
زياد الصَّائغ
٢٦ شباط ٢٠٢٦
النظامُ العالميُّ الجديدُ… أيُّ تشكُّلٍ؟
يدخلُ العالمُ مرحلةً دقيقةً من التحوّلِ الجيوسياسيِّ العميقِ، تتجاوزُ إعادةَ ترتيبِ موازينِ القوى إلى إعادةِ تعريفِ معنى النظامِ العالميِّ ذاتِه. فالنظامُ الذي تشكّلَ بعد الحربِ العالميةِ الثانيةِ على أسسِ تحالفٍ بين القيمِ والمصالحِ، يشهدُ اليومَ اهتزازًا بنيويًّا يطالُ مرجعياتِه السياسيةِ والمعياريةِ. السؤالُ لم يعدْ نظريًّا، بل أصبحَ سؤالًا مصيريًّا. أيُّ تشكُّلٍ سيحكمُ العقدَ المقبلَ من تاريخِ البشريةِ؟
بعد عامِ 1945، قام النظامُ الدوليُّ على ركائزَ أساسيةٍ تمثّلت في توازنِ القوى، وشرعيةِ المؤسساتِ الدوليةِ، وخطابِ القيمِ الكونيةِ. في قلبِ هذا البناءِ، برزتِ الولاياتُ المتحدةُ الأميركيةُ قوةً قائدةً للنظامِ الناشئِ. فقد أسهمت في صياغةِ معالمِه الاستراتيجيةِ والاقتصاديةِ والأمنيةِ، ورعت إنشاءَ مؤسساتٍ دوليةٍ شكّلت عمودَه الفقريَّ، كما قادت تحالفاتٍ عسكريةً واقتصاديةً حملت رايةَ الحريةِ والتنوعِ والديموقراطيةِ وحقوقِ الإنسانِ.
غير أنّ القيادةَ الأميركيةَ للنظامِ لم تكنْ منفصلةً عن مصالحِها القوميةِ. فقد امتزجَ الدفاعُ عن القيمِ بتثبيتِ النفوذِ العالميِّ، وتداخلَ البعدُ المعياريُّ مع حساباتِ القوةِ والاستقرارِ. دعمُ الديموقراطيةِ اقترنَ أحيانًا ببراغماتيةٍ سياسيةٍ أملتْ تحالفاتٍ مع أنظمةٍ سلطويةٍ خدمةً لمعادلاتٍ استراتيجيةٍ. هذا التناقضُ أضعفَ صدقيةَ الخطابِ القيميِّ، لكنه أبقى على إطارٍ دوليٍّ ناظمٍ احتكمتْ إليه القوى الكبرى في إدارةِ صراعاتِها.
اليومَ، يتبدّلُ المشهدُ بصورةٍ متسارعةٍ. صعودُ الصينِ كقوةٍ اقتصاديةٍ وتكنولوجيةٍ كبرى يطرحُ نموذجًا تنمويًّا مختلفًا عن النموذجِ الغربيِّ. روسيا تسعى إلى إعادةِ رسمِ مجالِها الجغرافيِّ والأمنيِّ. قوى إقليميةٌ تطمحُ إلى توسيعِ أدوارِها في بيئاتِها الحيويةِ. في هذا السياقِ، لم تعدِ الولاياتُ المتحدةُ اللاعبَ الأوحدَ في النظامِ الدوليِّ، لكنها ما زالتْ لاعبًا أساسيًّا يمتلكُ أدواتٍ عسكريةً واقتصاديةً وتكنولوجيةً وثقافيةً تجعلُ تأثيرَه حاسمًا في تحديدِ اتجاهاتِ المرحلةِ المقبلةِ.
التحوّلُ داخلَ الولاياتِ المتحدةِ ذاتِها يعكسُ جزءًا من ملامحِ النظامِ الجاري تشكّلُه. تصاعدُ النزعاتِ القوميةِ، وإعادةُ تعريفِ دورِ أميركا في العالمِ، وطرحُ أسئلةٍ حولَ حدودِ الالتزاماتِ الدوليةِ، جميعُها عناصرُ تؤثرُ في طبيعةِ التوازناتِ المقبلةِ. فإذا اختارت واشنطنُ الانكفاءَ النسبيَّ، فإن ذلكَ يفتحُ المجالَ أمامَ تعدديةٍ قطبيةٍ أكثرَ وضوحًا. وإذا أعادتْ صياغةَ قيادتِها ضمن شراكاتٍ متجددةٍ، فقد يتبلورُ نظامٌ تعدديٌّ منضبطٌ بقواعدَ مشتركةٍ.
النظامُ الذي يتكوّنُ لم تتضحْ ملامحُه بعدُ. يطرحُ المشهدُ احتمالاتِ تعدديةٍ قطبيةٍ، أو سيولةٍ معياريةٍ تتقدّمُ فيها المصالحُ الآنيةُ على القيمِ المشتركةِ. يبرزُ اتجاهٌ نحو فردانيةِ الخياراتِ السياديةِ، حيث تُقدَّمُ الأولوياتُ الوطنيةُ مرجعًا أعلى. تتراجعُ فكرةُ المسؤوليةِ الجماعيةِ لصالحِ منطقِ الصفقاتِ بين القوى الكبرى. هذا التحوّلُ يثيرُ قلقًا حقيقيًّا بشأنِ مستقبلِ القيمِ التي شكّلت جوهرَ النظامِ السابقِ.
في هذا الإطارِ، يتحددُ الدورُ الأميركيُّ بوصفِه عنصرَ توازنٍ محوريًّا. قدرةُ الولاياتِ المتحدةِ على الجمعِ بين الواقعيةِ السياسيةِ والمبدئيةِ الأخلاقيةِ ستؤثرُ مباشرةً في شكلِ النظامِ الجديدِ. فإذا جرى تجديدُ الالتزامِ بالقيمِ ضمن مقاربةٍ أكثرَ عدالةً وأقلَّ ازدواجيةً، فإن ذلكَ يعيدُ ترميمَ الثقةِ في الشرعيةِ الدوليةِ. أما إذا غلبتْ حساباتُ القوةِ المجردةِ، فإن العالمَ قد يتجهُ نحو تنافسٍ مفتوحٍ تتراجعُ فيه المرجعياتُ المشتركةُ.
تحملُ اللحظةُ الراهنةُ فرصةً لإعادةِ صياغةِ توازنٍ دوليٍّ أكثرَ عدالةً. القيمُ التي بُني عليها النظامُ بعد الحربِ العالميةِ الثانيةِ تحتاجُ إلى مراجعةٍ نقديةٍ تُنهي الازدواجيةَ في تطبيقِها، مع الحفاظِ على جوهرِها. الحريةُ قيمةٌ إنسانيةٌ عامةٌ. كذلكَ التنوعُ، والديموقراطيةُ، وحقوقُ الإنسانِ، يمكنُ إعادةُ تأصيلِها ضمن إطارٍ عالميٍّ أكثرَ شمولًا يعترفُ بتعددِ التجاربِ ويصونُ المعنى.
في هذا السياقِ، يبرزُ دورُ الأممِ المتحدةِ ركيزةً للنظامِ الدوليِّ. المنظمةُ تواجهُ تحدياتٍ بنيويةً تتعلقُ بتمثيلِ موازينِ القوى الجديدةِ، وبفعاليةِ آلياتِها التنفيذيةِ. إصلاحُ مجلسِ الأمنِ، وإعادةُ النظرِ في آليةِ حقِّ النقضِ، وتعزيزُ دورِ الجمعيةِ العامةِ، مساراتٌ مطروحةٌ بجديةٍ في النقاشِ الدوليِّ. نجاحُ أيِّ إصلاحٍ يرتبطُ إلى حدٍّ كبيرٍ بإرادةِ القوى الكبرى، وفي طليعتِها الولاياتُ المتحدةُ.
المواجهةُ الجاريةُ ليست صراعًا بسيطًا بين قديمٍ وجديدٍ، بل إعادةُ تشكيلٍ لعقدٍ دوليٍّ شاملٍ. النظامُ الذي نشأ بعد الحربِ العالميةِ الثانيةِ يمرُّ بمرحلةِ إعادةِ تعريفٍ، والنظامُ الذي يتبلورُ لم يكتملْ بعدُ. بين هذه التحوّلاتِ يتحددُ مستقبلُ التوازنِ العالميِّ. إما تعدديةٌ منضبطةٌ بقواعدَ عادلةٍ تشاركُ فيها الولاياتُ المتحدةُ شراكةً متجددةً مع قوى صاعدةٍ، وإما تنافسٌ مفتوحٌ تحكمُه موازينُ القوةِ وحدَها.
السؤالُ يبقى مفتوحًا. أيُّ تشكُّلٍ سينتصرُ؟ الإجابةُ تتوقفُ على كيفيةِ إدارةِ الولاياتِ المتحدةِ لدورها القياديِّ، وعلى قدرةِ بقيةِ القوى على بلورةِ توازنٍ يستوعبُ التحولاتِ ويؤسسُ لمرحلةٍ أكثرَ عدلًا واستقرارًا. هنا تتجلى مسؤوليةُ الجميعِ في تحويلِ لحظةِ الاضطرابِ إلى فرصةٍ لبناءِ نظامٍ عالميٍّ يحفظُ القيمَ ويصونُ المصالحَ ضمن معادلةٍ عادلةٍ للشعوبِ كافةً.
