
بقلم: الياس كساب
رئيس التحرير، باحث في الشؤون الاغترابية، واللبنانيّة، والعربيّة
١٦ آب ٢٠٢٦
تلة “علي الطاهر” وقُبّة البرلمان وما تحتهما
كم كان المشهد كاريكاتوريّاً عندما انسحب حزب الله وحلفاؤه من جلسة التصويت على قانون العفو من المجلس النيابي، في “همروجة” الدفاع عن الجيش وشهدائه من قبل من استغلَّ الجيش، ونكّلَ به، وحفرَ الأنفاق تحت أقدامه، وكبّلهُ بالثلاثيّة الخشبيّة “شعب، جيش، ومقاومة”، ثلاثيّة شرّعت السلاح خارج الدولة، وفتحت الحدود على الغارب للتهريب سلاحاً ومخدرات، وللجريمة المنظمة، واستعملت المحكمة العسكريّة للتشفي من الخصوم، والأمن العام لتزوير جوزات سفر للحرس الثوري الإيراني، ووضعت قراري الحرب والسلم بيد طهران التي استجلبت لنا الحروب والويلات!
وكم كانت سقطةُ وزير الدفاع كبيرة، ليس لأنّه يدافع عن الجيش وشهدائه، فهذا حقّه، لا بل واجبُه، لكن لأنّه، بوقوفه بوجه رئيس مجلس الوزراء، وفي زمن المفاوضات اللبنانيّة الأمريكيّة الإسرائيليّة التي تتطلب أقصى درجات التضامن الحكومي، بدا، وللمرة الثانية بعد تظاهرة الروشة، وهو المحسوب على الرئيس، من حيث يدري، أو لا يدري، يناقض سياسة رئيس الجمهورية الذي يعمل على تثبيت استعادة الدولة لقراري الحرب والسلم، ويقدّم الجيش للدول الصديقة على أنّه العامل الأساس لتثبيت الأمن وإنهاء الاحتلالات، فوقع، مُجدّداً، وأوقع المؤسسة العسكريّة معه في شباك وفيق صفا وشركائه!
جبران باسيل يُحبّ “الهمروجات”، خاصّةً إذا كان هناك ما يدغدغ مؤيديه الذين ما زالوا يعتقدون أنّ الجيش “خاصّتُهم”، ففي ظلِّ غضب الشعب اللبناني على الحرب والدمار، وعلى من تسبّب بهما، لم يعد قادراً على الاستقواء بالكتاب “الأصفر” لمذكرة تفاهم مار مخايل، ولا على تبجيل “مرشد الجمهورية ” الراحل، فوضع رِجلاً في “بور الحزب”، ورِجلاً في “فلاحةِ السيادة”، بانتظار “سقطةٍ” ما، وبرأيه قد حانت مع بدء التصويت على القانون!
كلنا نذكر همروجته في ١ تشرين الأول ٢٠١٨، يوم كان وزيراً للخارجيّة، حين “تأبّط حنكته الدبلوماسيّة”، واستدعى سفراء ودبلوماسيّين وإعلاميّين، وقام بجولةٍ في الضاحية الجنوبيّة، وبقرب مطار بيروت بالتحديد، ليدحضَ مزاعم نانتنياهو في الأمم المتحدة، حين رفع الأخير صوراً، من على المنبر الدولي، يتهم فيها الحزب بتخزين الصواريخ قرب المطار، وكم تبدو هذه الهمروجة بعد حرب الإسناد سخيفةً، لا بل غبيّةً حتى الخطورة، بعد أن اكتشف اللبنانيّون، في الحرب المستمرّة حتى اليوم، ترسانة الحزب الصاروخيّة، ومدن الأنفاق التي حُفرت تحت أرجلِ السلطة الحاكمة المتواطئة، والمنظومة الفاسدة المتحالفة مع السلاح، والتي سفكت، ليس دماء اللبنانيّين فحسب، بل أموالهم، ومستقبلهم، ومستقبل أولادهم على مذبح طغاة هذا الشرق!
فما بين أنفاق علي الطاهر ومثيلاتها، ودهاليز السلطة في الدولة العميقة، والتي أدارت الفساد حتى الإفلاس، واستسلمت للسلاح مقابل النفوذ حتى الهزيمة، هناك مايسترو واحد، أدار “الحفر” المُمنهج في الركائز الدستوريّة والقانونيّة، ومن تحت قُبّة البرلمان، ويهاله اليوم أن يرى اللعبةَ وقد بدأت تتفلّت من براثنه: فالعدل لم يعد انتقائيّاً، والموقف لم يعد رماديّاً، أمّا الاستقواء، فبالقانون وحده، فما غطّاه سواد الأنفاق، سوف تكشفه للعلن شمسُ الحقيقة، شمسُ لبنان!
فليكن معلوماً، ودون مزايدات رخيصة: إنّ الجيش اللبناني هو جيش اللبنانيين جميعاً، عليه نعقد الآمال، وننتظر أن يكون الضامن الوحيد للسلم الأهلي، دون انحياز، والمدافع عن العدل وهيبة القانون، بعيداً عن استغلال النفوذ، وحارساً للجمهورية، دون استزلام، وفارضاً للسيادة، دون مهادنة، لا مع بعض الداخل، أيّاً كان هذا البعض، ولا مع الخارج، كلِّ الخارج، وله منّا الجوارح والقلوب، والدعم غير المشروط، لكي يستعيد دوراً تاريخيّاً طال انتظاره، إذ هوى، وهوى معه لبنان إلى صراعاتٍ وحروبٍ وآلامٍ لم تنتهِ فصولاً بعد، مذ وقّع قائده إميل البستاني اتفاقيّة القاهرة سنة ١٩٦٩..
نحن نهيب بفخامة الرئيس جوزف عون، وهو خامس قائد جيش يتبوّأ سدة الرئاسة، وهو صاحب الكفّ والفكر النظيفين، وهو الحريص على عدم السماح للتدخلات السياسيّة في الجيش، نهيب به أن يعود بالمؤسسة العسكرية إلى صلابة ونظافة مؤسّسها الرئيس فؤاد شهاب، لا إلى شهابيّة “المكتب الثاني” مع شارل حلو التي وقعت اتفاقية القاهرة، ولا إلى “اللحّوديّة” التي انبطحت أمام نظام الأسد، ولا “العونيّة” التي تنازلت عن المبادئ من أجل السلطة، فمنذ اتفاق القاهرة المشؤوم، حتى الثلاثيّة الخشبيّة مع “المقاومة”، والتي شرّعت السلاح، أحبطنا الجيش، وزرعنا في صفوفه من يدين بالولاء للزعماء قبل الوطن!
فشكراً جوزف عون لأنك وقفت بوجه التدخلات، وفتحت للجيش، يوم كنت قائده، بدايةً جديدةً لدوره الوطني، وحضنت عناصره في أسوأ أزمة ماليّة، وها أنت تكمل المهة كرئيس للجمهوريّة، عبر مسؤوليّاتك الدستورية، وكونك القائد الأعلى للقوات المسلحة!
نهيب بك أن تُنظّف المؤسسة العسكرية من “التوابع”، كي يكون “أمر اليوم” ناصعاً كثلج لبنان، قاطعاً كسيف فخر الدين..
نهيب بك أن تستعيدَ الأجهزةَ من زعماء الطوائف، فلا يُحسب كلُّ جهازٍ أمنيٍّ على فئة، والأهم ألا يصير رؤساء الأجهزة همُ الزعماء، فحين يتصارعون تضيع الحقيقة، ويسقط العدل، وتنتفي المسؤوليات كما في جريمة المرفأ!
نهيب بك، في المعركة الكبرى التي تخوضها، معركة السيادة، وحصر قراري الحرب والسلم بيد الدولة، ألا يُسمح للدجالين أن يصطادوا في الماء العكِر، فلقد انتظر اللبنانيون طويلاً، وبصبر، كي يروا على رأس السلطة التنفيذية رئيساً للجمهوريّة، ورئيساً لمجلس الوزراء، يتمتعان بالشفافية، والصدق، والموقف الوطنيِّ الواحدِ الجريء، ونحن لعلى ثقة أنكما لن تقعا في فخِّ المنظومة المنصوب لكما..
في أنفاق الدويلة تحت الأرض، واحتلال الحرس الثوري المُقنّع للبنان، وأنفاق الدولة العميقة في المؤسّسات، تشابكُ مصالح، وتحالفٌ قَدَري، هناك في العَسَس تُحاكُ الدسائس، وتنمو المؤامرات، فالأولى تتوسّل الاحتلال الإسرائيلي كي يبقى ذريعةً لبقائها، وتناسلها، والثانية تتوسّل بقاءَ الأولى كي تستمدَّ غطاءَ القوة في لعبةِ السلطةِ والفساد، وبينهما يراهنُ اللبنانيّون عليكما، يا فخامةَ الرئيس، كي تستمرّا، أنتم ودولة الرئيس، في المواجهة الدستوريّة التي استعادت معكما وهجها، فلبنان لا يتحمّل الوقوع في لعبةِ “الهمروجات” الصُبيانيّة!