
المحامي البروفيسور نبيه الشرتوني
٢٦ ايلول ٢٠٢٦
لبنان…
حين يبحث الوطن عن وجهه
قبل أن أغادر لبنان من جديد، وأعود إلى المكسيك، شعرت أنني لا أستطيع أن أرحل بصمت. هناك رحيل لا يحتاج إلى وداع، وهناك رحيل لا بدّ له من كلمات. فعندما يغادر الإنسان الأرض التي وُلد فيها، لا يترك مكانًا فحسب؛ بل يترك شوارع عرفت خطواته يومًا، وأصواتًا ما زالت تسكن الذاكرة، ووجوهًا غيّرها الزمن، وجزءًا من ذاته لا تستطيع أي مسافة أن تمحوه.
لذلك أكتب. لا لأحاكم لبنان، ولا لأبحث عن مذنب. أكتب لأن الصمت، حين يطول أكثر مما ينبغي، يبدأ أحيانًا في التشبه بالنسيان. ولأن الوطن، ما دام لا يزال يؤلمنا، فهذا يعني أن شيئًا منه لا يزال حيًّا في داخلنا.
وطن لم يعد يتعرّف إلى نفسه
أشعر أحيانًا أن لبنان لا يمرّ بأزمة سياسية أو اقتصادية أو إدارية أو مؤسساتية فحسب. أشعر أنه يمرّ بأزمة أعمق: أزمة معنى. كأن الوطن، منذ سنوات، يقف أمام مرآته، يتأمل صورته، ويبحث فيها عن الوجه الذي كان يعرفه ذات يوم. لكنه لم يعد يعرف نفسه.
يرى أرضًا واحدة، فيجد ولاءات متعددة. ويرى شعبًا واحدًا، فيسمع أصواتًا تتحدث من ذاكرات مختلفة. ويرى تاريخًا مشتركًا، فإذا بكل جماعة تختار منه ما يؤكد رؤيتها الخاصة. وهكذا، شيئًا فشيئًا، يبدأ كلٌّ منا في بناء لبنان الخاص به. لبنان الذي ورثه. لبنان الذي يتذكره. ولبنان الذي يدافع عنه. لكن ليس دائمًا لبنان الذي يجمع الجميع.
وهنا يبدأ الوجع. فالطائفية الأخطر ليست فقط تلك التي تظهر في المؤسسات والقوانين وتوزيع المناصب، بل تلك التي تتسلل إلى وعي الإنسان، فتغيّر طريقته في النظر إلى الآخر. عندها لا نعود نسأل أولًا: ماذا يقول؟ بل نسأل: إلى من ينتمي؟ فلا تعود الفكرة تُسمع لقيمتها ومضمونها، بل تُحاكم وفق هوية صاحبها. وهكذا يخفت الحوار شيئًا فشيئًا. ويتحول الاختلاف، الذي كان يمكن أن يكون مصدرًا للمعرفة، إلى حدود تفصل بين إنسان وإنسان.
التعدد الذي لا ينبغي أن يفرّقنا
أنا لا أخاف من اختلاف اللبنانيين. فلبنان وُلد من التعدد. وتاريخه مزيج من ثقافات وأديان ولغات وجبال ومدن وذاكرات تعلّمت، تارةً بصعوبة وتارةً بعظمة، أن تعيش على أرض واحدة. ولعل جانبًا من جماله كان دائمًا في أنه لم يكن وطنًا بلون واحد.
ما أخشاه هو شيء آخر. أخشى أن تتحول ألوان التعدد إلى جدران. وأن تتحول الجماعات، التي كان يمكن أن ترسم معًا لوحة واحدة، إلى غرف مغلقة. وأن يصبح اللبناني سجين الذاكرة التي ورثها، وأن يتحول الماضي، بدل أن يكون جذرًا، إلى حدود. فالذاكرة التي لا تعرف كيف تلتقي بذاكرة أخرى، تكفّ عن أن تكون إرثًا مشتركًا، وتبدأ في التحول إلى انقسام.
حين تفقد السياسة معناها
كان ينبغي للسياسة أن تكون المساحة التي تجد فيها الاختلافات طريقًا إلى التعايش. لكنها تحولت، في أحيان كثيرة، إلى قوة تغذي ما كان ينبغي لها أن تتجاوزه. كل فريق ينظر إلى لبنان من نافذته الخاصة، وبعد أن يطيل النظر إليه من هناك، يبدأ بالاعتقاد أن الوطن كله يمكن أن يتسع داخل تلك النافذة.
لكن لبنان لا يتسع في نافذة واحدة. لبنان أكبر من جميع نوافذنا. أكبر من أي زعيم، وأكبر من أي حزب، وأكبر من أي طائفة، وأكبر من أي انتخابات أو حكومة. لبنان هو لأبنائه الذين وُلدوا فيه، ولمن يعيشون فيه، ولمن غادروه، ولمن يحملون صورته في قلوبهم من أي زاوية في العالم.
حين يصل الخلل إلى حياة الإنسان
لكن المشكلة لا تبقى في السياسة. فعندما تفقد المؤسسات هيبتها، ويفقد المواطن ثقته بها، يدخل القلق إلى الحياة اليومية. وتبدأ الإدارة، والمدرسة، والجامعة، والعمل، والقضاء، وحتى العلاقات بين الناس، في دفع ثمن هذا الخلل.
المواطن الذي لا يجد حماية في الدولة يبحث عن حماية أخرى. وحين لا تعود الحماية مرتبطة بالمؤسسات، تزداد المؤسسات ضعفًا. وهكذا ندخل في دائرة يصعب كسرها: الضعف يولّد الخوف، والخوف يبحث عن ملاذ، والملاذ يعمّق الانقسام، والانقسام يعيد إضعاف الدولة.
ثم نسأل: لماذا لا يتغير لبنان؟ لعلنا أمضينا من الوقت في السؤال عمّن يتحمل المسؤولية، أكثر مما أمضيناه في السؤال عن لبنان الذي نريد أن نبنيه.
لبنان الذي لا يزال يعيش فينا
لا أريد أن أكتب من موقع اليأس. لأن اليأس قد يكون أخطر من الاختلاف. فالاختلاف يترك بابًا للكلام مفتوحًا، أما اليأس فيقنعنا بأن الكلام لم يعد له جدوى.
لذلك لا أبحث هنا عن مذنب. أبحث عن اللبناني. عن الإنسان الذي لا تزال ملامحه الحقيقية تختبئ خلف كل هذه التسميات. ذلك اللبناني الذي قد يختلف معك في الدين والسياسة والتاريخ، لكنه يعرف كيف يجلس إلى جانبك عندما يمرض ابنك، وكيف يفتح لك بابه عندما تضيق بك الحياة، وكيف يشاركك الخبز والفرح والحزن.
ذلك اللبناني لا يزال موجودًا. ولعل لبنان الذي نبحث عنه يسكن هناك.
هناك لبنان لا يظهر في الخطب السياسية. إنه لبنان الذي يكتشفه المغترب عندما يعبر الحدود. لبنان الذي يظهر فجأة في أغنية، أو في رائحة الزعتر، أو في صوت أم، أو في كلمة عربية يسمعها بعيدًا عن الوطن، أو في صورة أرزة، أو في صورة قديمة.
إنه لبنان الذي يجعل القلب يتعرّف إلى الوطن قبل أن تتعرّف إليه العين. ذلك لبنان موجود. نحمله معنا.
وهنا يبرز السؤال الذي يؤرقني أكثر من سواه: كيف نستطيع أن نحفظ لبنان في قلوبنا، ولا نستطيع أن نحوله إلى لبنان في مؤسساتنا؟
الأسئلة التي ينبغي أن نطرحها
لا أدّعي أنني أملك الجواب. فلا يستطيع إنسان واحد أن يحمل وطنًا على كتفيه. ولا تستطيع جماعة واحدة أن تعيد بناءه وحدها. ولا يحق لجيل واحد أن يقرر عن الأجيال التي ستأتي بعده.
لكننا نستطيع أن نبدأ بتغيير أسئلتنا. أن نتوقف عن السؤال: من سينتصر؟ ونسأل بدلًا منه: كيف ينتصر لبنان؟
أن نتوقف عن السؤال: ماذا سنأخذ؟ ونسأل: ماذا نحن مستعدون أن نعطي للوطن؟
أن نتوقف عن قياس قوة الجماعات، ونبدأ ببناء قوة الدولة. وأن نترك أخيرًا سؤال: من يملك لبنان؟ ونطرح السؤال الحقيقي: كيف نستعيد لبنان؟
فالوطن لا يشترط أن يتشابه أبناؤه في كل شيء. بل يطلب منهم أمرًا أصعب: أن يفهم المختلفون أن اختلافهم لا يستطيع أن يهدم ما يجمعهم.
نحن لا نحتاج إلى لبنانيين متشابهين. نحتاج إلى لبنانيين مختلفين، يعرفون أن هناك انتماءً يعلو على كل الانتماءات الأخرى.
دولة ترى المواطن أولًا. قانونًا لا يعترف بالامتيازات. إدارة تؤدي واجبها من دون وسطاء. وسياسة يكون فيها الوطن غاية، لا وسيلة. وجيلًا جديدًا يرث من آبائه حب لبنان، لا بالضرورة جراحهم القديمة.
ما علّمتني إياه المسافة
عشت لبنان في أكثر من زمن. رأيته يتغير، وينهض، ويسقط، ثم يحاول النهوض من جديد. رأيت أبناءه يختلفون، ورأيت آخرين يمدّون أيديهم للمصالحة. ورأيت كثيرين يرحلون. وقد رحلت أنا أيضًا.
لكن السنوات والمسافات علمتني حقيقة لم تستطع أي حدود أن تغيّرها: المغترب يستطيع أن يبتعد عن لبنان، لكنه لا يستطيع أن يخرج لبنان من داخله.
ولعل هذا هو السبب الذي يجعل لكل رحيل معنى مختلفًا عندي. عندما أعود إلى المكسيك، لا أشعر أنني أترك لبنان بكامله. جزء مني يبقى هنا. وجزء من لبنان يسافر معي.
فالهجرة ليست دائمًا أن تترك وطنًا وراءك. أحيانًا تكون أن تحمل الوطن معك، لكي يستمر حيًّا حيثما كنت.
قبل الرحيل
لذلك، قبل أن أعود إلى المكسيك، لا أريد أن أسأل نفسي فقط: أي لبنان نترك وراءنا؟ بل أريد أن أسأل: أي لبنان نهيّئ لمن سيأتي بعدنا؟
هل سيكون وطنًا أنهكته انقساماته؟ أم نستطيع أن نعيد إليه تلك الفكرة البسيطة والعميقة عن الوطن، التي جمعتنا يومًا؟
أنا أحلم بلبنان تكون فيه الطائفة جزءًا من الهوية، ولكنها لا تكون سجنًا. لبنان يكون فيه التعدد ثروة. والدولة مرجعًا. والقانون ميزانًا. والمواطنة وطنًا حقيقيًا.
لبنان لا يتعلم فيه طفل أن يخاف من طفل آخر لمجرد أنه وُلد على الجانب الآخر من حدود غير مرئية.
لبنان نستطيع فيه أن نقول، ببساطة ومن دون حاجة إلى تفسير: نحن مختلفون، لكننا ننتمي إلى وطن واحد.
الكلمة الأخيرة
لا أعرف متى سيجد لبنان طريقه. ولا أعرف كم من الوقت سيحتاج. ولا أعرف كم جيلًا سيمرّ قبل أن تعود كلمة الوطن لتعني الشيء نفسه عند الجميع.
لكنني أعرف شيئًا لم تستطع السنوات أن تنتزعه مني: الوطن الذي لا يزال يؤلم أبناءه لم يمت في قلوبهم.
لبنان لا يزال يؤلمني.
ولذلك أكتب.
أكتب لأنني لا أريد أن أعتاد على وجعه. لأن الاعتياد على ألم الوطن هو، في مكان ما، بداية التخلي عنه قبل أن نغادره.
أكتب لأنني لا أزال أؤمن. أؤمن أن الوطن قد يخسر أشياء كثيرة، لكنه يستطيع أن يحتفظ بالقوة التي تمكّنه من النهوض من جديد: أمل أبنائه.
ولعل لبنان لا يحتاج إلى أن نفكر جميعًا بالطريقة نفسها. ربما يحتاج إلى شيء أبسط، وأصعب في آن: أن نتعلم كيف نبقى معًا، من دون أن نتخلى عن اختلافنا.
فالوطن لا يولد عندما تختفي الاختلافات. الوطن يولد عندما يكتشف أبناؤه أن هناك شيئًا يسمو فوقها جميعًا.
شيئًا لا ينتمي إلى طائفة، ولا إلى حزب، ولا إلى زعيم، ولا حتى إلى جيل.
شيئًا لنا جميعًا.
لبنان.
ولذلك، قبل أن أرحل، أريد أن أترك كلمة أخيرة.
لا بصفتي سياسيًا. ولا بصفتي إنسانًا يزعم أنه يملك الجواب. بل بصفتي لبنانيًا عاش بعيدًا عن أرضه، وبعد سنوات طويلة لا يزال يشعر أن جزءًا من حياته بقي بين هذه الجبال.
سأغادر لبنان، لكنني لن آخذ لبنان معي.
لأن لبنان ليس شيئًا يمكن أن تحمله حقيبة.
لبنان يُحمل في القلب.
ولعل الوطن، في مكان ما بين جرح واقعنا وحلمنا، لا يزال واقفًا ينتظر.
لا ينتظر زعماءه. ولا أحزابه. ولا جماعاته.
إنه ينتظر أبناءه.
وحين يقفون أمامه أخيرًا، ربما لن يسألهم من أي طائفة جاؤوا، ولا أي حزب دافعوا عنه، ولا أي ذاكرة ورثوا.
ربما ينظر إليهم بصمت، ثم يطرح عليهم سؤالًا واحدًا.
ذلك السؤال الذي قد يطرحه وطن أتعبته سنوات الانقسام على أبنائه:
«بعد كل ما عشناه… متى قررتم أن تكونوا لبنانيين قبل أي شيء آخر؟»
وعندها، ربما نفهم أن لبنان الذي كنا نبحث عنه لم يكن ضائعًا في الجبال، ولا في كتب التاريخ، ولا في المؤسسات.
كان ينتظرنا في داخلنا، ينتظر أن نلتقي من جديد فيه.
وإذا استطعنا، يومًا، أن نفعل ذلك، فلن نقول إن واحدًا من أبنائه أنقذ الوطن.
بل سنقول:
إن الوطن نجا يوم عاد أبناؤه يتعرّفون إلى بعضهم بعضًا.
