
زياد الصَّائغ
٨ تشرين الاول ٢٠٢٦
البابا لاوون الرّابع عشر في فرنسا
وتشنُّجات الشارع!
تبدو فرنسا، في هذه المرحلة من تاريخها، وكأنَّها تختبر قدرتها على إعادة تعريف ذاتها أكثر ممّا تواجه مجرَّد أزمةٍ سياسيَّة عابرة، ذلك أنَّ ما يتفاعل في مجتمعها من تحوُّلاتٍ ديموغرافيَّة وثقافيَّة ودينيَّة، وما يضغط على دولتها من أزماتٍ اقتصاديَّة واجتماعيَّة وماليَّة، وما يحيط بها أوروبيًّا ودوليًّا من تبدُّلاتٍ جيو-سياسيَّة، يجعل السؤال الفرنسيّ أبعد من تنافسٍ على السُّلطة أو صراعٍ بين يمينٍ ويسار، ليصبح سؤالًا عن الجمهوريَّة نفسها، أيُّ جمهوريَّة تريد فرنسا أن تكون، وأيُّ مواطنة تستطيع أن تنتج، وأيُّ عقدٍ اجتماعيّ قادرٌ على حماية وحدتها من دون إلغاء تعدُّدها، وأيُّ معنى يبقى لقِيَم الحُرِّيَّة والمساواة والأخوَّة حين يشعر جزءٌ من الفرنسيِّين/ات بأنَّ هذه القِيَم لم تعد تُترجم بالقدر نفسه في المدرسة والعمل والضَّواحي والفرص والحماية الاجتماعيَّة والانتماء؟
في قلب هذا المشهد جاءت زيارة البابا لاوون الرَّابع عشر إلى فرنسا بين 25 و28 أيلول 2026، متنقِّلًا بين باريس ولورد ومتز، وزائرًا الإليزيه واليونسكو ونوتردام، وملتقيًا الشَّباب والكنيسة وممثِّلي الأديان، في رحلةٍ لا يمكن اختزالها في بعدها الرُّوحيّ أو البروتوكوليّ، لأنَّ جغرافيا الزيارة نفسها رسمت خريطةً دلاليَّة لفرنسا التي تبحث عن ذاتها. من مؤسَّسة الجمهوريَّة إلى مؤسَّسة الثَّقافة العالميَّة، ومن كاتدرائيَّة نوتردام بما تختزنه من ذاكرةٍ حضاريَّة إلى لورد بما تمثِّله من اختبارٍ للإيمان الشعبيّ، وصولًا إلى متز حيث عُقد اللقاء الما بين دينيّ في فضاءٍ أوروبيّ ارتبط تاريخيًّا بأسئلة الحرب والمصالحة والوحدة.
لذلك، فإنَّ قراءة هذه الزيارة بمنهجيَّة السِّياسات العامَّة تفرض تجاوز السؤال عمَّا قاله البابا إلى سؤالٍ أكثر تركيبًا، ما المشكلة العامَّة التي كشفت عنها الزيارة، وما القِيَم التي حاول الخطاب البابويّ إعادة إدخالها في النقاش العامّ، وأين تلتقي هذه القِيَم أو تتصادم مع أولويَّات الدَّولة والمجتمع، وكيف يمكن تحويل الأخلاق والحوار والتَّضامن من عناوين معنويَّة إلى خياراتٍ قابلة للترجمة في السِّياسات العامَّة؟
لقد بنت فرنسا الحديثة جزءًا أساسيًّا من هويَّتها الجمهوريَّة على مفهوم العَلْمانيَّة (Laïcité)، غير أنَّ العَلْمانيَّة الفرنسيَّة نفسها تواجه اليوم امتحانًا مختلفًا عن الامتحان التاريخيّ الذي أنتجها؛ فالمسألة لم تعد محصورةً في تحديد العلاقة بين الكنيسة الكاثوليكيَّة والدَّولة، بل باتت مرتبطةً بإدارة مجتمعٍ تعدُّديّ، تتفاعل داخله المسيحيَّة والإسلام واليهوديَّة واللَّاأدريَّة والإلحاد والهويَّات الثقافيَّة الجديدة، فيما تتداخل أسئلة الدِّين والهجرة والاندماج والأمن والهويَّة في خطابٍ سياسيّ يزداد استقطابًا كلَّما اقتربت فرنسا من استحقاقها الرئاسيّ.
من هنا اكتسبت زيارة لاوون الرَّابع عشر دلالةً تتجاوز الكاثوليك الفرنسيِّين أنفسهم؛ إذ إنَّ حضور رأس الكنيسة الكاثوليكيَّة في فرنسا لا يطرح سؤال عودة الدِّين إلى السُّلطة، بل يطرح سؤالًا أكثر دقَّة هل تستطيع الجمهوريَّة أن تعترف بالمكوِّن الرُّوحيّ والأخلاقيّ في حياة مواطناتها ومواطنيها من دون أن تتخلَّى عن حياد الدَّولة؟ وهل يمكن للعَلْمانيَّة أن تكون إطارًا لحماية حُرِّيَّة الضَّمير بدل أن تتحوَّل، في بعض الاستخدامات السياسيَّة، إلى أداةٍ جديدة لإنتاج القلق الهويَّاتي؟
إنَّ حياد الدَّولة لا يعني حياد المجتمع عن القِيَم، كما أنَّ فصل المؤسَّسات الدِّينيَّة عن مؤسَّسات الدَّولة لا يعني فصل الإنسان عن حاجته إلى المعنى، لذلك تصبح المسألة في جوهرها مسألة حوكمةٍ للتَّعدُّد؛ أي قدرة المؤسَّسات على ضمان الحقوق المتساوية، وحماية المجال العامّ من الهيمنة الدِّينيَّة كما من الإقصاء الأيديولوجيّ، وإنتاج مواطنةٍ لا تطلب من الإنسان أن يتخلَّى عن هويَّاته كي يكون مواطنًا، بل تجعله قادرًا على حمل هويَّاته ضمن انتظامٍ دستوريّ ومدنيّ جامع. يأتي اللقاء الما بين دينيّ الذي عقده البابا في متز ليضع هذه المسألة في صميم التَّفكير في مستقبل أوروبا، ذلك أنَّ الحوار بين الأديان لم يعد ترفًا لاهوتيًّا، ولا مجرَّد مناسبةٍ لتبادل عبارات المجاملة، بل أصبح أحد مكوِّنات الوقاية المجتمعيَّة في الدُّول التي تتَّسع فيها التَّعدُّديَّة وتتزايد فيها مخاطر التَّطرُّف والعنصريَّة ومعاداة السَّاميَّة والإسلاموفوبيا والانغلاق الهويَّاتي.
الإنتقال من الحوار الدِّينيّ إلى سياسةٍ عامَّة للتَّماسك المجتمعيّ يقتضي تغيير المقاربة. المطلوب ليس أن تتَّفق الأديان على عقائدها، بل أن تتشارك في حماية الإنسان، وأن تتحوَّل المرجعيَّات الدِّينيَّة من مواقع للدِّفاع عن جماعاتها إلى شركاء في حماية المجال الوطنيّ المشترك، لأنَّ المجتمع الذي تتحوَّل فيه الهويَّات إلى جزرٍ خائفة يصبح أكثر قابليَّة للاستقطاب، فيما المجتمع الذي تتحوَّل فيه التَّعدُّديَّة إلى مسؤوليَّةٍ مشتركة يمتلك قدرةً أعلى على مقاومة العنف والتَّهميش وخطابات الكراهية.
هنا تحديدًا يصبح اللقاء الما بين دينيّ ذا معنى سياسيّ من دون أن يكون حزبيًّا، لأنَّه يعيد تعريف الأمن نفسه. الأمن ليس فقط انتشار الشُّرطة، ولا ارتفاع قدرات أجهزة الاستخبارات، بل هو أيضًا شعور الإنسان بأنَّه مرئيٌّ في دولته، ومحميٌّ بقانونها، وشريكٌ في مستقبلها، وغير مضطرّ إلى الاحتماء بهويَّته الفرعيَّة لأنَّ هويَّته الوطنيَّة لم تعد قادرةً على احتضانه.
أمَّا البُعد الجيو-سياسيّ للزيارة، فيتَّصل مباشرةً بموقع فرنسا في أوروبا والعالم، وقد تناول لقاء البابا مع الرئيس إيمانويل ماكرون الحرب في أوكرانيا، والسَّلام والاستقرار في الشرق الأوسط، والعلاقات مع أفريقيا، فضلًا عن قضايا المناخ والذَّكاء الاصطناعيّ، وهو ما يكشف أنَّ العلاقة بين فرنسا والكرسيّ الرسوليّ لا تُقرأ فقط ضمن تاريخ الكاثوليكيَّة الفرنسيَّة، بل ضمن قدرة الطرفين على إنتاج خطابٍ دوليّ حول السَّلام والكرامة الإنسانيَّة وحوكمة التحوُّلات الكبرى.فرنسا التي حملت طويلًا طموح القوَّة المتوسِّطة ذات الرِّسالة الكونيَّة تواجه اليوم صعوبةً في التوفيق بين إرثها الديغوليّ، والتزامها الأوروبيّ، وشراكتها الأطلسيَّة، وعلاقتها التاريخيَّة بأفريقيا والمتوسِّط، فيما تتراجع قدرة أوروبا على فرض قواعد النظام الدوليّ أمام صعود منطق القوَّة والحروب المفتوحة والتنافس التكنولوجيّ والاقتصاديّ. من هذه الزاوية، لا تبدو الدبلوماسيَّة البابويَّة منافسةً للدبلوماسيَّة الفرنسيَّة، بل تذكيرًا لها بأنَّ السِّياسة الخارجيَّة تفقد معناها حين تنفصل عن غايتها الإنسانيَّة، وأنَّ السَّلام ليس تسويةً تقنيَّة بين موازين القوى بقدر ما هو بناءٌ طويل لشروط العدالة والأمن والاعتراف المتبادل، وهذا ما تحتاج إليه أوروبا التي لا تستطيع أن تدافع عن نموذجها الحضاريّ في الخارج فيما تتآكل الثِّقة بهذا النموذج داخل مجتمعاتها.
للكنيسة الفرنسيَّة امتحانها الخاصّ أيضًا؛ فهي لا تستطيع أن تقرأ الحشود التي رافقت الزيارة باعتبارها استعادةً تلقائيَّة لنفوذٍ اجتماعيّ مفقود، على الرَّغم من الحضور الشعبيّ اللافت الذي سجَّلته باريس ونوتردام، إذ قدَّرت السُّلطات وجود نحو ثلاثمئة ألف شخص على مسار البابا وفي محيط الكاتدرائيَّة. إنَّ التحدِّي الحقيقيّ أمام الكنيسة ليس استرجاع موقعٍ كانت تملكه، بل اكتشاف موقعٍ جديد في مجتمعٍ تغيَّر؛ أي الانتقال من منطق الحضور المؤسَّسيّ إلى منطق الشَّهادة والخدمة، ومن القلق على النفوذ إلى القلق على الإنسان، ومن الدفاع عن الذَّات إلى المشاركة في معالجة أسئلة الوحدة الاجتماعيَّة والفقر والعزلة والشَّباب والهجرة والبيئة ومعنى الحياة. بهذا المعنى، فإنَّ نجاح الزيارة لا يُقاس بعدد المشاركين/ات في الاحتفالات بقدر ما يُقاس بما إذا كانت ستدفع الكنيسة الفرنسيَّة إلى مزيدٍ من الإصغاء إلى مجتمعها، وإلى تطوير أدواتها في مواكبة الإنسان الذي يعيش أزمة معنى، لأنَّ الكنيسة التي تدخل المجال العامّ بحثًا عن امتيازٍ سياسيّ تخسر رسالتها، أمَّا الكنيسة التي تدخله دفاعًا عن كرامة الإنسان فتستعيد وظيفةً لا تستطيع المؤسَّسات السياسيَّة وحدها القيام بها.
غير أنَّ المفارقة الفرنسيَّة ظهرت بقوَّة بعد أيامٍ قليلة من انتهاء الزيارة، حين عادت صور الاحتجاجات وإقفال المدارس والمواجهات بين الطلَّاب والشُّرطة إلى واجهة المشهد، واتَّسعت حركةٌ بدأت في الضَّواحي الباريسيَّة المحرومة لتشمل مناطق عديدة، فيما تركزت المطالب على نقص المدرِّسين/ات، وتردِّي البنية التحتيَّة، والاكتظاظ، والتَّفاوت في نوعيَّة الخدمات التربويَّة، ووصل عدد المدارس المتأثِّرة بالحركة إلى أكثر من ألف ومئتي مؤسَّسة في إحدى مراحلها، وسط آلاف الاعتقالات ومواجهاتٍ عنيفة.
هنا لا يعود السؤال أمنيًّا. كيف تضبط فرنسا شارعها؟ بل يصبح سؤال سياسات عامَّة. لماذا وصل جزءٌ من شباب فرنسا إلى الاقتناع بأنَّ الشَّارع أكثر قدرةً على إسماع صوته من المؤسَّسات؟ إنَّ المدرسة الفرنسيَّة ليست قطاعًا خدماتيًّا فحسب؛ إنَّها تاريخيًّا أحد مصانع الجمهوريَّة، وحين تختلُّ المدرسة يختلُّ جزءٌ من العقد الجمهوريّ نفسه، لأنَّ المساواة التي لا يختبرها الطفل في المدرسة يصعب إقناعه بها لاحقًا بوصفها قيمةً دستوريَّة، كما أنَّ المواطنة التي تُدرَّس نظريًّا فيما تُعاش الفوارق يوميًّا تتحوَّل إلى خطابٍ يفتقر إلى صدقيَّته الاجتماعيَّة.
ومن هنا تصبح تشنُّجات الشَّارع مؤشِّرًا (Policy Indicator) على أزمةٍ أعمق من الاحتجاج نفسه؛ أزمة ثقةٍ وفعاليَّة وعدالة توزيعيَّة، تتقاطع فيها المدرسة مع الضَّواحي، والهجرة مع الاندماج، والقدرة الشرائيَّة مع الخدمات العامَّة، والهويَّة مع الأمن، فيما تجد الدَّولة نفسها مطالبةً بتمويل دولة الرَّفاه والمحافظة على تنافسيَّة الاقتصاد وضبط الدَّين العامّ في الوقت نفسه. وقد دخل هذا العامل الماليّ مرحلةً شديدة الحساسيَّة مع ارتفاع كلفة الاقتراض الفرنسيّة وازدياد قلق الأسواق من الدَّين والعجز ومن قدرة النظام السياسيّ المنقسم على إقرار موازنة 2027 وتنفيذ مسارٍ ماليّ قابل للاستمرار.
على بُعد أشهر من الانتخابات الرئاسيَّة الفرنسيَّة، يصبح كلُّ هذا أكثر خطورة؛ لأنَّ الاستحقاق المقبل لن يكون مواجهةً بين برامج اقتصاديَّة متنافسة فحسب، بل ساحةً لصراعٍ حول تعريف فرنسا نفسها، في ظلِّ صعود اليمين القوميّ، وتشتُّت الوسط، وأزمة اليسار، وتراجع الثِّقة بالأحزاب التقليديَّة، وتنامي قابلية قطاعات اجتماعيَّة للاحتجاج على المنظومة السياسيَّة بكاملها. وتُظهر التطوُّرات الماليَّة والسياسيَّة الراهنة أنَّ موازنة 2027 والدَّين والإنفاق العامّ والهجرة والأمن والخدمات ستدخل جميعها في قلب المعركة الرئاسيَّة.
الخطر هنا أن يتحوَّل الإنسان الفرنسيّ نفسه إلى موضوعٍ للصراع بين سرديَّاتٍ متقابلة. سرديَّةٍ تريد حمايته عبر الانغلاق الهويَّاتيّ، وأخرى تختزل مشكلاته في العدالة الاقتصاديَّة، وثالثة تتمسَّك بالقِيَم الجمهوريَّة بصيغةٍ قانونيَّة من دون أن تنجح دائمًا في تحويلها إلى تجربةٍ اجتماعيَّة ملموسة.
بينما المطلوب إعادة بناء الإنسان الفرنسيّ بوصفه مواطنًا مركَّب الهويَّة، موحَّد الحقوق والواجبات؛ فرنسيّته لا تنفي أصوله، وإيمانه أو عدم إيمانه لا يحدِّدان درجة مواطنته، وانتماؤه الثقافيّ لا يمنحه امتيازًا ولا يجعله موضع شبهة، لأنَّ الجمهوريَّة الواثقة من ذاتها لا تخاف من التَّعدُّد، بل تنظِّمه بالقانون وتحصِّنه بالمساواة وتحوِّله إلى غنىً وطنيّ. عليه، فإنَّ مقاربة المرحلة بمنهجيَّة السِّياسات العامَّة تستوجب الانتقال من إدارة نتائج التوتُّر إلى معالجة أسبابه، وذلك عبر سياسةٍ وطنيَّة متكاملة لاستعادة الثِّقة، تبدأ بإعادة الاعتبار إلى المدرسة بوصفها مؤسَّسةً لإنتاج تكافؤ الفرص والمواطنة، وتمرُّ بإعادة تقييم سياسات الضَّواحي والاندماج بما يمنع تحوُّل الجغرافيا الاجتماعيَّة إلى حدودٍ غير معلنة بين الفرنسيِّين/ات، وتتطلَّب حماية العَلْمانيَّة من توظيفها الانتخابيّ كي تبقى ضمانةً لحُرِّيَّة الضَّمير لا عنوانًا لصراع الهويَّات، كما تحتاج إلى مأسسة الحوار الما بين دينيّ ضمن سياسات الوقاية من التطرُّف وبناء التماسك الاجتماعيّ، وإلى إعادة ربط الأمن بالعدالة الاجتماعيَّة، وصولًا إلى إطلاق نقاشٍ جمهوريّ صريح حول معنى المواطنة الفرنسيَّة في القرن الحادي والعشرين.المطلوب، في الوقت نفسه، عدم الوقوع في وهم أنَّ الإنفاق العامّ وحده قادرٌ على ترميم الثِّقة.
