنعه الدّول الحرّة، والمجتمعات المتصالحة، والمواطنة المتساوية، والكرامة الإنسانيّة. تلك هي الرّسالة التي يستطيع لبنان أن يحملها، لا بوصفه استثناءً معزولًا عن محيطه، بل بوصفه نموذجًا ممكنًا لشرق أوسطٍ يختار الحوار بدلًا من الإلغاء، والتّعدّديّة بدلًا من الانغلاق، والسّلام العادل بدلًا من الصّراع المستدام.
