
زياد الصَّائغ
١٨ حزيران ٢٠٢٦
الدّولة الشّهيدة وفِعلُ القِيامَة!
ليست المأساةُ اللّبنانيّة في أنّ الدَّولة تعثّرت، بل في أنّ الدَّولة اغتيلت وتُغتالُ مرارًا. إغتيلت حين جرى اختزالُ الوطن إلى ساحةٍ، والدستور إلى وجهة نظر، والسيادة إلى تفصيلٍ قابلٍ للمساومة، والمواطنة إلى هويّاتٍ متنازعة. إغتيلت حين تراجعت فكرةُ لبنان الرسالة أمام مشاريع الاصطفاف العقائدي، وحين أُخضع القرار الوطنيّ لمعادلاتٍ تتجاوز الحدود تستمدّ شرعيّتَها من صراعاتٍ لا تشبه مصالح اللبنانيّات واللبنانيّين، ولا تطلّعاتهم.
تحوّلت الدّولة اللّبنانيّة، على امتداد عقودٍ، إلى ما يشبه “الدّولة الشّهيدة”. دولةٌ قائمةٌ في النُّصوص، غائبةٌ في الوقائع. دولةٌ يمتلك شعبُها طاقاتٍ استثنائيّة، لكنّ مؤسّساتها أُنهكت بفعل الازدواجيّات القاتلة. دولةٌ كُتب لها أن تكون مساحةَ حرّيّةٍ وتعدّديّةٍ وعيشٍ مشترك، فإذا بها تُدفَع قسرًا إلى أدوارٍ لا تريدها، وإلى حروبٍ لم تخترها، وإلى محاورَ لا تعبّر عن هويّتها الدستوريّة والحضاريّة.
مع ذلك، فإنّ الشهادة ليست نهايةَ الحكاية. ففي عمق التجربة اللّبنانيّة ما يؤكّد أنّ هذا الوطن يمتلك دائمًا قدرةً استثنائيّة على النهوض. لكنَّ القيامة لا تُصنع بالشعارات، ولا بالبروباغندا، ولا بإعادة تدوير الأوهام. القيامة فعلٌ سياسيّ ودستوريّ وسياديّ. القيامة تبدأ حين يقرّر اللبنانيّون/ات إخراج دولتهم من الرّوحيّة الانهزاميّة التي سكنت بعض النخب وبعض الخطابات، والانتقال إلى إرادةٍ وطنيّة تُعيد الاعتبار للدّولة باعتبارها المرجعيّة الوحيدة للحكم والقرار والسّلاح والسياسة الخارجيّة والأمن القومي.
إنّ أخطر ما أصاب لبنان خلال العقود الماضية لم يكن فقط تعطيل المؤسّسات، بل ترسيخ ثقافة الاستسلام لفكرة أنّ الدولة عاجزة بطبيعتها، وأنّ اللّادولة قدرٌ لا يمكن تجاوزه. هذه الذهنيّة الانهزاميّة شكّلت البيئة المثاليّة لازدهار كلّ أشكال الوصايات والهيمنات والدويلات، فحين يقتنع المواطن/ة بأنّ الدولة ضعيفةٌ بحكم تكوينها، يصبح أيّ مشروعٍ موازٍ للدولة مشروعًا قابلًا للتسويق. وحين تقتنع النخب بأنّ الدستور مجرّد إطارٍ تفاوضيّ، تصبح السيادة بندًا مؤجّلًا إلى أجلٍ غير مسمّى.
اليوم، تقف المنطقة أمام تحوّلاتٍ جيو-سياسيّة عميقة تتجاوز في أهمّيّتها كثيرًا من الأحداث الظرفيّة التي اعتاد اللبنانيّون/ات متابعتها. فالمشهد الإقليميّ-الدّوليّ يتغيّر بسرعة. الأولويّات الإقليميّة-الدوليّة تتبدّل. خرائط النفوذ تعاد صياغتُها. موازين القوى لم تعد كما كانت قبل سنواتٍ قليلة. في قلب هذه التحوّلات يبرز مساران متوازيان لهما تأثيرٌ مباشر على مستقبل لبنان. أوّلًا، إعادة تنظيم العلاقة الأميركيّة-الإيرانيّة ضمن أطرٍ تفاوضيّة ومذكّرات تفاهم تتعلّق بمصالح الطرفين وحدود الاشتباك بينهما. ثانيًا، مسار المفاوضات اللبنانيّة-الإسرائيليّة الذي يفرض نفسه تدريجيًّا بوصفه جزءًا من ترتيبات الأمن والاستقرار في شرق المتوسّط.
في هذا السياق، يصبح من الخطأ القاتل أن يبقى لبنان رهينةَ “القبضة الإيرانيّة”. فلبنان ليس محافظةً إيرانيّة، كما أنّه ليس منصّةً تفاوضيّة نيابةً عن أيّ دولةٍ أخرى. إنّ موجب المرحلة يقتضي نزع القبضة الإيرانيّة عن لبنان فعليًّا، لا خطابيًّا فقط. فمصالح إيران، مهما كانت مشروعةً من وجهة نظرها الوطنيّة، ليست هي المصالح الوطنيّة اللّبنانيّة، وأيّ ربطٍ عضويّ بين مستقبل لبنان ومستقبل المشروع الإيرانيّ في المنطقة إنّما يشكّل استمرارًا لمنطق اختطاف الدولة وإلحاقها بصراعات الآخرين.
الأمر نفسه ينسحب على إسرائيل. مصلحة لبنان ليست في الحرب الدائمة، كما أنّها ليست في التطبيع المجّاني. مصلحته تكمن في الدّفع نحو الانسحاب الإسرائيليّ الكامل من أيّ أرضٍ لبنانيّة محتلة، وضمان الأمن القوميّ اللّبنانيّ عبر الشرعيّة الدستوريّة والدوليّة، لا عبر منطق الحروب المفتوحة. إنّ خروج إسرائيل من أيّ مساحةٍ لبنانيّة محتلّة، واستكمال ترسيم الحدود وتثبيت السيادة، يشكّلان جزءًا من استعادة الدولة لدورها، لا بديلًا عنها.
من هنا، فإنّ الرهان الحقيقيّ لا ينبغي أن يكون على نتائج التفاهمات الأميركيّة-الإيرانيّة بحدّ ذاتها، ولا على مآلات المفاوضات اللبنانيّة-الإسرائيليّة فقط، بل على قدرة لبنان على استثمار هذه التحوّلات لإعادة بناء معادلته الوطنيّة. الدُّول الجادّة لا تنتظر نتائج المفاوضات لتعرف من تكون. الدُّول الجادّة تدخل المتغيّرات وهي تعرف مصالحها وتدافع عنها. أمّا الدول المأزومة فتنتظر الآخرين ليحدّدوا لها مستقبلها.
من هذا المنطلق، يصبح تطبيق الدستور فعلًا تأسيسيًّا للقيامة الوطنيّة. الدستور ليس وثيقةً إداريّة، بل هو العقد الذي يحمي التعدّديّة ويصون الحرّيّات ويحدّد المرجعيّات. كلّ حديثٍ عن الإصلاح أو السيادة أو الأمن القوميّ خارج إطار التطبيق الكامل للدستور يبقى مجرّد إنشائيّات سياسيّة. إنّ الدولة التي نريدها ليست دولةَ الغلبة، بل دولةَ المواطنة. ليست دولةَ التوازنات المسلّحة، بل دولةَ المؤسّسات. ليست دولةَ المحاور، بل دولةَ المصالح الوطنيّة العليا. وليست دولةَ الشعارات الثوريّة الدائمة، بل دولةَ الاستقرار المنتج والازدهار المستدام.
لكنّ قيام هذه الدولة يقتضي أيضًا مواجهةً حاسمة مع بروباغندا الانتصار الوهمي. من أكبر الكوارث التي أصابت الحياة العامّة في لبنان تحويل الهزائم إلى انتصارات، والخسائر إلى مكاسب، والانهيارات إلى أمجادٍ متخيّلة. لا تبني الأمم مستقبلها عبر تزوير الوقائع. الحقيقة الأولى التي يجب الاعتراف بها هي أنّ لبنان دفع أثمانًا باهظة نتيجة تحويله إلى ساحة صراعٍ إقليميّ-دوليّ. الحقيقة الثانية هي أنّ استمرار هذا المسار سيقود إلى أثمانٍ أكبر. أمّا الحقيقة الثالثة فهي أنّ الدولة وحدها قادرة على حماية لبنان، لا أيّ منظومةٍ موازية مهما امتلكت من أدوات القوّة. بموازاة بروباغندا الانتصار الوهمي، تبرز بروباغندا أخرى لا تقلّ خطورة، هي التهويل الدائم بالحرب الأهليّة. فمنذ سنواتٍ طويلة يجري استخدام فزّاعة الحرب الأهليّة كأداة ابتزازٍ سياسيّ. كلّما طُرحت مسألة السيادة قيل إنّها تقود إلى الفتنة. وكلّما طُرحت مسألة حصر السلاح بالدولة قيل إنّها تهدّد السّلم الأهليّ. وكلّما طُرح تطبيق الدستور قيل إنّ الوقت غير مناسب.
هذه المعادلة يجب أن تسقط نهائيًّا. فالسّلم الأهليّ الحقيقيّ لا يقوم على الخوف، بل على العدالة. لا يقوم على تعطيل الدولة، بل على قيامها. لا يقوم على التوازن بين الدويلات أو اللّادولة، بل على احتكار الدولة الشرعيّ للقرار السياديّ. لذلك فإنّ التصدّي للابتزاز الديماغوجي ليس مهمّةً إعلاميّة فقط، بل مهمّة بنيويّة تتطلّب إعادة بناء الثقافة السياسيّة الوطنيّة على أسس المواطنة والدستور والسيادة.
إنّ لحظة القيامة التي يحتاجها لبنان اليوم ليست حدثًا عاطفيًّا عابرًا، بل مشروعًا وطنيًّا متكاملًا. هي مشروعٌ يعيد الاعتبار للمؤسّسات الدستوريّة. يعزّز استقلال القضاء. يطوّر الإدارة العامّة. يحصّن المؤسّسات العسكريّة والأمنيّة. يربط السياسة الخارجيّة بالمصلحة الوطنيّة حصراً. ويؤسّس لاقتصادٍ منتجٍ يحرّر اللبنانيّين/ات من الارتهانات المتعدّدة. لقد آن الأوان للانتقال من أدبيّات الصمود إلى سياسات النهوض، ومن رواية الضحيّة إلى إرادة الدولة، ومن منطق الساحات إلى منطق الوطن. فلبنان لا يحتاج إلى مزيدٍ من الشهداء بقدر ما يحتاج إلى قيامة دولته.
الدولة الشّهيدة لا تُبعث بالحَنين إليها، بل بالشجاعة في استعادتها. الشجاعة اليوم تعني قول الحقيقة كاملةً، لا مستقبل للبنان خارج الدستور، ولا استقرار خارج السيادة، ولا ازدهار خارج الدولة. أمّا كلّ ما عدا ذلك، فليس سوى تأجيلٍ جديدٍ للأزمة، وإطالةٍ لعمر المأساة، واستمرارٍ لمسار اغتيال الوطن. يبقى الرهان على أن يتحوّل فِعلُ القيامة من شعارٍ إلى قرار، ومن قرارٍ إلى مسار، ومن مسارٍ إلى دولةٍ تستحقّ أن تُسمّى دولة. دولةً لا شهيدةً بعد اليوم. بل دولةً حيّةً، سيّدةً، حرّةً، قادرةً، وعادلة.
