
بقلم: الياس كساب
رئيس التحرير، باحث في الشؤون الاغترابية، واللبنانيّة، والعربيّة
١٥ نيسان ٢٠٢٦
قبل استئناف المفاوضات الأمريكيّة الإيرانية:
الولايات المتحدة تنزع الورقة الاقتصادية من إيران مع حصار مضيق هرمز، وورقة الأذرع مع بدء المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة في واشنطن
مع اقتراب استئناف المفاوضات الأمريكية الإيرانية، تبدو واشنطن وكأنها تعيد ترتيب أوراق الضغط الاستراتيجية، ليس فقط على طاولة التفاوض، بل في الميدانين الاقتصادي والجيوسياسي. فقبل الدخول في أي تسوية محتملة، تسعى الولايات المتحدة إلى تقليص هامش المناورة الإيراني إلى أدنى حد ممكن، عبر استهداف ركيزتين أساسيتين في نفوذ طهران: الاقتصاد، وشبكة الأذرع الإقليمية.
أولاً، على المستوى الاقتصادي، يشكّل مضيق هرمز شرياناً حيوياً ليس فقط لإيران، بل للاقتصاد العالمي بأسره. لكن في المعادلة الراهنة، بعد أن فرضت الولايات المتحدة “حصاراً على الحصار”، ومنعت دخول وخروج السفن من، وإلى الموانئ الإيرانية، تحاول واشنطن تحويل هذا الموقع الاستراتيجي من ورقة قوة بيد طهران، إلى نقطة ضعف عليها. فالتشديد على حرية الملاحة، وتعزيز الحضور العسكري، وبناء تحالفات بحرية، كلها خطوات تهدف إلى تحييد قدرة إيران على استخدام المضيق كورقة ابتزازٍ أو تهديد. بذلك، تُسحب من طهران إحدى أهم أدواتها في التأثير على أسواق الطاقة العالمية، ما ينعكس مباشرة على قدرتها التفاوضية.
ثانياً، تعمل الولايات المتحدة على تفكيك أو إضعاف ورقة “الأذرع” التي طالما استخدمتها إيران لفرض وقائع ميدانية خارج حدودها. وفي هذا السياق، تبرز المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة في واشنطن كتحولٍ نوعي. فهذه الخطوة لا تقتصر على ترسيم حدود أو معالجة نزاع تقني، بل تتجاوز ذلك لتلامس بنية النفوذ الإيراني في لبنان.
إن الموقف الشجاع لرئيس الجمهورية اللبنانية جوزف عون في استعمال صلاحياته الدستورية بموضوع الدعوة إلى مفاوضات مباشرة، وملاقاة الحكومة ورئيسها نواف سلام، وبقوة، لهذا الموقف، أعاد الاعتبار لمؤسسات الدولة اللبنانية، وأضعف منطق السلاح خارجها. كما أنه حدَّ من قدرة أي طرف غير رسمي على احتكار قراري الحرب والسلم، وهو ما شكل ضربة مباشرة لنفوذ إيران عبر حلفائها.
إنّ مشهدية الاجتماع الثلاثي الأمريكي اللبناني الإسرائيلي برئاسة روبيو شكّلت صدمةً لإيران، والتي أخذت معها إلى إسلام أباد في وفدها الفضفاض ممثلاً عن حزب الله، لاعتقادها أنها ما زالت تملك قراري الحرب والسلم في لبنان، فأتى هذا اللقاء ليسحب من طاولة المفاوضات الأمريكية الإيرانيّة “درّة التاج” في أذرعها، أي حزب الله، اللاعب المباشر على الحدود الإسرائيلية اللبنانية، في خط الدفاع الأول عن طهران، وبدماء اللبنانيين، وعلى حساب استقرار لبنان الذي يرزح تحت الهيمنة الإيرانية منذ الثمانينات، فكل تقدم في هذا المسار يعني تقليص دور “الوسيط المسلح” لصالح الدولة، وبالتالي تقليص الحاجة إلى “الأذرع” كأداة ضغط.
اللافت في هذا التوازي بين المسارين، الاقتصادي والإقليمي، هو أنه يعكس استراتيجية أمريكية متكاملة: خنق مصادر القوة الإيرانية قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض. فبدلاً من الاكتفاء بالعقوبات التقليدية، يجري العمل على إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بإيران، بحيث تدخل المفاوضات من موقع أضعف، وبخيارات محدودة.
وإذا كانت الإدارة الأمريكيّة قد استفادت من فتح “المحادثات” بين لبنان وإسرائيل، لإضعاف المفاوض الإيراني، فإنّ شجاعة القرار اللبناني الرسمي الذي تصاعد منذ خطاب القسم، مروراً بالبيان الوزاري، وبقرارات الحكومة باستعادة قراري الحرب والسلم، واعتبار سلاح حزب الله غير شرعي، وتنظيماته الأمنية خارجة عن القانون، يأتي خيار لبنان بالتفاوض تثبيتاً لقرار السلم بيد الدولة، وسوف يؤدي إلى استعادة قرار الحرب الذي خطفه مجدّداً حزب الله بصواريخه الستة انتقاماً لاغتيال علي الخامنئي، فأوقع نفسه بمقتلة، وبيئته بتهلكة، واستجلب الحرب والدمار والاحتلال!
إنّ طهران تدرك أن هذه الضغوط ليست معزولة، بل مترابطة، وأن أي تراجع في إحدى الساحات سينعكس على الأخرى. لذلك، قد تسعى إلى التصعيد في نقاط معينة، أو إلى المناورة عبر فتح قنوات تفاوض موازية، في محاولة للحفاظ على ما تبقى من أوراقها، وهي تعلم أنّها في عزلةٍ لم تعهدها في السابق أبداً.
في المحصلة، يبدو أن المرحلة التي تسبق استئناف المحادثات لن تكون مجرد فترة انتظار، بل ساحة صراع بحد ذاتها، تُرسم فيها موازين القوى التي ستحدد شكل الاتفاق – إن حصل – ومضمونه.
في خضمّ شدّ الحبال هذا قُبيل المفاوضات الأمريكيّة الإيرانيّة القادمة، أمام اللبنانيين فرصةٌ فريدة، منذ سنة ١٩٦٩، لن تتكرّر، وعليهم اقتناصها: علّها المرة الأولى التي قد يخرج فيها لبنان من الحروب المتكرّرة، وقد أدرك العالم، وعلى رأسه أمريكا، أنّ لبنان قادر على إدارة نفسه، فلن يُلزّم إلى وصايةٍ جديدة، وعلى اللبنانيين، كل اللبنانيّين، ومن بينهم شيعة لبنان، أن يُبرهنوا أنهم بلغوا “سنّ الرشد” الوطني، فيستحقوا وطناً تزهر فيه الشهادة، ومن كلِّ الطوائف، استقلالاً حقيقيّاً!